بناية دار الحديث لمدينة تلمسان غرب الجزائر

في مثل هذا اليوم، 16 أبريل من سنة 1940 ذكرى رحيل رجل الإصلاح بالجزائر عبد الحميد بن باديس (1889-1940) الذي قاد حركة التعليم ومحاربة الأمية إبان فترة الاستعمار الفرنسي، وتكريما له صارت الجزائر تحيي يوم العلم في تاريخ مولده.

أثر بن باديس على التعليم في الجزائر تجلى أيضا في إنشاء جمعية العلماء المسلمين، التي أسسها بن باديس عام 1931، دار الحديث في تلمسان غرب البلاد عام 1937.

مواجهة المدارس الفرنسية

ويقول أستاذ التاريخ بجامعة تلمسان، بختاوي قاسيمي، إن اختيار تلمسان، عاصمة الزيانيين، لبناء دار الحديث وتكليف البشير الإبراهيمي، وهو أحد مساعدي ابن باديس، بتشييدها "له رمزية خاصة كونها تحمل إرثا حضاريا وثقافيا"، مضيفا أنها ركزت في دورها على "محاربة سياسة التجهيل التي اعتمدها الاستعمار للقضاء على الهُوية الوطنية".

تضم الدار طابقا أرضيا يتكون من مسجد ومكتبة وتحته طابق سفلي خاص بدورة المياه ومكان مخصص للوضوء، وآخر فوق المسجد فيه قاعة للمحاضرات، ومسرح صغير للتمثيل، بينما يتُخذ الطابق الثاني كمكتبة، أما الطابق الثالث فخصص للمدرسة بأقسامها وبقية مرافقها.

وفي هذا الشأن يوضح قاسمي لـ"أصوات مغاربية أن دار الحديث سطرت قبيل افتتاحها برنامجا لتعليم العربية للذكور والإناث، وتفتحت على برامج أخرى لمختلف العلوم الحديثة، وذلك ضمن "خطة إصلاحية تبنتها جمعية العلماء لمواجهة المدارس الفرنسية التي أقصت تعليم العربية من برامجها".

نقل التعليم من المدن إلى الأرياف

مباشرة بعد افتتاح دار الحديث في سبتمبر 1937، أصدرت السلطات الفرنسية قرارا بغلقها. ويذكر الإعلامي فتحي براهمي، المهتم بتاريخ المدينة، أن القرار "استمر لخمس سنوات وإلى غاية نزول الحلفاء في شمال أفريقيا عام 1942، ودخول وفد بقيادة الأميركيين لتلمسان. حينها شرع الفرنسيون في إجراءات تهدئة لصالح المعتقلين ودور التعليم، فأفرجت عن البشير الإبراهيمي من منفاه في الجنوب عام 1943، الذي تولى رئاسة جمعية العلماء خلفا لابن باديس المتوفى".

وفي بهو دار الحديث وضع القائمون عليها قائمة مزخرفة بأسماء أكثر من 40 مقاوما سقطوا برصاص الاستعمار من التلاميذ السابقين الذين درسوا في الدار من بينهم قائد الولاية الخامسة العقيد لطفي، ومليحة حميدو التي أعدمها الفرنسيون في تلمسان سنة 1959. 

كانت دار الحديث تستقبل "عشرات التلاميذ سنويا من الجنسين، كما فتحت فروعا لها في عدد من المناطق المجاورة مثل صبرة ومغنية وسبدو لتعليمالعربية والحساب".

ويضيف براهمي لـ"أصوات مغاربية" موضحا أن جمعية العلماء نقلت التعليم من المناطق الحضرية نحو الأرياف لنشره بين الأهالي، وبذلك فتحت فروعا لها، ولقيت الإقبال الكبير، وكان معظم قادة الثورة الجزائرية من تلاميذ الدار الذين تخرجوا من مدرستها".

وفي مسارها التاريخي شهدت دار الحديث مواعيد ثقافية عدة، إذ يذكر المتحدث أنها "استقبلت في فبراير 1950 الفرقة المسرحية المصرية بقيادة الممثل الكبير يوسف وهبي الذي أوفدته حكومة بلاده في جولة للجزائر، وكان ذلك "دعما مباشرا لدرا الحديث في إثراء الحركة التعليمية والثقافية".

ما زالت دار الحديث تحافظ على جمالية هندستها المعمارية وعلى دورها الثقافي والتعليمي إلى غاية الآن، وتستقبل مكتبتها المئات من الطلبة من مختلف الأطوار والباحثين عن المراجع.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

بعد 62 عاما على الاستقلال لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين الجزائر وفرنسا- أرشيفية
بعد 62 عاما على الاستقلال لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين الجزائر وفرنسا- أرشيفية

في الذكرى الثالثة والستين لبدء مفاوضات إيفيان الأولى (20 ماي 1961) بين الوفد الممثل للحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة الفرنسية، لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين البلدين، وكثيرا ما يشكل مصدر توتر في العلاقات بينهما. 

وتعتبر اتفاقية إيفيان تتويجا لمسار طويل من المفاوضات انتهت بإعلان وقف إطلاق النار يوم 19 مارس 1962، ما مهد لإعلان استقلال الجزائر عن فرنسا يوم 5 يوليو 1962، بعد 132 سنة من الاستعمار.

ويرى مؤرخون أن اتفاقية إيفيان خلت من الإشارة إلى ملف الذاكرة بسبب تركيز قادة الثورة الجزائرية حينها على الاستقلال ما جعلهم، وفق المصادر ذاتها، يؤجلون ملفات أخرى إلى ما بعد تحقيق ذلك الهدف. 

"جبهات"

في هذا الصدد، يقول المؤرخ الجزائري علال بيتور، إن المفاوض الجزائري "كان مركزا على وحدة التراب، عندما خاض معركة طويلة لرفض تجزئة البلاد إلى شمال جزائري وجنوب فرنسي، ثم وحدة الشعب عندما رفض أن يدمج المعمرين الذين سلبوا الأهالي أملاكهم لأكثر من قرن كجزء من النسيج الاجتماعي في الجزائر".

ويضيف بيتور في حديث مع "أصوات مغاربية" أن هدف الوفد المفاوض باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة "كان إعلان وقف إطلاق النار ومغادرة القوات الفرنسية التراب الوطني" في الوقت الذي "عمل الفرنسيون على فتح جبهات متعددة في المفاوضات، عندما طرحوا شروطا إضافية كمواصلة التجارب النووية، والحفاظ على القواعد العسكرية والمنشآت الطاقوية".

وتبعا لذلك، يؤكد المتحدث ذاته "تأخر فتح ملف الذاكرة إلى غاية مرحلة ما بعد الاستقلال"، موضحا أن "مناقشته على أعلى المستويات كانت بسبب الاستفزازات الفرنسية المتتالية التي وصلت حد الطعن في تاريخ وجود أمة جزائرية على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون".

"أولويات"

من جانبه، يقول أستاذ التاريخ بجامعة سعيدة (غرب) عبد الرحمان قدوري، إن "ملف الذاكرة لم يطرح في اتفاقية إيفيان بالحدة التي نعيشها اليوم أثناء مفاوضات الاستقلال"، مضيفا أن هذا الملف "اكتسى أهمية بمرور الوقت نتيجة التغييرات السياسية والاقتصادية في كلا البلدين".

ويوضح قدوري في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "الملفات المستعجلة التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات جعلت الوفد الجزائري يمنح أولويات لها"، معتبرا أن "سباق الوقت لم يكن يسمح بفتح قضايا أخرى غير الاستقلال، وتأجيل ما تبقى إلى مرحلة ما بعد الاستقلال"، مشيرا في السياق إلى "تأميم المحروقات ووقف التجارب النووية، وإخلاء القواعد العسكرية من القوات الفرنسية".

ويرى المتحدث ذاته أن "مسائل كبيرة تم تجاوزها مثل خرائط الألغام التي بقيت مُرحلة لحد الآن"، معتبرا أن "أهمية الملفات وتأثيرها على استقلال الجزائر هي التي فرضت تأجيل ملف الذاكرة".

  • المصدر: أصوات مغاربية