لم تكن الجبال والمدن والقرى والمداشر ميدان المواجهة الوحيد بين جبهة التحرير الوطني الجزائرية والسلطات الفرنسية، خلال فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد (1830-1962)، فالمواجهة كانت أيضا على عدة جبهات أخرى بينها "التدخين".. فكيف كان ذلك؟
في العام 1955، أي بعد سنة واحدة من انطلاق ثورة التحرير (فاتح نوفمبر 1954)، كان الضغط الثوري على فرنسا قد تعاظم، وتلقى الاحتلال ضربات قوية طالت جيشه وشرطته ودَرَكه، فيما اشتدّ بالمقابل أيضا ردّ الفعل الفرنسي خصوصا على الشعب، الذي دفع ثمنا باهظا من دمه.
لاكوست يستفزّ الثوار
في هذه السنة (1955) أدلى وزير المستعمرات الفرنسي روبير لاكوست بتصريح، كان سببا في إشعال جبهة مواجهة أخرى بين فرنسا وجبهة التحرير، بالإضافة إلى الجبهة المسلحة.
وقال لاكوست "سأحارب هؤلاء الخارجين عن القانونين بضريبة التدخين"، والخارجون عن القانون هي الصفة التي كانت تطلقها السلطات الاستعمارية الفرنسية على الثوار.
وقصد الوزير الفرنسي بتصريحه هذا بأنّه سيموّل الحرب على الثوار من الأموال المتؤتّية من ضريبة التدخين، والتي كان يدفعها الجزائريون طبعا، بمعنى أنه سيحارب الجزائريين بأموال الجزائريين.
استفز هذا التصريح قادة الثورة الجزائرية وأعلنوا الحرب على لاكوست فورا، فقرروا في العام نفسه منع التدخين في الجزائر.
منع التدخين والعقاب الأليم
جاء في بيان صادر عن جبهة التحرير الوطني في 15 يونيو 1955 "إن جبهة التحرير تدعو الشعب الجزائري إلى الانقطاع عن التدخين، وعدم ارتياد المشارب التي تقدم الكحول، ولن يكون هذا التدبير مجرد تعبير عن الإيمان بتحرير الوطن من نير الاستعمار، ولكنه يسمح لنا أيضا بكيل لكْمة قوية للاقتصاد الامبريالي".
وأشار موقع L'histoire en questions الفرنسي، إلى أن جبهة التحرير "فرضت القانون بالحبل والسكين"، حيث تصدّت الثورة لكل من يرفض الانصياع لقرارها بعقاب أليم تمثّل في "قطع أنف كل عاصٍ"، وفق ما جاء في المصدر ذاته.
وجاء في دراسة فرنسية بعنوان "المقاومون التحرّريون والمجتمعات القروية في الجزائر المُحتلة"، بأن قادة الثورة الجزائرية "أرادوا حرمان الدولة الفرنسية من مصدر من مصادر تمويل خزينتها، عبر منع التدخين".
ولفتت الدراسة إلى أن الأمر وصل إلى حد "قطع أنوف وشفاه من يعصون هذا القرار"، ومضت تقول "لقد استمرت قيادة جبهة التحرير في تطبيق هذا القرار رغم أن التدخين عادة راسخة في الرجال بالجزائر".
المصدر: أصوات مغاربية
