عرض عسكري بمناسبة احتفال موريتانيا بعيد الاستقلال (أرشيف)

تعيش موريتانيا هذه الأيام الذكرى الـ٦٣ لاستقلال البلاد في ظل تحولات كبيرة عرفتها على مستويات عديدة من أبرزها العلاقة مع دول الجوار، وتحويل موردها المالي الأساسي آنذاك من ميفرما الفرنسية، لشركة "سنيم" الوطنية.

وظلت موريتانيا تكافح تحت نيّر الاستعمار من مطلع القرن الماضي حتى الـ 28 من نوفمبر عام 1960، عندما أعلن الرئيس المؤسس، المختار ولد داداه، استقلال البلاد آخذاً على عاتقه مهمة بناء الدولة الحديثة.

وكان الموقف الرسمي للملكة المغربية يعارض استقلال موريتانيا في ظل السعى إلى اعتبارها جزءا من التراب المغربي، ونجحت الرباط في الحصول على دعم بعص الدول العربية آنذاك قبل أن تبدأ في التعامل مع موريتانيا بعد استلام الحسن الثاني (١٩٢٩-١٩٩٩) للحكم.

وفي أكتوبر عام 1961 اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعضوية موريتانيا كدولة جديدة  بعد عام من استقلالها عن فرنسا، وانضمت نواكشوط بعد ذلك بـ١٢ عاما لجامعة الدول العربية عام 1973.

الحفاظ على الحدود

وتعتبر موريتانيا ذات المساحة التي تنوف على مليون كلم مربع معظمها كثبان رملية غير قابلة للسكن، نقطة وصل بين الدول المغاربية ودول غرب أفريقيا، وتعد بموقعها هذا ملتقى لثقافات عديدة وذات مواطنين من خلفيات عرقية متعددة.

ويقول ولد داده (١٩٢٤-٢٠٠٣)، في مذكراته حول تلك الفترة، "قررنا جميعا أن نفرض وجود الدولة الموريتانية الفتية على الساحة الدولية وأن نجعل من سكان ذوي ثقافات مختلفة شعبا واحدا (...) رغم ما كان يعترض سبيلنا من معوقات جمة ورغم الفقر والتبعية للخارج وأطماع الجيران في حوزة أراضينا وسيبين التاريخ ما إذا كنا قد نجحنا".

وتبين هذه الكلمات أن طريق ولد داده وحكومته لم يكن مفروشا بالورود، إذ واجهته معضلات كبيرة كان لزاما عليه حلها على "وجه السرعة" لترسيخ الحدود والحفاظ على اللحمة الوطنية وبناء علاقات "صحية" مبنية على الاحترام المتبادل مع دول الجوار.

وبعد تولي الملك الراحل الحسن الثاني سدة الحكم إثر وفاة والده محمد الخامس عام ١٩٦١، بدأ التوتر الذي كان يطبع علاقات موريتانيا والمغرب بالتدرج آيلا للانحسار، قبل أن تعترف الرباط رسميا بـ "جارتها الجنوبية" خلال القمة الإسلامية عام ١٩٦٩.

وفي هذا الصدد يقول ولد داده في كتابه إن الملك الحسن الثاني حدثه فى سبتمبر 1969 في الرباط وبحضرة الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين (١٩٣٢-١٩٧٨) بحديث دار بينه وبين أبيه بشأن موريتانيا عموما ودخولها الأمم المتحدة بشكل خاص.

ونقل ولد داده في المصدر ذاته عن العاهل المغربي قوله "ولي العهد ونائب رئيس الحكومة عليه أن يمتثل أوامر أبيه الذي هو في الوقت ذاته رئيس حكومته وملكه" في إشارة إلى أنه  على المستوى الشخصي لم يكن يتبنى سياسة المطالبة بموريتانيا.

ورغم أن حل الخلاف مع المغرب كان من أهم النقاط التي عمل عليها ولد داده، إلا أن استقلال موريتانيا ظل يعاني تحت وقع المشاكل الاقتصادية للدولة الحديثة آنذاك.  

بداية الاستقلال الاقتصادي

وكانت موريتانيا أمام تحديات كبيرة تعترض استغلال مواردها الضخمة من الحديد لتمويل موازناتها والصرف على احتياجات مؤسساتها التي كان جزء كبير من تمويلها عبر إعانات من الحكومة الفرنسية.

وقررت الحكومة الفتية آنذاك أن تبحث عن تمويل دولي يساعدها في استغلال ثرواتها الباطنية من الحديد التي تعتبر الآن ثاني أكبر احتياطات في القارة الأفريقية.

ويقول ولد داده حول ذلك، إن بارقة الأمل الوحيدة في سنة 1960 خلال "هذه اللوحة الاقتصادية والمالية القاتمة" هي شركة "ميفرما" التي بدأت تتحول إلى حقيقة بعد أن كانت "حلما".

وفي 17 مارس 1960 وقع البنك الدولي لإعادة الأعمار والتنمية في واشنطن على منح قرض بقيمة ستة وستين مليون دولار لشركة "ميفرما" ووقعت فرنسا وموريتانيا توقيعا مشتركا على ضمان ذلك القرض.

لكنه مع تقدم السنين تكشف للموريتانيين عدم جدوائية هذا الحل في ظل حصول الحكومة على نسبة ٥ في المائة فقط من عائدات ثرواتها الباطنية ما عجل بالتحول نحو قرار تأميم شركة الحديد ما فتح الباب واسعا أمام "غضب عارم من فرنسا".

وحول تلك التطورات يقول الوزير الموريتاني السابق أحمدو ولد عبد الله، في مقابلة مع موقع الأخبار المحلي، إنها جاءت ضمن سياقين "تحرر اقتصادي إقليمي كان من أبرز مظاهره عمليات التأميم في الجزائر وغينيا (...) وحراك وطني ورغبة قوية لدى الحكومة في استقلال اقتصادي".

وشكلت مرحلة تأميم الشركة المستغلة والمنتجة للحديد الموريتاني بقرار تلاه الرئيس الأول للبلاد المختار ولد داده أمام البرلمان الموريتاني عام ١٩٧٤، بداية جديدة لطبيعة التعايش في مدينة الزويرات العمالية وتغيرا جذريا في مستويات معيشة أهلها.

واستعانت حكومة ولد داده في تطبيق قرارها آنذاك باندلاع احتجاجات كبيرة شهدتها المدينة العمالية، بسبب الأجور المنخفضة مقارنة مع رواتب الفرنسيين، ووجود جدار فاصل وضع العمال "الأجانب" في مساكن فاخرة من جهة والعمال الموريتانيين من جهة أخرى.

وحاليا باتت هذه الشركة الوطنية تشكل نسبة ٤٣ في المائة من صادرات البلاد، كما شكلت ١١ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي و١٠ في المائة من إيرادات الموازنة العامة للدولة بحسب معطيات رسمية.

المصدر: أصوات مغاربية