كان شهر سبتمبر سنة 1958 قاسيا على الاحتلال الفرنسي في عقر داره، جراء قرار الثوار الجزائريين بقيادة جبهة التحرير الوطني، نقل "رعب الحرب" من الجزائر إلى فرنسا، عبر سلسلة هجمات مسلحة ضربت العاصمة باريس ومدنا أخرى أسفرت عن خسائر بشرية والمنشآت.
بدأت الهجمات في أواخر أغسطس 1958، لكن الجزء الأكبر والأكثر عنفا منها حدث في سبتمبر واستمر إلى نهايته، ونفذ الهجمات قوات خاصة تابعة لجبهة التحرير الوطني، التنظيم السياسي الذي أعلن الثورة على فرنسا في فاتح نوفمبر 1954.
242 هجوما
بلغ عدد الهجمات 242 استهدفت مواقع عسكرية واقتصادية وشخصيات فرنسية، خلّفت أزيد من عشرات القتلى وجرح ما لا يقل عن 188 آخرين، ومن أشهرها إحراق مخازن الوقود في مدينة مرسيليا وتخريب خط للسكك الحديدية بين مدينتي باريس ولوهافر وتفجير قنبلة داخل سيارة جنود فرنسيين وقطع أسلاك الهاتف وغيرها.
لكن أخطر العمليات كانت محاولة اغتيال حاكم الجزائر جاك سوستال في باريس، والتي شكّلت رسالة تهديد خطيرة إلى الحكومة الفرنسية حينها، مفادها قدرة الثورة على الوصول إلى رجال الصف الأول من السياسيين الفرنسيين.
القيادي في حزب جبهة التحرير ورئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية حينها، فرحات عباس، وصف هذه الهجمات في تصريحات صحافية قائلا إن "نقل الأحداث إلى قلب فرنسا كان قد تقرر بعدما حدث 13 ماي 1958، وقد أعطينا أوامر بخصوص حياة البشر التي يجب أن تحترم".
وتتمثل أحداث 13 ماي 1958 في الانقلاب الذي حاول جنرالات فرنسيون مناهضون للجنرال ديغول تنفيذه، بعدما أراد التفاوض مع الثوار الجزائريين، فيما كان أولئك الجنرالات يرفضون الاعتراف بحق الجزائريين في الاستقلال ورفعوا شعار "الجزائر الفرنسية".
استنفار فرنسي
وصل صدى تلك الهجمات إلى العالم والرأي العام الفرنسي وهو ما أراده الثوار الجزائر، ونقلت صحف فرنسية وعربية وعالمية أخبار الهجمات وما خلفته من دمار، حيث عنونت يومية فرنسية "سلسلة هجمات حارقة لجبهة التحرير الوطني في باريس والضواحي".
وقالت يومية "الشعب" المصرية على صدر عددها ليوم 17 سبتمبر 1958 "الجزائريون يشيعون الدمار في جميع أنحاء فرنسا: هجوم شامل في المدن والقرى، تساقط عشرات الفرنسيين قتلى وجرحى"، كما تحدثت عن عمليات نسق مقر للشرطة وإحراق ناقلة نفط.
وعنونت يومية "الأهرام" المصرية الشهيرة "حرب في قلب باريس.. فرق من ثوار الجزائر تتسلل إلى فرنسا وتشعل النار في 4 مدن فرنسية"، وعنونت في عدد لاحق "حرائق الجزائريين تلتهم مارسيليا: مصرع 17 من رجال المطافئ واحتراق مليونيْ لتر من البترول.. الجيش يحرس باريس وضواحيها".
استنفرت العملية التي نفذها الثوار الجزائريون السلطات الفرنسية، فصدرت الأوامر بتكليف الآلاف من رجال الشرطة والجيش بحراسة المصانع والجسور ومستودعات النفط وخطوط السكك الحديدية وجميع المراكز الحيوية، التي قد تكون هدفا للثوار.
وتحدثت تقارير فرنسية بالتفصيل عن العمليات التي نفذها الثوار طيلة شهر سبتمبر يوما بيوم، وقالت إن "110 قتيلا سقطوا وهم من الجيش والدرك والشرطة"، وقالت "إن هذا الشهر شهد عمليات فاقت الشهور التي قبله".
- المصدر: أصوات مغاربية
