Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من مدينة ولاتة التاريخية بأقصى الشرق الموريتاني- أرشيف
جانب من مدينة ولاتة التاريخية بأقصى الشرق الموريتاني- أرشيف

في أقصى نقطة في الشرق الموريتاني كان أحد أقسى السجون في تاريخ البلد، وهو المعتقل الذي أقيم في "قلعة ولاته" التاريخية واستضاف العديد من السياسيين والعسكريين في فترات متعددة، كان من أبرزهم الرئيس الأول للجمهورية المختار ولد داداه.

تقع "قلعة ولاته" في المدينة التاريخية التي تحميل نفس الاسم وتقع على بعد حوالي 1300 كلم من العاصمةنواكشوط، على مسافة نحو ٢٠٠ كلم من مدينة النعمة كبرى مدن شرق البلاد، وتوصف بـ "منفى المعارضين والزعماء".

وما زالت القلعة التي باتت مهجورة في الوقت الحالي، تشكل مزارا لداعمي الحريات في البلد، كما ترتبط بذكريات كبيرة لعائلات ضحايا لقوا حتفهم بين جدرانها بينهم "نزلاء من الحركة القومية الزنجية" في هذا البلد المغاربي.

وتأسست هذه القلعة في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد دخول المستعمر الفرنسي المناطق الشرقية لموريتانيا، ثم تحولت بعد استقلال البلد في نوفمبر عام ١٩٦٠، لسجن ومقر للقوات المسلحة.

ويقول الرئيس الراحل ولد داداه (1924-2003) في مذكراته إن ظروف "سجن ولاته" هي أسوأ ظروف سجن موريتاني، مضيفا أنه يتذكر في يوم من الأيام استيقاظه صباحا وقد ابتلعت الرمال نصف جسده، متحدثا عن "معاملة قاسية لنزلاء القلعة".

سجن الرئيس المؤسس

تمت الإطاحة بالمختار ولد داده في انقلاب عسكري عام 1978، واقتاده الانقلابيون في البداية إلى كتيبة "الهندسة العسكرية" داخل العاصمة، قبل أن ينقل إلى مدينة "ولاته" في أقصى الشرق الموريتاني حيث قضى معظم سجنه هناك.

ويقول في مذكراته واصفا حالته في تلك الفترة: "بعد وصولنا، بدأ فريق من الجنود العمل دون انقطاع حتى نهاية أغسطس لتهيئة المكان المخصص لإقامتي وكان من بينه عمال وبناؤون ونجارون وبدأت الخطوة الأولى (...) ببناء جدار ارتفاعه متران مزود بباب يفتح تارة ويغلق أخرى وقد اتخذ المكان المخصص لي شكلا معينا قاعدته الصغرى ضيقة جداً، في حين كانت القلعة مثلثة الشكل".

وكان ولد داداه من أهم الواصفين لطبيعة الحياة في هذا السجن المهيب في موريتانيا، وذلك رغم حفاظه في مذكراته "موريتانيا على درب التحديات"، على لغة دبلوماسية أظهر فيها الكثير من الحرص على عدم ذكر الجوانب السيئة لتجاربه.

ويضيف أن مكان احتجازه أصبح بعد جهد كبير من الجنود المسؤولين عن حراسته "شقة يمتد طولها على نحو عشرين متراً"، واستطرد قائلا: "أرضيتها المدعمة بالإسمنت، غطيت ببساط ناعم، وهو ترف لم أحصل عليه في نواكشوط! فقد زودت غرفة النوم بسرير كبير ودولاب، واشتملت قاعة الأكل على طاولة وأربعة مقاعد".

وحول الظروف العامة للقلعة، يقول إنه "مغطى بصفائح عتيقة من الزنك تتراقص باستمرار تحت تأثير هبوب الرياح المطرد، محدثة صوتا مزعجا ومثيرا إلى حدٍ يصم السامع أحيانا، وفي كل جهة من المكان تعشعش أنواع من طيور الدوري، وقد تحمل الرياح في أثناء الليل كميات كبيرة من الرمال، تعرض من ينامون في العراء للدفن أحياء، وتجعلهم يكابدون المصاعب ليبعثوا من مرقدهم".

وبعد فترة سجنه التي دامت زهاء ١٤ شهرا بتهمة "الخيانة العظمى"، غادر ولد داداه إلى فرنسا عام 1979 لتلقي العلاج الطبي بسبب "سوء الوضع في القلعة" وقضى معظم سنواته الأخيرة في المنفى، ليعود إلى موريتانيا عام 2001.

معاناة أخرى

لكن نزلاء آخرين لم يحظوا بنفس المعاملة "الرئاسية" التي تمتع بها ولد داده، وكان من بينهم سجناء من الحركة القومية الزنجية الذين قضى بعضهم نحبهم بين جدرانها، وعانى زملاؤهم معاناة شديدة إثر اتهامهم بمحاولة "قلب نظام الحكم".

ويحكي الضابط السابق في الجيش الموريتاني، بوي ألسان هارونا، مؤلف كتاب "كنت في ولاته"، عن تجارب "مريرة" عاشها على أديم تلك القلعة، مؤكدا أن "المعاناة التي عاشها السجناء الزنوج لا توصف".

وتعود تلك الأحداث لعام 1986 حيث استقبل "سجن ولاته" عددا كبيرا من "الضباط الزنوج" الذين اتهمهم الرئيس آنذاك معاوية ولد الطايع، بـ "التخطيط لمحاولة قلب نظام الحكم"، وأعدم عشرات الضباط الزنوج، ونقل آخرين "لقلعة ولاته". 

الكاتب ذاته يقول في تصريحات صحفية سابقة، "رغم كوني صحفيا وكاتبا لم أتمكن من تناول القلم من أجل سرد تلك الوقائع (...) ربما أتمكن - مع الزمن - من تذكر تلك الشاحنة الجرارة التي تم شحننا فيها، كقطيع من الماشية (...) أغلال الحديد في أقدامنا ونحن نسير على الهضبة المؤدية من القلعة إلى قرية ولاته، تحت شمس تتجاوز حرارتها 40 مئوية".

ويضيف هارونا: "ربما أتمكن من تذكر مشهد زميلي تن يوسف غي، وعبد القدوس باوبا، يحتضران قبل موتهم من جراء سوء التغذية وسوء المعاملة، أو الأستاذ إبراهيم أبو صال وهو يتعرض للضرب حتى سالت دماؤه".

في السياق نفسه يقول ولد داده إنه في تلك الفترة "يصعب السكن داخل المنزل، وتزداد الحاجة إلى الاستحمام وأتذكر أنني في صائفة 1979 كنت أنشغل لبعض الوقت بتقديم الشراب لطيور الدوري والحمام العطاش، ولسنجابين كانا يطوفان خلسة بهذا الحيز من حين لآخر" وذلك في فترة صيف حار "تدوم نصف العام".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الفنان محمد الغافور خلال تكريمه من قبل وزيرة الثقافة الجزائرية

معتمرا طربوشه الأحمر، والعباءة التلمسانية (نسبة للمدينة الواقعة غرب الجزائر)، يحافظ الفنان محمد الغافور (94 سنة) على نفس الصورة التي رسخت في أذهان متابعيه ومعجبيه وعشاق الفن الأندلسي والحوزي في الجزائر، منذ أن سلك هذا الرواق في ستينيات القرن الماضي الذي برع وأبدع فيه وهو شاب يافع إلى أن تربع ملكا على عرشه وهو شيخ بروح الشباب.

بين الموسيقى والتصوف

يمزج الغافور بين شخصيته الفنية التي تشبعت بالموسيقى الأندلسية والدينية التي تأثرت بالتصوف في مسقط رأسه مدينة ندرومة العريقة، التي تعددت فيها الزوايا الدينية، منذ تأسيسها على يد عبد المؤمن بن علي عام 1150، وألهمته الصدح بالابتهالات والمديح في المناسبات الدينية والاجتماعية.

وندرومة واحدة من المدن العريقة التي أنجبت علماء وشعراء وفنانين، فقد تأثرت بهجرة الأندلسيين إليها منذ القرن الخامس عشر، ويقول الباحث في الفن الأندلسي، أمين بودفلة إنه من الطبيعي أن "تساهم كل هذه الخلفيات في تشكيل شخصية محمد الغافور، وتؤثر في توجهه الفني الصوفي، وفي امتهانه الدراز (صناعة النسيج التقليدي) التي اشتهرت بها المدينة".

انكب محمد الغافور على حفظ أشعار قدور بن عاشور الندرومي شاعر الملحون (1850/ 1938)، ويذكر أمين بودفلة أن تلك الأشعار كانت "الخلفية الفنية التي ساعدته على سلك طريق الفن الأندلسي والحوزي"، فقد انخرط في تعلم العزف على مختلف الآلات الموسيقية في المدينة على يد "أصحاب الصنعة" من العازفين المتمكنين الذين كانوا يخصصون فترة ما بعد نهاية العمل لهذا الأمر، لكنه، يضيف المتحدث، لم يكتف بتعلم العزف في مسقط رأسه، بل "نال حظه من التعليم على يد الشيخ أحمد حسونة (1895/ 1971) وهو من أبرز فناني الطابع الأندلسي في الشرق الجزائري".

من النخبة إلى المقاهي الشعبية

برع محمد الغافور الذي أصبح يسمى لاحقا بالشيخ (لقب يطلق على كبار مطربي الأندلسي والحوزي) في هذه الفنون، ويقول الكاتب علي عبدون إن "صوته القوي قاده لأن يستهل مسيرته الفنية بالغناء في نهاية الستينيات"، ولأنه كان "مميزا" فقد حشد المعجبين والعشاق الذين أطربهم بصوته، وبالكلمات التي اقتناها بعناية من كتابات شعراء بلدته، ويشير علي عبدون أن الغافور "نافس مدارس فنية كبيرة في عواصم الأندلسي والحوزي مثل تلمسان والبليدة وبجاية وقسنطينة والجزائر العاصمة".

وبالنسبة للمتحدث فإن ابن ندرومة "جدد وأبدع من حيث الأداء والعزف، دون أن يغير من جوهر مقاطع الموسيقي الأندلسية والحوزي الذي حوله من فن النخبة إلى الجماهير"، مضيفا أن صوته "غزا المقاهي الشعبية في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وتمايل الواقفون والجالسون على أنغامه وأغانيه كلما بثت الإذاعة والتلفزيون مقاطع منها".

أما على ركح العروض الفنية فقد غنى محمد الغافور في الجزائر ومهرجاناتها إلى أن حاز على الجائزة الأولى في مهرجان الموسيقى الشعبية بالجزائر سنة 1969، ويذكر الكاتب عبدون أن الغافور "رفض أن يتحول فنه وأغانيه إلى سلعة للتجارة"، مضيفا أنه "لم يسجل أي شريط كاسيت أو قرص لتسويقه، مكتفيا بما يسجله في الإذاعة والتلفزيون ويبث للمستمعين"، وكان أشهرها "ولفي مريم"، يا لايم (يخاطب من يلومه)، من لا درى بعشقي يدري.

الحوزي والأندلسي

كان القدر يضع خطوات محمد الغافور على سكة فن الحوزي والأندلسي للعبور إلى بوابة الشهرة والتتويج، والأول "هو نوع موسيقي وغنائي مشتق من الموسيقى الأندلسية"، مثلما تذكر مجلة "أنثروبولوجيا الأديان" الصادرة عن جامعة تلمسان في دراسة خصصتها للفنان محمد الغافور، التي أضافت أن الحوزي "فن غنائي معروف بمقطوعات شعرية منظومة باللسان الدارج واللغة العامة في قالب موسيقي خاص".

وتضيف المجلة العلمية أن الحوزي "يقرب من حيث الأداء من النغم الأندلسي، كما أنه يتميز بقلة اللجوء إلى نغمات متعددة وقصر المسافات الصوتية لمغنيه".

أما فن الموسيقى الأندلسية فقد اشتهر بمنطقة المغرب العربي التي تأثرت بموجة المد القادمة من الأندلس، وهذا الفن مصطلح يطلق على "الموسيقى الكلاسيكية بالمغرب العربي بقسميه الدنيوي والديني المتصل بمدائح الطرق الصوفية"، حسب تعريف كتاب "تاريخ الموسيقى الأندلسية"، الذي يذكر أنها "نشأت بالأندلس وارتبطت في بعض الأحيان بالمدائح، وهي لا تتقيد في الصياغة بالأوزان والقوافي، ولم يمتد هذا اللون إلى مصر وبلاد الشام".

"اعتزال" وعودة

كانت الزوايا ملجأ الشيخ محمد الغافور مع مطلع التسعينيات، ويعتقد أمين بودفلة في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن فنان الجزائر "لم يبتعد كثيرا عن مجاله، حيث الابتهالات والمدائح الدينية جزء من روح فن الحوزي والأندلسي"، أما عبدون فأشار إلى أن دخول الجزائر فترة العشرية السوداء (تسعينات القرن العشرين) بسبب الصراع المسلح بين الحكومة والمتشددين، "أبعد الغافور عن الساحة الفنية التي كانت مستهدفة".

كانت عشرية التسعينيات في الجزائر امتحانا صعبا للجميع دفع بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعد أشهر من توليه الحكم في أبريل 1999 إلى عرض ميثاق الوئام المدني للاستفتاء في سبتمبر من نفس العام.

ويقول على عبدون "في تلك الفترة زار بوتفليقة تلمسان وأقام فيها تجمعا حضر الشيخ غفور صفوفه الأولى"، كانت دعوة بوتفليقة صريحه عندما خاطب الغافور من أجل العودة إلى "التغريد" بعد أن وصفه بـ "بلبل الجزائر، لأن البلاد سلكت الطريق الآمن من التشدد".

شارك الشيخ الغافور بعدها في عدة مناسبات فنية داخل الجزائر وخارجها، ويشدد الباحث أمين بودفلة على أنه "يستحق فعلا تاج ملك الحوزي والأندلسي في الجزائر"،فهو من حول الكلمات إلى صور موسيقية وغنائية، ولولاه لما عرف الناس بـ"ولفي مريم" القصيدة التي تغنى فيها بمحاسن معشوقته التي طلب أن يكون في حماها، وأن تشفق على حاله كي تخف أمراضه "أنا يا في حماك قلت لها يا ولفي مريم، شفقي من حالي يا الباهية يتخفف سقامه".

المصدر: أصوات مغاربية