Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المختار ولد اباه
من أبرز أعمال الراحل محمد المختار ولد ابّاه ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية

اختارت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، الجمعة، مؤسس جامعة شنقيط العصرية الأديب الموريتاني الراحل محمد المختار ولد ابّاه، رمزا للثقافة العربية لسنة 2024. 

فمن يكون هذا الرجل، الذي توّج بشهادات كبيرة وشغل وظائف سامية، وترك إرثا أدبيا كبيرا، كان أبرزه ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، والتي تصنف ضمن أفضل الترجمات عالميا؟

رجل متوّج بالشهادات واللغات

وُلد ولد ابّاه في الرابع مارس 1924 بمدينة بوتمليت (شرق) لعائلة ذات علم وجاه. حفظ القرآن صغيرا وأكمل دراسة المُتون والنصوص المقررة في المدارس العتيقة الشنقيطية المعروفة بالمحاظر (كتاتيب كبيرة تدرس فيها العلوم الشرعية).

بعدها انخرط في المدارس النظامية التابعة للاحتلال الفرنسي، فنال شهادة الثانوية العامة بمدينة سان لويس بالسنغال في 1954، ثم سافر إلى المغرب وتحصل على بكالوريوس في الآداب من جامعة محمد الخامس عام 1962، وفي السنة ذاتها تخرج من نادي الطيران بالرباط، وعام 1967 تخرج من نادي الطيران التابع للقوات الفرنسية بنواكشوط وأصبح طيارا.

سافر العام 1969 إلى فرنسا وتحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون في موضوع "الشعر والشعراء في موريتانيا"، وفي 1970 نجح في امتحان "شهادة التبريز" من الجامعة ذاتها، ليكون أول موريتاني يحصل على هذه الشهادة من فرنسا، ونال بذلك تهنئة سفير فرنسا بموريتانيا حينها والرئيس المختار ولد داداه.

وفي العام 1975 نال دكتوراه الدولة من جامعة السوربون حول "تاريخ أدب التشريع الإسلامي في موريتانيا"، وكان أيضا أول موريتاني يحصل عليها، كما أتقن العبرية والفرنسية والإنجليزية.

ولد ابّاه.. السياسة والوظائف

كان ولد ابّاه من المنادين بتحرير بلاده من الاحتلال الفرنسي، فانضم إلى حزب "النهضة" المناهض للاحتلال.

عُيّن وزيرا للصحة العمومية والسكان في أول حكومة موريتانية خاضعة للاحتلال في 1957، لكنه عندما اقتنع بأنها امتداد لفرنسا هاجر إلى المغرب مع مجموعة من دعاة الوحدة والاندماج مع المغرب.

في المغرب عينه الملك محمد الخامس مديرا للإذاعة والتلفزيون المغربي العام 1960.

وبمجرد عودته إلى موريتانيا العام 1964 اتهم بالخيانة العظمى والتخابر مع المغرب ودخل السجن، ثم أفرج عنه بعد سنتين، ثم عينه الرئيس الراحل المختار ولد داداه في مناصب في قطاع التعليم منها رئاسة لجنة إصلاح التعليم، وإدارة المدرسة العليا لتكوين الأساتذة عام 1970.

أصبح عضوا في البرلمان ورئيسا للجنته الخارجية عام 1975، وعُين في "اليونسكو" مستشارا ثقافيا مقيما بالمغرب ومكلفا بمشروع إنقاذ مدينة فاس التاريخية سنة 1979، وأيضا مندوبا لـ"اليونيسكو" لدى جامعة الدول العربية مقيما بتونس.

مكّنه تكوينه العلمي من أن يشغل مناصب عديدة، فانتخب أمينا عاما مساعدا للشؤون الثقافية والتربوية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعين العام عام 1990 رئيسا للجامعة الإسلامية بالنيجر، وبعد عام عاد إلى المغرب وتفرغ للتدريس في دار الحديث الحسنية، كما شغل منصب "مكلف بمهمة" في الديوان الملكي.

كما اختاره مجمع اللغة العربية في القاهرة عضوا بين علمائه سنة 1996، وفي عام 2000 أصدر الرئيس الموريتاني الراحل معاوية ولد سيدي أحمد الطايع مرسوما بتعيينه رئيسا لمجلس هيئة جوائز شنقيط لتشجيع البحث العلمي واستنهاض الحركة الثقافية.

مؤسس جامعة شنقيط العصرية

في العام 2006 أسّس جامعة شنقيط العصرية في نواكشوط وأصبح رئيسا لمجلس إدارتها، وفي 2015 عينه الملك محمد السادس عضوا في المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، ورئيسا لفرعها في موريتانيا.

كرّمه العاهل الأردني عبد الله الثاني العام 2013 بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى. وحصل على وسام فارس في الاستحقاق الوطني في 2022 من الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني. 

رحل ولد اباه في 22 يناير 2023 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، بعد وعكة صحية دخل على إثرها مستشفى أمراض القلب.

وللراحل مؤلفات منها؛ "تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب" وكتاب "الشعر والشعراء في موريتانيا"، وقرابة 50 مؤلّفا في علوم القرآن والحديث والسيرة، وأصول الدين والفقه وأصوله، بالإضافة إلى مؤلفات في اللغة والشعر.

 المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الفنان محمد الغافور خلال تكريمه من قبل وزيرة الثقافة الجزائرية

معتمرا طربوشه الأحمر، والعباءة التلمسانية (نسبة للمدينة الواقعة غرب الجزائر)، يحافظ الفنان محمد الغافور (94 سنة) على نفس الصورة التي رسخت في أذهان متابعيه ومعجبيه وعشاق الفن الأندلسي والحوزي في الجزائر، منذ أن سلك هذا الرواق في ستينيات القرن الماضي الذي برع وأبدع فيه وهو شاب يافع إلى أن تربع ملكا على عرشه وهو شيخ بروح الشباب.

بين الموسيقى والتصوف

يمزج الغافور بين شخصيته الفنية التي تشبعت بالموسيقى الأندلسية والدينية التي تأثرت بالتصوف في مسقط رأسه مدينة ندرومة العريقة، التي تعددت فيها الزوايا الدينية، منذ تأسيسها على يد عبد المؤمن بن علي عام 1150، وألهمته الصدح بالابتهالات والمديح في المناسبات الدينية والاجتماعية.

وندرومة واحدة من المدن العريقة التي أنجبت علماء وشعراء وفنانين، فقد تأثرت بهجرة الأندلسيين إليها منذ القرن الخامس عشر، ويقول الباحث في الفن الأندلسي، أمين بودفلة إنه من الطبيعي أن "تساهم كل هذه الخلفيات في تشكيل شخصية محمد الغافور، وتؤثر في توجهه الفني الصوفي، وفي امتهانه الدراز (صناعة النسيج التقليدي) التي اشتهرت بها المدينة".

انكب محمد الغافور على حفظ أشعار قدور بن عاشور الندرومي شاعر الملحون (1850/ 1938)، ويذكر أمين بودفلة أن تلك الأشعار كانت "الخلفية الفنية التي ساعدته على سلك طريق الفن الأندلسي والحوزي"، فقد انخرط في تعلم العزف على مختلف الآلات الموسيقية في المدينة على يد "أصحاب الصنعة" من العازفين المتمكنين الذين كانوا يخصصون فترة ما بعد نهاية العمل لهذا الأمر، لكنه، يضيف المتحدث، لم يكتف بتعلم العزف في مسقط رأسه، بل "نال حظه من التعليم على يد الشيخ أحمد حسونة (1895/ 1971) وهو من أبرز فناني الطابع الأندلسي في الشرق الجزائري".

من النخبة إلى المقاهي الشعبية

برع محمد الغافور الذي أصبح يسمى لاحقا بالشيخ (لقب يطلق على كبار مطربي الأندلسي والحوزي) في هذه الفنون، ويقول الكاتب علي عبدون إن "صوته القوي قاده لأن يستهل مسيرته الفنية بالغناء في نهاية الستينيات"، ولأنه كان "مميزا" فقد حشد المعجبين والعشاق الذين أطربهم بصوته، وبالكلمات التي اقتناها بعناية من كتابات شعراء بلدته، ويشير علي عبدون أن الغافور "نافس مدارس فنية كبيرة في عواصم الأندلسي والحوزي مثل تلمسان والبليدة وبجاية وقسنطينة والجزائر العاصمة".

وبالنسبة للمتحدث فإن ابن ندرومة "جدد وأبدع من حيث الأداء والعزف، دون أن يغير من جوهر مقاطع الموسيقي الأندلسية والحوزي الذي حوله من فن النخبة إلى الجماهير"، مضيفا أن صوته "غزا المقاهي الشعبية في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وتمايل الواقفون والجالسون على أنغامه وأغانيه كلما بثت الإذاعة والتلفزيون مقاطع منها".

أما على ركح العروض الفنية فقد غنى محمد الغافور في الجزائر ومهرجاناتها إلى أن حاز على الجائزة الأولى في مهرجان الموسيقى الشعبية بالجزائر سنة 1969، ويذكر الكاتب عبدون أن الغافور "رفض أن يتحول فنه وأغانيه إلى سلعة للتجارة"، مضيفا أنه "لم يسجل أي شريط كاسيت أو قرص لتسويقه، مكتفيا بما يسجله في الإذاعة والتلفزيون ويبث للمستمعين"، وكان أشهرها "ولفي مريم"، يا لايم (يخاطب من يلومه)، من لا درى بعشقي يدري.

الحوزي والأندلسي

كان القدر يضع خطوات محمد الغافور على سكة فن الحوزي والأندلسي للعبور إلى بوابة الشهرة والتتويج، والأول "هو نوع موسيقي وغنائي مشتق من الموسيقى الأندلسية"، مثلما تذكر مجلة "أنثروبولوجيا الأديان" الصادرة عن جامعة تلمسان في دراسة خصصتها للفنان محمد الغافور، التي أضافت أن الحوزي "فن غنائي معروف بمقطوعات شعرية منظومة باللسان الدارج واللغة العامة في قالب موسيقي خاص".

وتضيف المجلة العلمية أن الحوزي "يقرب من حيث الأداء من النغم الأندلسي، كما أنه يتميز بقلة اللجوء إلى نغمات متعددة وقصر المسافات الصوتية لمغنيه".

أما فن الموسيقى الأندلسية فقد اشتهر بمنطقة المغرب العربي التي تأثرت بموجة المد القادمة من الأندلس، وهذا الفن مصطلح يطلق على "الموسيقى الكلاسيكية بالمغرب العربي بقسميه الدنيوي والديني المتصل بمدائح الطرق الصوفية"، حسب تعريف كتاب "تاريخ الموسيقى الأندلسية"، الذي يذكر أنها "نشأت بالأندلس وارتبطت في بعض الأحيان بالمدائح، وهي لا تتقيد في الصياغة بالأوزان والقوافي، ولم يمتد هذا اللون إلى مصر وبلاد الشام".

"اعتزال" وعودة

كانت الزوايا ملجأ الشيخ محمد الغافور مع مطلع التسعينيات، ويعتقد أمين بودفلة في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن فنان الجزائر "لم يبتعد كثيرا عن مجاله، حيث الابتهالات والمدائح الدينية جزء من روح فن الحوزي والأندلسي"، أما عبدون فأشار إلى أن دخول الجزائر فترة العشرية السوداء (تسعينات القرن العشرين) بسبب الصراع المسلح بين الحكومة والمتشددين، "أبعد الغافور عن الساحة الفنية التي كانت مستهدفة".

كانت عشرية التسعينيات في الجزائر امتحانا صعبا للجميع دفع بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعد أشهر من توليه الحكم في أبريل 1999 إلى عرض ميثاق الوئام المدني للاستفتاء في سبتمبر من نفس العام.

ويقول على عبدون "في تلك الفترة زار بوتفليقة تلمسان وأقام فيها تجمعا حضر الشيخ غفور صفوفه الأولى"، كانت دعوة بوتفليقة صريحه عندما خاطب الغافور من أجل العودة إلى "التغريد" بعد أن وصفه بـ "بلبل الجزائر، لأن البلاد سلكت الطريق الآمن من التشدد".

شارك الشيخ الغافور بعدها في عدة مناسبات فنية داخل الجزائر وخارجها، ويشدد الباحث أمين بودفلة على أنه "يستحق فعلا تاج ملك الحوزي والأندلسي في الجزائر"،فهو من حول الكلمات إلى صور موسيقية وغنائية، ولولاه لما عرف الناس بـ"ولفي مريم" القصيدة التي تغنى فيها بمحاسن معشوقته التي طلب أن يكون في حماها، وأن تشفق على حاله كي تخف أمراضه "أنا يا في حماك قلت لها يا ولفي مريم، شفقي من حالي يا الباهية يتخفف سقامه".

المصدر: أصوات مغاربية