قبل أن يصبح نجم الكوميديا على خشبة المسرح الجزائري، مرّ رشيد قسنطيني، واسمه الحقيقي رشيد بلخضر، بمآسى في حياته، لكنها لم تكسر عزيمته بل بالعكس، لقد جعلته ينطلق معانقا النجاح.
فمن يكون هذا الرجل، الذي عمل على تحريض الشعب ضد الاحتلال الفرنسي، بالضحك؟
واحد من ثلاثة مخضرمين
ولد قسنطيني في 11 نوفمبر 1887م في حي القصبة العتيق بالجزائر العاصمة، يصفه الموقع الإلكتروني للمسرح الوطني الجزائري بأنه "أحد المسرحيين الثلاث المخضرمين، الذين أنجبتهم قصبة الجزائر العاصمة" وهم؛ رشيد قسنطيني ومحي الدين بشطارزي وعلي علالو.
استلهم قسنطيني شخوصه المسرحية من الوسط الشعبي مع البسطاء الذين كان يلاحظهم ويصغي إليهم، وفق ما يذكر المصدر السابق.
فيديو نادر لشوارع العاصمة الجزائرية سنة 1896م.. تظهر فيه المرأة الجزائرية العاصمية بلباس "الحايك العاصمي"
— كريم طوبال (@karim__toubal_S) March 10, 2023
الفيديو أصلي مرفوق بأغنية "اشطح اشطح يا لولو" للمغني و الشاعر الجزائري "رشيد قسنطيني" الذي ولد بالقصبة "العاصمة" في 11 نوفمبر 1887م#ألبس_جزائري #معا_لحماية_التراث_الجزائري pic.twitter.com/3g6T08H1HB
بدأ حياته نجارا مع والده، وبعدما فرضت السلطات الفرنسية التجنيد الإجباري خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وأغلقت المؤسسات ومحلات التجار والحرفيين، وجد الشاب رشيد نفسه عاطلا عن العمل وهو متزوج وأب لرضيع في أشهره الأولى.
النجاة بأعجوبة.. ورحلة عبر العالم
عمل بعد ذلك في الميناء ثم خاض تجربة السفر بحرا إلى فرنسا للعمل هناك، لكن السفينة التي كان فيها غرقت بعد تعرضها لهجوم من البحرية الألمانية فنجا بأعجوبة، ووجد نفسه مع جزائريين في جزيرة مالطا.
ومن مالطا توجه إلى مارسيليا للعمل، ثم قاده البحث عن العمل إلى رحلة طويلة في أوروبا ثم إلى أميركا ثم الهند الصينية، وعاد سنة 1925 إلى الجزائر بعد سنوات طويلة من الغياب، لكنه صُدم بزواج زوجته من رجل آخر، فعاد إلى فرنسا لكن المقام لم يطب به هناك.
عاد رشيد إلى الجزائر مجددا وعمل نجارا في الميناء وفي هذه الأثناء انجذب إلى المسرح، فالتقى بالممثل المسرحي علي علالو، الذي أُعجب كثيرا بشخصيته وطريقة كلامه ورأى فيه مقومات ممثل كوميدي من الطراز الرفيع، فاقترح عليه الانضمام إلى فرقته المسرحية "الزاهية" فوافق.
بداية الحياة المسرحية
كانت مسرحية "جحا" أول عمل يشارك فيه قسنطيني، وكان بالدارجة الجزائرية وليس بالعربية الفصحى، ومن هنا ستبدأ مسيرة قسنطيني المسرحية.
قال عنه علي علالو "إنه مضحك بالفطرة ومُسلّ"، ويضيف في شهادة نقلها موقع المسرح الوطني الجزائري "اقتُرح عليّ اسم رشيد قسنطيني الذي عُرف بأسلوبه الساخر، واقتنعت أنّ موهبته ذات قيمة كبيرة"، ويضيف "قسنطيني كوميدي كبير وأستاذ في فن الارتجال".
في سنة 1927 تأسست فرقة مسرحية جديدة تدعى "فرقة الجزائر"، انضم إليها رشيد قسنطيني وجلول باش جراح وهواة آخرون، ثم شارك في مسرحية "زواج بوعقلين" وبدأت شهرته تتسع، فقدم وكتب أعمالا منها "أبو حسان" و"النائم المستيقظ".
في العام 1928 حقق قفزة كبيرة جدا بسبب شهرته فاقتحم عالم التأليف المسرحي، حققت مسرحيتا "بابا قدور الطماع" و"زواج بوبرمة" نجاحا باهرا، ففيهما نفّس عن ما يختلج في نفسه ونفوس الجزائريين جراء الاحتلال الفرنسي، فتناول عديد الظواهر السلبية المتفشية في المجتمع بسبب الاحتلال؛ كالأمية، الدجل، الفقر، الظلم، البطالة وغيرها.. كانت رسائل سياسية في قالب فكاهي أرسلها إلى الجمهور.
الموسيقى.. وتحدي الاحتلال
لم يكتف قسنطيني بالتمثيل والتأليف فحسب، بل طرق باب الموسيقى فكتب 600 قصيدة غنائية، منها حتى قصائد دينية مثل قصيدة عن النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، ولا تزال تترد إلى اليوم، والقصيدة الفكاهية الشهيرة "اشطح اشطح يا لولو".
كما كتب قصائد دفاعا عن الهوية الوطنية وفضح سياسات الاستعمار، مثل مونولوغ غنائي بعنوان "القاضي" انتقد فيه القضاء الفرنسي واتهمه بالانحياز وعدم المساواة، مستخدما الكوميديا في ذلك، ما جعل الاحتلال يهدده مرار بالسجن، لكن رشيد لم يستسلم وتحدّى الاحتلال بفنّه.
يصف شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله في موسوعته "تاريخ الجزائر الثقافي" المسرحي رشيد قسنطيني قائلا "كان موهوبا في فن الكوميديا.. امتلأ بالآمال وخطط أن يكون منتجا مسرحيا ومغنيا ومضحكا للشعب، وأيضا مؤثرا عليه".
كتب قسنطيني وأدّى أكثر من 40 مسرحية، وتوفي في 10 يوليو 1944 إثر مرض وهو في 56 من العمر، ليرحل رجل عمل بالكوميديا على تناول مآسي الجزائريين ويومياتهم لنشر الوعي فيهم وتحريضهم على الثورة ضد الاحتلال، قبل اندلاع ثورة نوفمبر 1954 بـ11 عاما.
المصدر: أصوات مغاربية
