عُرفت مدينة قسنطينة (شرق الجزائر) قديما بكونها مدينة العلم والعلماء، لكثرة علماء الدين فيها وبينهم من يُعرفون بالزّهّاد، الذين كانوا يقيمون في الزوايا خصوصا.
ولإطعام هذه الفئة الخاصة، أبدعت نسوة المدينة طبقا تقليديا بمكونات بسيطة أطلق عليه اسم "مخ الشيخ" أو "شايخ مخو". فما حكايته وما مكوناته وهل لا يزال موجودا؟
المُرابطون الحنصاليون
تعود أصول هذا الطبق إلى فترة الوجود العثماني في الجزائر (1516م-1830م)، وكان حاكم قسنطينة صالح باي (حكم المدينة وشرق البلاد كله بين 1777م و1792م) ذائع الصيت في المدينة والشرق كلّه، محبّا للعلم وطوّر الكثير من مناحي الحياة فيها، وزاد تعاطف الناس وحبهم له بعد مقتله ظُلما في مؤامرة داخلية.
تقول الرواية الشفاهية المتداولة في قسنطينة بأن "المُرابطين الحنصاليّين"، وهم فرقة صوفية، كانوا زاهدين في الأكل والملبس وكل ملذّات الحياة، وانصرفوا إلى تحصيل العلم الشرعي وتدارس القرآن والسنة وحفظ المتون والشعر.
وبما أنّه لم يكن لهؤلاء "المرابطين الحنصاليين" الوقت للانشغال بالأكل وانغماسهم في العلم فقط، فقد تمكّنت نسوة المدينة من تخصيص طبق سريع الهضم ومفيد لهم صحيا يساعدهم على تحصيل العلم، ويتكوّن هذا الطبق من مكونات بسيطة جدا هي زبدة حليب البقر الطبيعية والعسل الطبيعي ورغيف خبز تقليدي.
سرّ الطّبق
وتعود أهمية هذا الطبق إلى كونه يُعطي الجسم طاقة كبيرة تساعده على الصمود طيلة النهار، خصوصا وأنّ المتصوفة يستيقظون قبل الفجر ولا ينامون إلا بعد صلاة العشاء، وهنا تكمن سرّ قوة "مخّ الشيخ".
اختارت النسوة لهذا الطبق اسم "مخّ الشّيخ"، والشيخ في اللغة الشعبية المحلية تُحيل إلى رجل العلم والدين ولا تعني الرجل الكبير في السن، وبالتالي فإن اسم الطبق يعني بأنه مفيد لمخّ أهل العلم والدين في مهمتهم.
أما الطريقة التي يُؤكل بها فيُشطر رغيف الخبز إلى نصفين وتوضع داخله الزبدة والعسل ساخنين، ثم يتناوله الزُهاد في أي وقت يشاؤون.
تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الزهاد كانوا ينامون في الزوايا في مراقد خاصة ويقضون حياتهم هناك في طلب العلم إلى أن يتخرّجوا، وبالتالي فأغلبهم ليسوا متزوّجين وكانت نسوة المدينة يجُدن عليهم بهذا الطبق غير المكلّف صدقةً على أنفسهن وعائلاتهن.
وتقول إحدى صفحات التواصل الاجتماعي المهتمة بكل ما هو تاريخي في مدينة قسنطينة، إن هذا الطبق وبسبب شُهرته بين أهل العلم والدين، وأيضا لكونه لذيذا، كان يباع في منطقتين عتيقتين تشهدان إقبالا شعبيا كبيرا هما "رحبة الصوف" و"الجزّارين" وسط مدينة قسنطينة.
أما في الوقت الحاضر فيصعب تحضير هذا الطبق على بساطته إلا لميسوري الحال، وذلك بسبب غلاء سعر العسل وزبدة البقر.
المصدر: أصوات مغاربية