بعد رحلة ترميم استمرت لأشهر إثر الزلزال الأخير، عاد مسجد الكتبية، أحد أهم المعالم الدينية والثقافية في مدينة مراكش، ليفتح أبوابه مجددا لاستقبال المصلين خلال رمضان.
وفي الثامن من سبتمبر الماضي، هزّ زلزال قويّ إقليم الحوز (جنوب)، تاركاً وراءه دمارا هائلا، وخسائر مفجعة في الأرواح والممتلكات.
وطالت الخسائر أيضا العديد من المعالم والمباني الأثرية في المدينة الحمراء، من أهمّها مسجد الكتبية التاريخي، فقد تعرّض لأضرار جسيمة تُلخصها صور اهتزاز صومعته وسط فزع المارة والسياح قرب ساحة جامع الفنا القريب.
وفي ما يلي بعض الحقائق عن واحد من أشهر جوامع شمال إفريقيا:
المرابطون أم الموحدون؟
يُعتقد أن المسجد الحالي بني في الواقع في عهد المرابطين عام 1120 ميلادية، وليس عام 1162 ميلادية، كما تؤكد العديد من الروايات.
فقد قام الموحدون بإعادة تشييد مسجد الكتبية على أنقاض مسجد قائم عندما سيطروا على مدينة مراكش، إذ لم الموحدون يريدون أيا من المعالم الدينية التي بناها أسلافهم المرابطون، وذلك بسبب العداوة الشديدة بينهم.
وتحت حكم الخليفة الموحدي، أبو يوسف يعقوب المنصور، أصبح من أكثر المباني المميزة في مراكش، وخضع الجامع لتغييرات عديدة حتى نهاية القرن الثاني عشر.
أصل "الكتبية"
يُعدّ اسم "الكتبية" رمزا بارزا للارتباط التاريخي والثقافي للمسجد مع تجارة الكتب في مراكش، ودليلا على الترابط العميق بين الدين والعلم الشرعي في الحضارة المغربية.
اشتق اسم الجامع من كلمة "كتبيين" التي تشير إلى تجار الكتب، فقد كان مُحاطاً بمساحات البيع والتبادل للكتب والمخطوطات القديمة، مما جعله مركزا هاما للثقافة والمعرفة الإسلامية، وكان يدعى "مسجد بائعي الكتب"، قبل أن يتحول إلى "الكتبية".
مصدر إلهام لمسجد حسان
تبلغ المساحة الإجمالية لمسجد الكتبية 5300 متر مربع، وهي مساحة شاسعة تُجسد ضخامة هذا الصرح التاريخي، مقارنة بمساجد أخرى مشابهة بُنيت في نفس تلك الفترة، مثل مسجد حسان بالعاصمة الرباط.
ويعتقد المؤرخون أن مسجد حسان - وصومعته الشهيرة - بني على نمط مسجد الكتبية بمراكش، الذي أقامه الموحدون على نمط الخيرالدة، أو المسجد الكبير الذي بناه السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور عام 1184 بإشبيلية.
وشيد مسجد حسان في عهد السلطان نفسه وكانت الصومعة ضمن مشروع مسجد انطلقت أشغال بنائه عام 1197 ميلادية، وأراده السلطان أن يكون حينها من أكبر المساجد في عهده غير أنه لم يكتمل إلا بعد وفاته.
مئذنة شامخة عبر الزمن
للمسجد مئذنة واحدة، يبلغ طولها 77 مترا، يمكن مشاهدتها من الزوايا الأربع للمدينة الحمراء، بها ثلاث كرات نحاسية، دون احتساب الرابعة التي تشكل النقطة المحورية، وكل واحدة تمثل أرض الإسلام المقدسة، مكة والمدينة والقدس.
وتاريخياً، كانت هذه المئذنة المميزة بزخارفها بمثابة المنبر لإعلان القرارات المهمة على الناس، خصوصا القرارات السياسية الكبرى، وكانت ساحة المسجد ملتقى للعديد من الأحداث التاريخية.
جامع يطل على "جامع"
يطلّ جامع الكتبية على ساحة جامع الفنا، وهي ساحة تاريخية تُعرف بفلكلورها المميز وتاريخها العريق في قلب المدينة العتيقة لمراكش.
تُعدّ جامع الفنا من أشهر الساحات في العالم، حيث تشكل مركزا ثقافيا نابضا بالحياة، إذ يتمازج فيه صخب الأكشاك والزبائن الزائرين بالموسيقى المختلفة لفناني الشوارع ومروضي الأفاعي وعروض بائعي الأوهام من السحرة ورواة القصص وغيرهم.
تجذب الساحة الزائرين من جميع أنحاء العالم، إذ يُمكن للزائر الاستمتاع بمشاهدة العروض من بعيد وتناول الطعام في أحد المطاعم المتواجدة حول الساحة، أو شراء الهدايا التذكارية من الأكشاك المجاورة.
المصدر: أصوات مغاربية/ وكالات
