عرفت الثورة التحريرية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي مشاركة فئات عديدة من شباب ورجال ونساء ومراهقين وشيوخ، وحتى الأطفال، ومن هؤلاء الأطفال من صار أيقونة ثورية ومنهم من لم يُعرف دوره ولا هويته.
فمن هي أبرز الأسماء، التي ناضلت لتحرير الجزائر، وماذا قدّموا؟
"عمر الصغير".. بطل القصبة
وثّق فيلمان جزائريان كبيران هما؛ "معركة الجزائر" (1966) للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، و"أولاد نوفمبر" (1975) للمخرج الجزائري موسى حداد، بطولات حقيقية لطفلين هما؛ عمر ياسف المعروف بـ"عمر الصغير"، ومراد بن صافي، لكنّ ما أكثر الأبطال الصغار غيرهما في البلاد كلها.
فالطفل "عمر الصغير" نشأ وترعرع في أحضان الحركة الوطنية، تلقى من والده المنتمي إلى حزب الشعب الجزائري (أول من نادى بالاستقلال) دروسا في الوطنية والحرية.
اختارت الثورة، بعد انطلاقها في فاتح نوفمبر 1954، هذا الطفل، بناء على توصية والده، ليكون "عنصر اتصال" داخل حي القصبة العتيق، بسبب معرفته بأدقّ تفاصيل الحي ومخابئه.
كُلف عمر، المولود سنة 1944، برصد تنقلات الجنود الفرنسيين وأعدادهم وإخبار الثوار، كما كان ينقل الرسائل بين الثوار، وقد قُتل في أكتوبر 1957 وعمره 13 سنة، عندما فجّر الفرنسيون المنزل الذي اختبأ فيه رفقة أبطال "معركة الجزائر بعد انكشاف خليّتهم وهم؛ علي عمار المعروف بـ"علي لابوانت" وحميد بوحميدي وفضيلة سعدان.
بن صافي وعائشة.. ومجهولون
أما مراد بن صافي، الذي ولد بالقصبة، فكان تجسيدا لقصة حقيقية لطفل انضم إلى ثورة التحرير، حيث استمر في مهنته ببيع الجرائد في الشوارع، وكان في الآن ذاته يؤدّي مهام رصد تحركات الجنود وينقل الرسائل بين الثوار.
يتسلّم بن صافي وثائق مهمة من أحد الثوار خلال محاصرته من طرف جنود الاستعمار، ويطلب الثائر من مراد أن يسلّم الوثائق لثوار آخرين، فيهرب مراد لتبدأ رحلة مطاردته من الشرطة الفرنسية، وينجح بعد أسابيع طويلة وهروب شاق في إيصال الأمانة إلى أصحابها ثم يلفظ أنفاسه وهو لم يتجاوز 15 من العمر، بسبب إصابته بمرض مزمن في الرئة.
ومن أبرز ما وثّق هذه البطولات أيضا، كتاب "أطفال الثورة.. أطفال بلا طفولة"، الصادر في يونيو الفارط، تناول في أحد فصوله دور الطفل الجزائري في الثورة، حيث كان ينقل المعلومات والرسائل بين الثوار، كما ينقل المؤونة والأدوية إليهم خصوصا في المدن والمخابئ.
كما تحدث باحثون وناشطون عن بطولات الأطفال سواء عبر مؤلفات أو تصريحات، منها تصريح لرئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني (حكومي) عبد الرحمان حمزاوي، السنة الفارطة، قال فيه "قدّم أطفال الثورة التحريرية تضحيات جسام وبطولات كبيرة، متناسين صغر سنهم وحقوقهم في اللعب والترفيه والدراسة، من خلال قيامهم بإيصال المعلومات والرسائل والمناشير للمجاهدين".
وخلال ندوة سابقة حول "بطولات أطفال الثورة" نظمتها يومية "الشعب" الحكومية، كشف أستاذ التاريخ المعاصر والحديث بجامعة الجزائر عبد الحميد ديلوح مشاركة أطفال الأرياف في وحدات جيش التحرير الوطني ممن تم تجنيدهم.
وتحدث ديلوح عن الطفلة فاطمة عياش (13 سنة)، حيث قال إن "قائد المنطقة رفض تجنيدها، حتّى أثبتت شجاعتها وسمح لها بالاستمرار معهم في النضال".
وأوضح المتحدث بأن "الأطفال شاركوا في الثورة الجزائرية مبكرا، وكانوا موجودين في مدرسة الكشافة الإسلامية الجزائرية، التي أعدت الكثير من الأطفال كأطر للحركة الوطنية الجزائرية، ثم التحقوا بالجبال، وبفضل التكوين الذي تلقوه في إطار الكشافة الإسلامية والتكوين شبه العسكري في المنظمات الخاصة تكونت لديهم الروح القتالية".
المصدر: أصوات مغاربية