باتت حلبة مصارعة الثيران الموجودة في مدينة وهران غربي الجزائر تراثا وطنيا، بعد تصنيفها من طرف وزارة الثقافة الأسبوع الماضي في خطوة ترمي لحماية هذه المعلمة بما تحفل به من حمولات تاريخية وسياحية.
وتعتبر هذه الحلبة من بصمات الوجود الإسباني في غرب الجزائر، والذي دام ثلاثة قرون (1492- 1792)، حيث بُنيت العام 1890م من طرف السلطات الفرنسية بمادة الخشب بطلب من الجالية الإسبانية، التي كانت تعيش في وهران منذ أيام الغزو الإسباني للمدينة، كما كانت المدينة ملاذا للفارين من الدكتاتور الإسباني الأسبق فرانكو خلال الحرب العالمية الثانية.
احترقت الحلبة بصفة كليّة ثم أعيد بناؤها من جديد العام 1910م، أي بعد عشرين سنة كاملة من احتراقها، ولاتزال إلى اليوم تحمل اسمها الإسباني "لاكوريدا"، وهي الوحيدة في الجزائر.
في بداية تشييدها كانت تسع لأربعة آلاف متفرّج، ثم تم توسيعها العام 1954م لتسع 14 ألف متفرج.
بعد استقلال الجزائر في يوليو 1962، حافظت عليها السلطات لكن دون أن تحتضن مصارعة للثيران، ومنذ العام 1986 لم تعد تخضع لأي عناية أو ترميم ما تسبب في ترهّلها، ثم التفتت إليها السلطات وأطلقت برنامجا لترميمها.
قصة حب
حضرت حلبة وهران في رواية للكاتب الجزائري واسيني الأعرج بعنوان "الغجر يحبون أيضا"، تحدّث فيها عن قصة حب بين مصارع ثيران يسمّى خوسي أورانو ومغنّية غجرية اسمها أنجيلينا أموندين، خلال حرب تحرير الجزائر (1954-1962)، التقيا لأول مرة أمام الحلبة ثم تتطور علاقتهما ويعيشان أحلى الأيام.
لكن مصارع الثيران خوسي يلقى حتفه وهو يصارع ثورا في حلبة وهران، أما أنجلينا فترحل برصاص "منظّمة الجيش السرّي" الفرنسية، التي قتلت كثيرا من الجزائريين والفرنسيين والأجانب في السنين الأخيرة للثورة، من أنصار تقرير مصير الجزائر واستقلالها عن فرنسا.
خضعت الحلبة للترميم وفتحت للزيارة العام 2019، وباتت تضم محلات لأصحاب الحرف التقليدية ومحلات لبيع التذكارات والتحف للسياح والزوار.
كما حظيت بزيارات كثيفة من الجمهور الجزائري والأجنبي خلال ألعاب البحر الأبيض المتوسط، التي احتضنتها وهران في 2022.
يحيي مغاربة، اليوم الأحد، ذكرى وفاة الملك الحسن الثاني الذي حكم البلاد طيلة عقود.
ويجري الاحتفال بذكرى وفاة العاهل الراحل في التاسع من ربيع الثاني من كل سنة هجرية، وفق ما هو معتمد في أعراف المؤسسة الملكية بالمغرب التي تحيي مناسبات تاريخية بحسب ما يوافق تاريخها في التقويم الهجري.
وتبقى قصص نجاة الحسن الثاني من محاولات اغتيال إحدى أكثر اللحظات التي ما زال المغاربة يتذكرونها في مسيرة ملك حكم البلاد طيلة 38 عاما.
يوم بدأ عاديا
يوم السادس عشر من شهر أغسطس من عام 1972 كان يوم عودة الملك الحسن الثاني من فرنسا بعد ثلاثة أسابيع قضاها في قصره بـ"بيتز".
كان كل شيء يبدو عاديا؛ انطلقت الرحلة من باريس وتوقفت في برشلونة حيث تناول الملك وجبة الغداء مع وزير الشؤون الخارجية الإسباني حينها، غريغوريو لوبيز براڤو.
استنأنفت طائرة الملك رحلتها وكان ربانها هو النقيب في سلاح الجو، والطيار في شركة الطيران الملكية المغربية، محمد قباج.
بمجرد الوصول إلى أجواء تطوان، لاحظ القباج ست طائرات "إف 5" مغربية تحلق بالقرب منهم. أعلم الطيار الملك ولكن الأخير لم يبال بالأمر إذ اعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون مبادرة لمواكبة الطائرة الملكية إلى حين نزولها على الأرض.
الحسن الثاني رفقة ولي عهده يلقي التحية على فرق عسكرية ثلاثة أشهر قبل محاولة الانقلاب عليه
الحسن الثاني رفقة ولي عهده يلقي التحية على فرق عسكرية ثلاثة أشهر قبل محاولة الانقلاب عليه
الخدعة الأولى
بعد وقت قصير ستبدأ طائرات الـ"إف 5" في إطلاق النار على طائرة الملك. فكر قباج في تنفيذ هبوط اضطراري، وذلك بعدما أصيبت الطائرة بأضرار بالغة تهدد بانفجارها، كما أصيب عدد من مرافقي الملك.
حينها فكر قباج في خداع المهاجمين وطلب من الميكانيكي أن يعلن عبر الجهاز اللاسلكي موت الطيار ومساعده وأيضا الملك، وهنا تدخل الملك مصححا وقال لهم: "بل مصاب بجرح خطير".
نفذ الميكانيكي المطلوب منه وحينها فقط اختفت الطائرات المطاردة، وقاد قباج الطائرة ونزل بها في مدرج الرباط سلا.
هدوء الملك
رغم خطورة ما كان يجري، والوضع المتوتر، إلا أن الملك "أبدى برودة أعصاب فائقة، ورباطة جأش إلى جانب ذكائه المتميز".
منذ أن بدأ إطلاق النار توجه الملك نحو قمرة الطيار، وفي إحدى اللحظات، حين بدا أن الطيار قباج بدأ يفقد أعصابه وهو يردد: "يا صاحب الجلالة لن أتمكن أبدا من الوصول إلى الرباط"، وضع الملك يده على كتفيه وهو يقول له: "إنك معي، إنك مع ملكك، لا تخش شيئا".
الخدعة الثانية
نجحت الطائرة في النزول، وركب الملك سيارة وتوجه نحو قاعة استقبال المطار، حيث تلقى تهاني الوزراء وأعضاء السلك الديبلوماسي.
بعد ذلك توجه الملك رفقة أخيه وحراسه الشخصيين نحو غابة قريبة من المطار، أمر الديبلوماسيين بالتوجه نحو الرباط، وخرجت سيارات الموكب الرسمي فارغة، أما الملك فقد أخذ سيارة وقادها بنفسه نحو وجهة مجهولة.
تم الهجوم على القصر ولكن الملك لم يكن هناك. بوصول مساء اليوم نفسه كان كل شيء قد انتهى والمحاولة الانقلابية قد فشلت.
وفي مساء ذلك اليوم أعلن الحسن الثاني نجاته من المحاولة الانقلابية، قائلا، عبر إذاعة "أوروبا 1": "إنني ملك أكثر بقليل من البارحة".
أعجوبة الواحد من مليار
نجاة الملك من المحاولة الانقلابية الثانية وُصفت بالأعجوبة، فقد تعرضت طائرته لأضرار كبيرة نتيجة للهجوم عليها من طرف الطائرات الحربية.
والملك بنفسه قال لاحقا إنه، وبعد دراسة للأضرار التي تعرضت لها الطائرة، تأكد أن حظ الطائرة في النجاة لم يكن يتعدى الواحد من مليار.
مصرع الجنرال
في اليوم الموالي للمحاولة الانقلابية تم الإعلان عن انتحار الجنرال أوفقير ليلا. قيل الكثير عن مصرع أوفقير، ومما جاء في العديد من المصادر أن أوفقير توجه مساء ذلك اليوم إلى قصر الصخيرات، واستقبله أحمد الدليمي في باب القصر ورافقه إلى قاعة كان يوجد فيها الملك ووزير القصر الملكي، عبد الحفيظ العلوي، والحارس الشخصي للملك، ريمون ساسيا.
الجنرال أوفقير كان مقربا من الحسن الثاني
وتشير معطيات إلى أن هناك من شاهدوا جثة أوفقير بعد أن حملت إلى منزله يوم السابع عشر من شهر أغسطس، وقد كانت تحمل أربع رصاصات، واحدة اخترقت صدره وأخرى استقرت في جبينه ورصاصة أصابت ذراعه، ورصاصة رابعة دخلت من عنقه وخرجت من عينه اليسرى.
أما زوجته، فاطمة، فتشير إلى أن أخ أوفقير كلف طبيبا فرنسيا بفحص الجثة، وقد صدر عن هذا الطبيب تقرير يؤكد مقتل الجنرال بخمس رصاصات، واحدة في الكبد وواحدة في القلب والثالثة في الترقوة والرابعة في الذراع الأيمن، وخامسة في الصدغ الأيسر.
مصير العائلة
مات أوفقير، ولكن العقاب لم يقتصر عليه، فقد طال كل من شاركوا في المحاولة الانقلابية ومنهم طيارون يقولون إنهم لم يكونوا على علم بما يجري. كما أن عائلة أوفقير بدورها عوقبت، وقد شمل العقاب زوجته وأطفاله الصغار حينها.
أفراد عائلة أوفقير مروا بتجربة استثنائية عقب المحاولة الانقلابية
أيام قليلة بعد المحاولة الانقلابية وموت أوفقير تمت محاصرة بيت العائلة، وتم التحقيق مع أرملة أوفقير، كما فرضت عليهم الإقامة الجبرية لمدة 4 أشهر و10 أيام، قبل أن يتم اقتيادهم نحو وجهة مجهولة، حسب روايتهم.
قال أفراد العائلة، في شهادات لاحقة، إنهم تعرضوا للسجن الذي لم يسلم منه حتى الأطفال الصغار الذين فتحوا أعينهم على ظلام معتقل قضوا فيه ما يقارب العقدين.