احتفت الأمم المتحدة، أمس الثلاثاء، باليوم العالمي للتلفزيون، وهي مناسبة خصصتها المنظمة الأممية للاحتفال بالكيفية التي أسهم بها هذا الجهاز في بناء جسور التواصل بين المجتمعات.
وإلى وقت قريب، لم يكن العمل في هذه الوسيلة الاعلامية ميسرا للمغاربيات، خاصة الرغبات في منافسة الرجال على تقديم نشرات الأخبار.
غير أن الموريتانية الناها بنت سييدي، نجحت في أن تصبح أول سيدة تقدم نشرات الأخبار في التلفزيون الحكومي أياما قليلة فقط بعد إطلاقه عام 1984.
فمن تكون هذه السيد التي تلقب بـ"أيقونة" الإعلام الموريتاني؟
ولدت الناها بنت سييدي مطلع أربعينيات القرن الماضي في كنف أسرة بدوية من رحل مدينة بوتلميت، الواقعة على بعد 150 كيلومترا شرق العاصمة نواكشوط، وبها حفظت القرآن في سن مبكرة كما درست بعض متون الفقة والسيرة النبوية على يد والها.
موازاة مع حياة الرحل وحفظ القرآن، كانت الناها تقضي جزءا من يومها في الاستماع إلى الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وإذاعة "صوت العرب"، وكانت تقلد نبرات صوت المذيعين وترتجل قراءة الأخبار.
فُتنت الطفلة الصغيرة بالإذاعة وقالت في تصريحات صحافية إن والدها شجعها على الإيمان بحلمها ونصحها بالعمل لتحقيقه.
وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، انتقلت الناها بنت سييدي رفقة أسرتها إلى العاصمة نواكشوط، فوجدت الشابة في ذلك الانتقال فرصة لطرق أبواب الإذاعة الموريتانية التي لم يمر حينها سوى سنوات قليلة على تأسيسها.
وتستذكر الناها في حوار سابق مع "مجلة الإذاعة الموريتانية" اليوم الذي طرقت فيه باب الإذاعة، مشيرة إلى أنها قابلت مديرها حينها، عبد الوهاب ولد الشيكر، وضحك حينما أخبرته عن رغبتها في تقديم نشرات الأخبار.
وقالت "فور جلوسي أماه قلت له وبدون مقدمات، أريد العمل في الإذاعة، مذيعة للأخبار مثل خيي باب شياخ، لم يتمالك المدير نفسه وضحك وقال لي: أنت طموحة لكنني سأختارك سكرتيرة وأحيلك على إدارة الإعلام".
وأضافت "تضايقت لكنني قبلت وشيئا فشيئا عدت إلى الإذاعة وجددت طلبي للمدير الذي جاء بعد عبد الوهاب للالتحاق بقسم الأخبار".
موازاة مع ذلك، حرصت الناها على قراءة الكتب وتعلم قواعد اللغة العربية لاستدراك ما فاتها في المدارس النظامية وعادت إلى الإذاعة ونجحت في امتحان التوظيف عام 1964.
أسندت للناها بعد التحاقها رسميا بالإذاعة مهمة مذيعة ربط، وواصلت موازاة مع عملها تطوير مهاراتها في الإلقاء الإذاعي حتى أنها شاركت في دورتين تدريبيتين بكل من تونس والعراق استغرقت مدة كل واحدة 6 أشهر.
رحلة الميكروفون
بدأ نجم الناها بنت سييدي يسطع في الإذاعة الموريتانية شيئا فشيئا، وأسندت إليها مهمة تقديم نشرات الأخبار وإدارة البرامج الحوارية ثم عينت لاحقا عام 1970 رئيسة للتحرير.
إلى جانب نجاحها في تحقيق حلم طفولتها، اختارها حزب الشعب الموريتاني الحاكم عام 1972 كاتبة اتحادية لشؤون النساء في العاصمة نواكشوط، واستمرت في هذا المنصب 6 سنوات إلى حين حدوث الانقلاب العسكري الأبيض الذي أطاح بالرئيس المختار ولد داداه عام 1978.
بعد الانقلاب، عادت الناها إلى مزاولة وظيفتها كمقدمة أخبار رئيسية وكانت شاهدة على أحداث سياسية واجتماعية عصفت بالبلاد في أكثر من مناسبة.
أحبطت محاولة انقلابية
وفي عام 1981، كانت الناها بنت سييدي بصدد ولوج مبنى الإذاعة حين سمعت صوت إطلاق نار في محيطها، ثم شاهدت أربع سيارات عسكرية في طريقها إلى باب المبني الرئيسي.
وتحكي الناها عن تلك الواقعة في حوار أجرته عام 2002، لافتة إلى أنها لم تكن تستبعد حدوث انقلاب عسكري..
وقالت "ترجل العسكريون الذين كانوا على متن السيارات وأعطوا أوامر فورية لكل الموظفين بالدخول إلى مكاتبهم وكانت معهم على ما يبدو أربعة أسماء نادوا بها لتذيع البيان رقم واحد، (...) سلمونا البيان ووجهوا إلينا أوامر بإذاعته فورا".
وتابعت "كانت الإذاعة في تلك الفترة تفتح من الزوال حتى قبيل العصر، وساعات محدودة من الليل، وقد ساعدني ذلك على أن أناقش الانقلابيين فقلت لهم إن الإذاعة مغلقة وإن المدير العام ليس موجودا وكذلك المدير الفني الذي يملك وحدة صلاحية فتحها".
وتذرعت المذيعة باستحالة إذاعة البيان لحاجة أجهزة البث إلى فترة للتسخين ولأخذ موافقة من مسؤول البث الخارجي خارج العاصمة نواكشوط.
وتضيف "فجاءت فرقة من كوماندوز عسكرية ودخل أفرادها الإذاعة بعد أن اشتبكوا مع الحراس الذين وضعهم الانقلابيون عند الباب. فتفاجأ العسكريون الموجدون معنا في غرف الأخبار بدخول الفرقة التي ألقت عليهم القبض، لم يحدث إطلاق نار فقد وجه أفراد الفرقة أسلحتهم نحو الانقلابيين مباشرة فحدث اشتباك سريع بالأيدي".
من الإذاعة إلى الشاشة
وبعد عام على تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة للإطاحة بنظام الرئيس ولد هيداله، أسست موريتانيا أول قناة تلفزيونية حكومية وكانت الناها بنت سييدي السيدة الوحيدة وسط مذيعين آخرين تناوبوا في تقديم نشرات أخبارها.
استمرت مع ذلك في تقديم نشرات الأخبار في الإذاعة الموريتانية، ورافقت خلال تجربتها الطويلة تلك، الرؤساء الموريتانيين في زياراتهم الرسمية إلى الخارج، كما غطت مؤتمرات وملتقيات دولية إلى حين تقاعدها رسميا عام 2000.
وفي يوليو عام 2021، أعلن عن وفاتها بعد تلك مسيرة حافلة أهلتها لتقلب حتى قبل وفاتها بـ"أيقونة" الإعلام الموريتاني.
المصدر: أصوات مغاربية
