Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لقطة من عمل مشترك جمع كيلي برفيق دربها حسن أكلاو. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي
لقطة من عمل مشترك جمع كيلي برفيق دربها حسن أكلاو. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

في عام 1991، أدهشت فتاة فرنسية شقراء مئات الأمازيغ الذين حضروا عرضا لفن الروايس (نوع موسيقى منتشر وسط المغرب يعتمد على الشعر الأمازيغي الموزون) بمدينة الدار البيضاء حينما صعدت على الركح وغنت قصائد من ذلك الفن العريق بصوت عذب جميل وبفصاحة لغوية لا تقل عن فصاحة رائدات ذلك الأسلو الغنائي.

تفاعل الجمهور بحماس مع الفتاة الفرنسية مندهشين من رؤية أجنبية تغني بلسانهم، في زمن كانت فيه اللغة الأمازيغية مهمشة وبعيدة عن مختلف مناحي الحياة العامة. 

فمن تكون هذه الشقراء؟ 

ولدت كارين دونفير في بلدة بلوا، وسط فرنسا عام 1976 لأب برتغالي وأم فرنسية، وفي سن الـ12 انتقلت مع أسرتها للعيش بمدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، ولم تكن حينئذ تعرف شيئا لا عن هذا البلد ولا عن الثقافة الأمازيغية. 

شيئا فشيئا بدأت المراهقة الفرنسية تتعرف على ثقافة البلد، وكانت في بدايات إقامتها بالمغرب تسافر بين مدنه لاستكشاف ثقافتة المتعددة الروافد. 

أغرمت كارين، التي اختارت لاحقا اسما فنيا هو كيلي، بالثقافة الأمازيغية وخاصة بفن الروايس الذي كان في أوج انتشاره خلال تلك الفترة بظهور جيل ثان من الرواد على غرار أحمد أوطالب المزوضي، حسن أرسموك، حسن أكلاو، فاطمة تبعمرانت وآخرين. 

ثلاث سنوات بعد استقرارها بالمغرب، تحلت الشقراء الفرنسية بالشجاعة وبثقة الفنان أوطالب المزوضي فصعدت المنصة وتناولت الميكروفون وغنت بلسان أمازيغي مبين قصائد فن الروايس، قصائد تفاعل معها الجمهور بالتصفيق والتساؤل في الوقت نفسه.

كيلي ورحلة الاحتراف 

تعليقا على ذلك الظهور، قال الرايس أوطالب المزوضي ضمن شهادة وردت في فيلم وثائقي عن كيلي، إن ذلك الظهور كان استثنائيا وبأنه كان إعلانا عن ميلاد فنانة جديدة في ميدان فن الروايس. 

وقال "أعجب الجمهور بالرايسة كيلي وبدأ الناس يتحدثون عن أجنبية تغني بالأمازيغية تتلمذت على يد الرايس أوطالب وتجيد المتغير السوسي، اتصلت بعد ذلك بصاحب شركة إنتاج وطلبت منه أن يمنح الفرصة لكيلي وأن يسجل لها بعض الأغاني مع الفنان حسن أكلاو الذي كان حينها من كبار الفنانين الذين راكموا تجربة مهمة في فن الروايس". 

موازاة مع ذلك، استعانت كيلي بمعلم للغة الأمازيغية لمساعدتها على تحسين نطقها، كما حرصت على حفظ أغاني رواد فن الروايس وتأليف أخرى صحبة الفنان الراحل حسن أكلاو. 

ر

لاقت تجربة "الدويتو" الغنائي بين كيلي وأكلاوو نجاحا باهرا بالمغرب، وكانت أشرطتهما تحقق أرقاما قياسية في المبيعات داخل البلاد وخارجها. 

وعن هذا النجاح، قال الباحث في الثقافة الأمازيغية أحمد عصيد في شهادة ضمن الفيلم نفسه، إن الجالية المغربية الأمازيغية المقيمة بفرنسا، المنحدرة من جنوب المغرب، كانت تستعين بأشرطة الفنانة لتشجيع أطفالها على الاعتزاز بأمازيغيتهم. 

واعتبر أن الفنانة "أسدت خدمة كبيرة للغة الأمازيغية وللفن الأمازيغي، حتى المغاربة بشكل عام عندما سمعوا وشاهدوا أجنبية تغني بالأمازيغية تساءلوا عن الأسباب واهتموا هم أيضا بهذه اللغة". 

تميزت كيلي في أغانيها مع حسن أكلاو وشاركت مع الفنان نفسه في فيلم يحمل اسمها أواسط التسعينيات، كما شاركت في تجارب أخرى مع الفنان حسن أرسموك. 

الاختفاء عن الأنظار

وتحدثت كيلي في روبورتاج فرنسي عن تلك التجارب، وقالت إنها سعيدة لنجاحها في إقناع أمازيغ سوس بفنها، لافتة إلى أن الجمهور "لم ينظر لي قط كأجنبية، بل رحب بي كفنانة أمازيغية لا تختلف عن باقي الرايسات، لذلك أرى أنني أحمل مشعل هذا الفن وأطمح إلى أن أوصله إلى العالم". 

ومع مطلع الألفية الثالثة، توقفت مسيرة الفنانة الفرنسية بوفاة رفيقها في ميدان فن الروايس حسن أكلاو عام 2001، ويقال إنها اعتزلت بعد ذلك الفن واختارت الانزواء بعيدا عن ساحة الروايس للاهتمام بأسرتها. 

"تركت كيلي ريبرتوارا غنيا، ضم أغان وأشعار لا يزال الناس يرددونها إلى اليوم، كيلي غادرت ميدان الفن بعد زواجها وأتأسف لأن مجال فن الروايس الذي احتضن كيلي لم يعد ذلك المجال الذي يرحب بالفنان ويمنحه سبل العيش بكرامة"، يضيف أحمد عصيد. 

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

الفنان محمد الغافور خلال تكريمه من قبل وزيرة الثقافة الجزائرية

معتمرا طربوشه الأحمر، والعباءة التلمسانية (نسبة للمدينة الواقعة غرب الجزائر)، يحافظ الفنان محمد الغافور (94 سنة) على نفس الصورة التي رسخت في أذهان متابعيه ومعجبيه وعشاق الفن الأندلسي والحوزي في الجزائر، منذ أن سلك هذا الرواق في ستينيات القرن الماضي الذي برع وأبدع فيه وهو شاب يافع إلى أن تربع ملكا على عرشه وهو شيخ بروح الشباب.

بين الموسيقى والتصوف

يمزج الغافور بين شخصيته الفنية التي تشبعت بالموسيقى الأندلسية والدينية التي تأثرت بالتصوف في مسقط رأسه مدينة ندرومة العريقة، التي تعددت فيها الزوايا الدينية، منذ تأسيسها على يد عبد المؤمن بن علي عام 1150، وألهمته الصدح بالابتهالات والمديح في المناسبات الدينية والاجتماعية.

وندرومة واحدة من المدن العريقة التي أنجبت علماء وشعراء وفنانين، فقد تأثرت بهجرة الأندلسيين إليها منذ القرن الخامس عشر، ويقول الباحث في الفن الأندلسي، أمين بودفلة إنه من الطبيعي أن "تساهم كل هذه الخلفيات في تشكيل شخصية محمد الغافور، وتؤثر في توجهه الفني الصوفي، وفي امتهانه الدراز (صناعة النسيج التقليدي) التي اشتهرت بها المدينة".

انكب محمد الغافور على حفظ أشعار قدور بن عاشور الندرومي شاعر الملحون (1850/ 1938)، ويذكر أمين بودفلة أن تلك الأشعار كانت "الخلفية الفنية التي ساعدته على سلك طريق الفن الأندلسي والحوزي"، فقد انخرط في تعلم العزف على مختلف الآلات الموسيقية في المدينة على يد "أصحاب الصنعة" من العازفين المتمكنين الذين كانوا يخصصون فترة ما بعد نهاية العمل لهذا الأمر، لكنه، يضيف المتحدث، لم يكتف بتعلم العزف في مسقط رأسه، بل "نال حظه من التعليم على يد الشيخ أحمد حسونة (1895/ 1971) وهو من أبرز فناني الطابع الأندلسي في الشرق الجزائري".

من النخبة إلى المقاهي الشعبية

برع محمد الغافور الذي أصبح يسمى لاحقا بالشيخ (لقب يطلق على كبار مطربي الأندلسي والحوزي) في هذه الفنون، ويقول الكاتب علي عبدون إن "صوته القوي قاده لأن يستهل مسيرته الفنية بالغناء في نهاية الستينيات"، ولأنه كان "مميزا" فقد حشد المعجبين والعشاق الذين أطربهم بصوته، وبالكلمات التي اقتناها بعناية من كتابات شعراء بلدته، ويشير علي عبدون أن الغافور "نافس مدارس فنية كبيرة في عواصم الأندلسي والحوزي مثل تلمسان والبليدة وبجاية وقسنطينة والجزائر العاصمة".

وبالنسبة للمتحدث فإن ابن ندرومة "جدد وأبدع من حيث الأداء والعزف، دون أن يغير من جوهر مقاطع الموسيقي الأندلسية والحوزي الذي حوله من فن النخبة إلى الجماهير"، مضيفا أن صوته "غزا المقاهي الشعبية في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وتمايل الواقفون والجالسون على أنغامه وأغانيه كلما بثت الإذاعة والتلفزيون مقاطع منها".

أما على ركح العروض الفنية فقد غنى محمد الغافور في الجزائر ومهرجاناتها إلى أن حاز على الجائزة الأولى في مهرجان الموسيقى الشعبية بالجزائر سنة 1969، ويذكر الكاتب عبدون أن الغافور "رفض أن يتحول فنه وأغانيه إلى سلعة للتجارة"، مضيفا أنه "لم يسجل أي شريط كاسيت أو قرص لتسويقه، مكتفيا بما يسجله في الإذاعة والتلفزيون ويبث للمستمعين"، وكان أشهرها "ولفي مريم"، يا لايم (يخاطب من يلومه)، من لا درى بعشقي يدري.

الحوزي والأندلسي

كان القدر يضع خطوات محمد الغافور على سكة فن الحوزي والأندلسي للعبور إلى بوابة الشهرة والتتويج، والأول "هو نوع موسيقي وغنائي مشتق من الموسيقى الأندلسية"، مثلما تذكر مجلة "أنثروبولوجيا الأديان" الصادرة عن جامعة تلمسان في دراسة خصصتها للفنان محمد الغافور، التي أضافت أن الحوزي "فن غنائي معروف بمقطوعات شعرية منظومة باللسان الدارج واللغة العامة في قالب موسيقي خاص".

وتضيف المجلة العلمية أن الحوزي "يقرب من حيث الأداء من النغم الأندلسي، كما أنه يتميز بقلة اللجوء إلى نغمات متعددة وقصر المسافات الصوتية لمغنيه".

أما فن الموسيقى الأندلسية فقد اشتهر بمنطقة المغرب العربي التي تأثرت بموجة المد القادمة من الأندلس، وهذا الفن مصطلح يطلق على "الموسيقى الكلاسيكية بالمغرب العربي بقسميه الدنيوي والديني المتصل بمدائح الطرق الصوفية"، حسب تعريف كتاب "تاريخ الموسيقى الأندلسية"، الذي يذكر أنها "نشأت بالأندلس وارتبطت في بعض الأحيان بالمدائح، وهي لا تتقيد في الصياغة بالأوزان والقوافي، ولم يمتد هذا اللون إلى مصر وبلاد الشام".

"اعتزال" وعودة

كانت الزوايا ملجأ الشيخ محمد الغافور مع مطلع التسعينيات، ويعتقد أمين بودفلة في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن فنان الجزائر "لم يبتعد كثيرا عن مجاله، حيث الابتهالات والمدائح الدينية جزء من روح فن الحوزي والأندلسي"، أما عبدون فأشار إلى أن دخول الجزائر فترة العشرية السوداء (تسعينات القرن العشرين) بسبب الصراع المسلح بين الحكومة والمتشددين، "أبعد الغافور عن الساحة الفنية التي كانت مستهدفة".

كانت عشرية التسعينيات في الجزائر امتحانا صعبا للجميع دفع بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعد أشهر من توليه الحكم في أبريل 1999 إلى عرض ميثاق الوئام المدني للاستفتاء في سبتمبر من نفس العام.

ويقول على عبدون "في تلك الفترة زار بوتفليقة تلمسان وأقام فيها تجمعا حضر الشيخ غفور صفوفه الأولى"، كانت دعوة بوتفليقة صريحه عندما خاطب الغافور من أجل العودة إلى "التغريد" بعد أن وصفه بـ "بلبل الجزائر، لأن البلاد سلكت الطريق الآمن من التشدد".

شارك الشيخ الغافور بعدها في عدة مناسبات فنية داخل الجزائر وخارجها، ويشدد الباحث أمين بودفلة على أنه "يستحق فعلا تاج ملك الحوزي والأندلسي في الجزائر"،فهو من حول الكلمات إلى صور موسيقية وغنائية، ولولاه لما عرف الناس بـ"ولفي مريم" القصيدة التي تغنى فيها بمحاسن معشوقته التي طلب أن يكون في حماها، وأن تشفق على حاله كي تخف أمراضه "أنا يا في حماك قلت لها يا ولفي مريم، شفقي من حالي يا الباهية يتخفف سقامه".

المصدر: أصوات مغاربية