لا يوجد تاريخ مدوّن لميلاد ولا لوفاة التاجر الجزائري أحمد بوضربة، الذي تتفق مصادر تاريخية عديدة على أنه تلاعب بالمحتلين الفرنسيين خلال الأيام الأولى للغزو (1830)، فكان يتقرّب من جنرالات جيشهم حتى وثقوا فيه تماما بل إنهم عيّنوه رئيسا لبلدية مدينة الجزائر حينها، قبل أن ينقلبوا عليه بعدها.
فمن يكون أحمد بوضربة، وكيف تلاعب بالفرنسيين؟
سليل عائلة كبيرة
هو سليل عائلة كبيرة تشتغل في التجارة، تعود أصولها إلى عرب الأندلس.
كان والده من كبار تجار مدينة الجزائر، وقد تخصصت عائلته في استيراد الزيت والقهوة والخشب والكتان والسلك الفولاذي والزجاج وملح الأمونياك.
تذكر دراسة بعنوان "قراءة في خصائص تجار مدينة الجزائر سنة 1830، أنموذج حمدان خوجة وأحمد بوضربة"، للدكتورة سلطانة عابد الباحثة بمخبر البحوث الاجتماعية والتاريخية بجامعة معسكر (غرب)، بأن بوضربة "كان ملمّا باللغة الفرنسية بحكم إقامته بفرنسا مدة تسع سنوات، أين تزوج بامرأة فرنسية".
وتشير الدراسة ذاتها إلى أن بوضربة، بالإضافة إلى تاجر آخر يدعى حمدان خوجة، لعبَا "الأدوار الأولى على المستوى السياسي والنضالي، في مواجهة سلطة الاحتلال بقيادة الجنرال دوبورمون"، ودوبورمون هو قائد الحملة العسكرية الفرنسية على للجزائر العام 1830.
التلاعب وبلوغ المنصب
وطّد بوضربة علاقته بالفرنسيين وخصوصا مع الجنرال دوبورمون، وفي هذا الصدد يذكر الباحث السوري جهاد العسلي في كتابه "جهاد الشعب الجزائري"، بأن دوبورمون "كان يستشير بوضربة في أمور الجزائر الداخلية ويثق به، حتى إنه ولاّه رئاسة أول مجلس بلدي في مدينة الجزائر".
ولبوضربة مذكرات بعنوان "مذكرة بوضربة"، وهي عبارة عن نصائح وإرشادات إلى الفرنسيين عن طريقة التعامل مع الجزائريين وكيفية التنظيم الإداري والسياسي لحكم الجزائريين، وفقا لدراسة الدكتورة سلطانة عابد.
ومن نصائحه لهم؛ ضرورة تمكين الجزائريين من إنشاء صحيفة وإقامة العدل في التعامل معهم وإعطائهم حقوقهم، وعدم مناقشة الأمور الدينية معهم حتى لا يثوروا عليهم، وكل هذا دون أن يعارض وجودهم في الجزائر، بل كان "ينصحهم" بالبقاء إلى الأبد.
أدرك بوضربة بسرعة أهداف الفرنسيين من احتلال الجزائر ووقف على أساليبهم الخادعة، فأخذ في المكر لهم والإيقاع بهم ومبادلتهم خداعا بخداع "مما حمل مؤرخا فرنسيا على وصفه بقوله: كان بوضربة رجلا فطنا ومهذبا، واسع الدهاء، غير أنه يفتقر إلى المبادئ الأخلاقية، فكان يخلق المشاكل أكثر مما يسهم في إيجاد حل لها"، بحسب كتاب "جهاد الشعب الجزائري".
اتهامات ونفي.. ونهاية غامضة
من جهته يذكر المؤرخ الجزائري عبد الرحمان الجيلالي في كتابه "تاريخ الجزائر العام"، بأن بوضربة كان رئيسا لـ"لجنة المغاربة"، رفقة حمدان خوجة وآخرين، وهي اللجنة التي سافرت إلى فرنسا في أواخر سنة 1830 "لتكشف الممارسات التعسفية واللاإنسانية للجيش الفرنسي بالجزائر، والتي كانت تتنافى مع التزامات الطرف الفرنسي، الموقعة بموجب معاهدة الاستسلام مع الداي حسين".
بناء على هذه التحركات اتهم الفرنسيون بوضربة بأنه كان يعمل في إطار "لجنة المغاربة"، على "استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر"، وهو ما دفعهم إلى إبعاده إلى باريس مع من تم إبعادهم من اللجنة ذاتها.
كما وُجهت لبوضربة اتهامات بدعم ثورة الأمير عبد القادر، وفي هذا الصدد يشير شيخ المؤرخين الجزائريين أبي القاسم سعد الله في كتابه "الحركة الوطنية الجزائرية"، إلى أن بوضربة "التحق بالأمير عبد القادر في بعض مراحل حياته".
وعن نهايته يختم سعد الله قائلا "الشطر الأخير من حياة بوضربة ظل غامضا، حيث لقي جزاءه نفيا واتهاما - من قبل الفرنسيين – بسوء الخلق والتآمر".
المصدر: أصوات مغاربية
