في مثل هذا اليوم (20 يناير) من عام 1929، طالب الزعيم السياسي الجزائري مصالي الحاج "باستقلال الجزائر فورا"، لأوّل مرة ومن قلب العاصمة الفرنسية باريس، في وقت لم يكن هذا المطلب واردا لدى السياسيين الجزائريين، فما القصة؟
يُلقّب مصالي الحاج بـ"أب الحركة الوطنية" كونه صاحب السبّق إلى تأسيس تشكيلة سياسية وطنية رفعت مطلب الاستقلال، فيما كانت تشكيلات سياسية أخرى تطالب بالمساواة مع الفرنسيين في الحقوق.
مصالي زعيما لأوّل مرة
ففي العام 1926 أسس عدد من السياسيين الجزائريين حزب "نجم شمال أفريقيا"، أبرزهم عبد القادر حاج علي، وأسندت الرئاسة الشرفية للأمير خالد الجزائري وكان مصالي الحاج واحدا من قياديي الحزب.
تأسّس الحزب في باريس وفيها انتعش وكبر كما نشط في الجزائر بقوة، وفي العام 1927 بات مصالي زعيما له، ومن هذه اللحظة سيصعّد مطالبه بشكل فاجأ الجميع.
راهن مصالي على إقامة قاعدة خلفية قوية للحزب في فرنسا، بسبب وجود جالية جزائرية مهاجرة من العمال خصوصا.
كان مصالي يضغط بشدة على السلطات الفرنسية، لكن لم يكن أحد يتوقّع بأنّ الرجل سيطلق نداءه الأول باستقلال الجزائر من هناك من أرض المحتلّ.
خطاب الاستقلال من باريس
سطّر الحزب برنامجه على مطالب جريئة رفعها في أكثر من مناسبة للسلطات الفرنسية وهي؛ استقلال الجزائر وخروج القوات الفرنسية، إلغاء قانون الأهالي (قانون تمييزي ضد الجزائريين) واستعادة الجزائريين لأملاكهم المصادرة، وضمان حق الجزائريين في التعليم، مع فتح المجال لحرية الصحافة وممارسة الحقوق السياسية
والنقابية.
لم يأبه الاحتلال بهذه المطالب بل كانت سببا في بداية التوجّس من تحركات الحزب في فرنسا والجزائر، لكن مصالي لم يأبه أيضا بتلك التوجسات وفاجأ الجميع، جزائريين وفرنسيين، بتجمع كبير نظمه في باريس في 20 يناير 1929.
عُقد التجمع في ناحية غرانج أوبيل بباريس حضره المئات من المناضلين وأنصار الحزب والمهاجرين الجزائريين، توجّه فيه مصالي بخطاب مباشر للسلطات الفرنسية قال فيه "نطالب باستقلال الجزائر فورا"!
كانت تلك الكلمة سابقة تاريخية قبل اندلاع ثورة التحرير بـ25 سنة كاملة، وجاءت بعد قرابة مائة سنة على احتلال الجزائر، زرع بها الرجل فكرة الاستقلال التام عن فرنسا.
كان ردّ السلطات الفرنسية حاسما، فلقد حلّت حزب "نجم شمال أفريقيا" بعد أشهر قليلة من الخطاب بتهمة "تهديد حكم الدولة"، ورغم الحلّ إلا أن فكرة الاستقلال انتقلت إلى "حزب الشعب"، وريث حزب "نجم شمال أفريقيا"، الذي أسسه رفاق مصالي الحاج خلال فترة سجنه وتزعمه هو فيما بعد.
يعيش التونسيون، الأحد، ثالث انتخابات في تاريخ البلاد بعد بعد ثورة 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
وبعد استقلال تونس عن فرنسا في 20 مارس 1956، وطيلة أزيد من نصف قرن، تولى رئيسان فقط الحكم في البلاد، بدءًا من الحبيب بورقيبة الذي أصبح أول رئيس لتونس عام 1957 بعد إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية.
وحكم بورقيبة تونس حتى عام 1987، وكان يوصف بـ"أب الاستقلال" نظراً لدوره في تحرير تونس، وقام بتطبيق سياسات تحديثية في مجالات التعليم والصحة والحقوق النسائية، لكنه أُزيح من الحكم عبر "انقلاب أبيض" قاده الوزير الأول حينها زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 1987 بسبب تدهور صحته.
وهنا صار بن علي الرئيس الثاني لتونس واستمر في الحكم حتى ثورة 14 يناير 2011.
زين العابدين بن علي رفقة الحبيب بورقيبة
في هذا التقرير، تسلط "أصوات مغاربية" الضوء على أبرز المحطات الانتخابية الرئاسية المباشرة التي جرت بعد "ثورة الياسمين".
2014.. انتخابات "تاريخية"
كان 23 نوفمبر 2014 يوما تاريخيا في حياة التونسيين، الذين شاركوا للمرة الأولى في انتخابات لاختيار رئيس لبلدهم.
ورغم أن دستور 2014 لم يمنح الرئيس إلا صلاحيات محدودة، إلا أن تلك الانتخابات شهدت زخما كبيرا، نظرا لأنها أتت بعد عقود من حكم الحزب الواحد.
وشارك في تلك الانتخابات 27 مرشحا ينتمي بعضهم لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بينما يُحسب آخرون على "الطبقة الثورية"، في حين جاء آخرون من دوائر المال والأعمال.
ومن أبرز المرشحين في تلك الانتخابات السياسي المخضرم مؤسس حزب "نداء تونس"، الباجي قايد السبسي الذي استفاد من الزخم الذي أحدثه فوز حزبه في التشريعيات قبل ذلك.
قايد السبسي خلال تصويته في رئاسيات 2014
ونافس السبسي في السباق الانتخابي محمد المنصف المرزوقي، الرئيس المؤقت للبلاد حينها، وهو من أبرز معارضي بن علي.
وشهدت الانتخابات نفسها ترشح أول امرأة وهي رئيسة جمعية القضاة التونسيين سابقا، كلثوم كنو، التي تعتبر أحد أبرز القضاة المدافعين عن استقلال القضاء في حقبة بن علي.
وبعد منافسة شديدة، تمكن السبسي من تصدر السباق في دوره الأول مستفيدا من دعم الأحزاب الليبرالية، بينما حل المرزوقي ثانيا بتأييد من أنصار حزبه ومساندي حركة النهضة.
وفي الجولة الثانية التي أقيمت في ديسمبر من العام ذاته، تمكن السبسي من الفوز بنسبة 55.6 بالمئة من الأصوات مقابل 44.3 بالمئة لمنافسه، ليصبح أول رئيس منتخب بشكل مباشر من الشعب في انتخابات ديمقراطية بهذا البلد المغاربي.
2019.. تصويت عقابي
بعد وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي يوم 25 يوليو 2019، انتقل الحكم بشكل مؤقت بموجب الدستور إلى رئيس مجلس نواب الشعب، محمد الناصر، في أفق تنظيم انتخابات جديدة.
وسعيا منها لعدم تجاوز الآجال الدستورية، سارعت هيئة الانتخابات إلى تنظيم رئاسيات مبكرة منتصف شهر سبتمبر من العام 2019.
ومن أصل أكثر من 90 شخصا قدموا ملفات ترشحهم، قبلت الهيئة ملفات 26 مرشحا بعد انتهاء مرحلة الطعون أمام القضاء.
ومن أبرز الأسماء التي خاضت تلك الانتخابات أعضاء بارزون في الحكومة حينها، من بينهم وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلى جانب مسؤولين سابقين كوزير المالية إلياس الفخفاخ، ووزير التربية ناجي جلول، ووزيرة السياحة سلمى اللومي.
وضمت قائمة المرشحين أيضا رجل الأعمال نبيل القروي، والقيادي بحركة النهضة عبد الفتاح مورو، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، والنقابي السابق المعروف عبيد البريكي.
هذه الانتخابات شهدت حدثا لافتا، وهو ترشح رجل من خارج عوامل السياسة وحتى دوائر المال والأعمال، أستاذ للقانون الدستوري من رحاب الجامعة التونسية يدعى قيس سعيد.
قيس سعيد ونبيل القروي يدليان بصوتهما
وفي مفاجأة كبيرة، تمكن سعيد من المرور إلى الدور الثاني متقدما على الأسماء الوازنة والمؤثرة كوزير الدفاع ورئيس الحكومة آنذاك، في تصويت وُصف بـ"العقابي" للنخبة الحاكمة حينها.
وإلى جانب سعيد، تمكن رجل الأعمال نبيل القروي، وكان حينها مديرا لقناة "نسمة" التلفزيونية، من المرور إلى الدور الثاني رغم وجوده وراء القبضان في قضايا فساد مالي.
وفي الجولة الثانية، استطاع سعيد كسب تأييد جزء واسع من أنصار منافسيه في الجولة الأولى ليحقق فوزا بفارق كبير عن القروي حين تمكن من الحصول على أصوات أزيد من2.7 مليون ناخب يمثلون نحو 72 بالمئة من الناخبين.
2024.. لمن ستميل الكفة؟
ثلاثة مرشحين فقط يخوضون السباق نحو قصر قرطاج، يقبع أحدهم بالسجن مواجها اتهامات بتزوير التزكيات الشعبية وهي أحد شروط الترشح.
هذا الاستحقاق الرئاسي هو الأول من نوعه الذي يجري في ظل دستور جديد تبناه الشعب في استفتاء عام 2022.
وبمقتضى الدستور الجديد يمتلك الرئيس صلاحيات واسعة فهو من يعين الحكومة وهو من يضبط السياسات العامة للدولة من مختلف المجالات.
وإلى جانب الرئيس المنتهية ولايته قيس سعيد، يخوض هذه الانتخابات النائب السابق بالبرلمان زهير المغزاوي، وهو قيادي بحركة الشعب ذات التوجه القومي.
أما المرشح الثالث في هذه الرئاسيات فهو المهندس ورجل الأعمال والنائب السابق بالبرلمان العياشي زمال الذي يقبع حاليا في السجن بتهمة "تزوير التزكيات الشعبية".
وكانت الهيئة قد رفضت ملفات 14 مرشحا للانتخابات، لكن المحكمة الإدارية أعادت ثلاثة منهم إلى السباق الانتخابي وهم عبد اللطيف المكي، القيادي السابق بحركة النهضة وعماد الدايمي، المسؤول السابق بالرئاسة، ومنذر الزنايدي، الوزير في عهد بن علي،
ورغم الحكم الصادر عن القضاء الإداري، رفضت هيئة الانتخابات إعادة الثلاثي المذكور إلى السباق، في قرار أثار نقاشات قانونية وسياسية واسعة.
ولاحقا، تبنى البرلمان التونسي قانونا جديدا يسحب الرقابة على الانتخابات من القضاء الإداري إلى القضاء العدلي ممثلا في محكمة الاستئناف.
ويقدر عدد الناخبين في هذا الاستحقاق بنحو 9.7 ملايين ناخب، سيدلون بأصواتهم في أزيد من 5 آلاف مركز اقتراع، فيما يُتوقع أن تعلن الهيئة عن النتائج الأولية للانتخابات يوم الأربعاء المقبل، وتظلّ إمكانية الإعلان عن النتائج قبل هذا التاريخ واردة.