تكاد تكون "البوغي" أشهر أغنية في مدينة قسنطينة شرقي الجزائر بل في الجزائر كلّها، رغم أنّ عمرها يتجاوز ثلاثة قرون.. بل لعلّها تنفرد بصفة "الأغنية الخالدة" في البلاد!
تروي "البوغي"، ومعناها "البُغية" أو "المُراد" في اللهجة القسنطينية، قصة حبّ حقيقية دامت أكثر من ثلاث سنوات بين سيدة من كبار القوم من حُكّام المدينة وشاب بسيط من عامة الشعب يشتغل طرّازا، انتهت بمقتلهما في ليلة واحدة.
فما حكاية هذه الأغنية، التي ألّفها وغنّاها صاحب قصّة الحب نفسه، وغنّاها بعده أساطير فن المالوف في الجزائر من مسلمين ويهود أبرزهم؛ محمد الطاهر الفرقاني والشيخ ريمون إبان فترة الاحتلال الفرنسي وبعده بل ولاتزال تُغنى إلى اليوم؟
الصّدفة تُوقع الطراز ونجمة في الحب
لا يوجد تاريخ محدّد لـ"البوغي"، لكن القسنطينيين يتّفقون على أنها حدثت في منتصف القرن 18 عندما كان الوجود العثماني يشارف على نهايته تحت ضربات الغزاة الفرنسيين، الذين طرقوا أبواب البلاد سنة 1830.
في هذه الفترة قدِم إلى قسنطينة شاب يُدعى جاب الله بن سعد العنابي، نسبةً إلى مدينة عنابة (شرق) غير البعيدة عن قسنطينة.
كانت بُغية الشاب جاب الله تعلّم حرفة الطّرز على القماش، والتي اشتهرت بها المدينة إلى جانب فنون كثيرة، وفضلا عن رغبته في تعلم الطرز كان الشاب ماهرا في نظم قصائد الزجل والغناء أيضا.
تمدّدت علاقات الشاب العنابي في المجتمع القسنطيني البسيط والراقي معا، وبما أنهم عرفوا براعته في الغناء صاروا يدعونه إلى أعراسهم ومناسباتهم.
تقول الرواية، التي يتناقلها القسنطينيون شفاهيا، إن الشاب جاب الله التقى نجمة بن الحسين القسنطينية في أحد أزقّة المدينة صدفة، وبأن نظراتهما لبعض كانت رسول الغرام الأول بينهما، لكنّ المفاجأة أنّ نجمة كانت زوجة رجل من عائلات البايات من حكام المدينة!
بدأ العاشقان يتبادلان رسائل مكتوبة وشفاهية عبر وسطاء يثقان بهما، متجاهلين كل الأخطار المُحدقة بهما لو انفضح أمرهما، وفي يوما ما دُعي جاب الله من طرف أصدقاء للغناء في مجلس لكبار القوم فلبّى الدعوة، ومن هنا ستأخذ قصة الحب طريقا مأساويا.
افتضاح الحب وفرار جاب الله
في ذلك المجس تفاخر الحاضرون بغرامياتهم وراح كل منهم يُظهر دليلا ماديا على وجود حبيبة في حياته، فهذا يخرج منديلا وذاك خاتما إلا جاب الله لم يكن يملك دليلا، فوعد من معه بأن يأتيهم بدليل في المرة المقبلة.
حمل جاب الله نفسه ليلا وطرق نافذة نجمة، التي تسكن في حيّ القصبة، وطلب منها دليل حبّها له، فرمت إليه بخصلة من شعرها مربوطة بحزامها المُطرّز بحبات الجوهر الأبيض.
وفي المجلس المقبل رمى الشاب العاشق بدليل الحب في آنية أمام من كان معه ونطق باسم نجمة، في هذه اللحظة عاجَله أحد الحضور بأن يفرّ بسرعة، لأن السيدة التي نطق باسمها هي ابنة وزوجة أكابر القوم وأن خبره سيصل إلى أهلها وسيلاحقونه ويقتلونه.
فرّ جاب الله إلى إحدى الزوايا الدينية في المدينة في بادئ الأمر، لكنّه لم يطمئن على نفسه فعاد إلى مسقط رأسه عنابة ومكث هناك ثلاث سنوات، يجترّ فيها حُبّه بحزن وأسى.
حُزن نجمة.. والعُرس القاتل
في هذه الفترة كانت نجمة تمر أيضا بحالة من الحزن على فراق جاب الله.. لقد سألت معارفه وتردّدت على مكان عمله وزارت عرّافات المدينة حتى يُخبرنها عن مكانه، وبعد جهد جهيد عثرت على إحداهنّ فأخبرتها بأنه سيعود ولكن بعد سنوات وأن عليها أن تستمر في البحث.
عملت نجمة بنصيحة العرافة، وبعد بحث طويل عرفت مكان جاب الله، فأرسلت له مرسولا إلى عنابة سلّمه دعوة منها ليغنّي في حفل ختان ابنها فوافق.
وصل جاب الله إلى مدينة الهوى، ومدينة الهوى هو أحد ألقاب قسنطينة قديما، فقابل أحد أصدقائه المقرّبين، ورغم تحذير الأخير له من الذهاب إلى الحفل كونه مبحوثا عنه من كبار القوم، إلا أنّ جاب تجاهل التحذير ضانّا بأن أمره قد نُسي، أو لعلّه تعمّد الذهاب متحمّلا أي تبعات.. وهو ما حدث فعلا!
توجه جاب الله مع صديقه إلى حفل الختان، وهناك غنّى لأول مرة قصيدته "البوغي" التي تروي حكايته كاملة مع نجمة، بل إنه كشف عن اسمها في الأغنية كما نعى نفسه جازما بأنه سيُقتل هذه الليلة، tتقول بعض كلمات الأغنية:
بالبُغية تقوّى غرامي (بالبقية زاد غرامي قوّة)
ما اهلكني إلا سابغ الشفر (ما ضرّني إلى سابغ الأشفار، يقصد نجمة)
نتابع في مرضاه والَع (أتابع رضاه موضوعا به)
بعدما رقدت همومي (بعد أن هدأت همومي من حبه)
تبت على الأريام والخمر (تبن عن النساء والخمر)
قلت أنا لله راجع
لمنين بعتي سلامي (عندما بعثت لي بالسلام)
جا لي مرسول بالخبر
وتضيف في مقطع آخر منها:
نجمة يا نجمة ما بقالك صواب في اللوم عليّ
راني غديت لقاك في الشنايع والباطل
تبقاي بالخير يا المتهومة بي
هذا آخر وداعنا والوعد اكْمل
رضاو قتلي قوم الحسود شفايا فيا
كان زوج نجمة يستمع للكلمات التي فضحت أمر زوجته وجاب الله، بل تحوّل الحفل إلى فضيحة مجلجلة لزوجها وعائلتها على الملأ.
أعدّ زوج نجمة مكيدة لجاب الله حتى يمنعه من مغادرة القصر مهما كلفه الأمر، فأمر بإخفاء فردة حذائه، وبعد نهاية الحفل بقي جاب الله يبحث عن حذائه وهنا استفرد به الزوج وقتله طعنا بسكين أمام أنظار نجمة، التي لم تتحمّل ما رأت فاحتضنت ولدها المختون ورمت بنفسه وبه من أعلى القصر ولقيت حتفها هي أيضا في الليلة التي قُتل فيها حبيبها، وتحوّل العرس إلى مأتم.
وفضلا عن الأغنية فقد رُويت هذه القصة باللهجة القسنطينية، وتقول كلمات الرواية "قالك ما قالك على نجمة بن حسين سليلة السادات كاملة الزين عقيلة البايات كحيلة العين، اشتات (أحبّت) جاب الله العنابي خياط عند اليهود زجال حسيني (يقصد به مقام الحسين في فن المالوف).." وتستغرق الرواية في القصة إلى نهايتها، كما حوّل مثقفون جزائريون القصة إلى عمل مسرحي، يُعرض عبر مسارح البلاد.
- المصدر: أصوات مغاربية
