انطلقت الثلاثاء بمدينة سطيف، شرق الجزائر، الطبعة التاسعة للأيام الوطنية للأغنية الشعبية، أحد أهم الطبوع الفنية في هذا البلد المغاربي على مر التاريخ.
وجرت العادة أن تقيم السلطات، بالمناسبة، مجموعة من الفعاليات لاستحضار مسيرة ألمع الفنانين الذين اجتهدوا في ترقية هذا النوع الغنائي، خاصة في مرحلة الاستعمار التي شهدت بزوغ نجوم كُثر أنتجوا العديد من الأعمال الفنية كانت بمثابة الداعم المعنوي لثورة الجزائريين ضد فرنسا.
وتعود أصول الأغنية الشعبية في الجزائر إلى سنوات الأربعينات، بحسب دراسة تاريخية بعنوان "الخصائص الفنية للأغنية الشعبية الجزائرية"، والتي تصف هذا الطابع الغنائي بأنه "مرآة تنعكس عليها عواطف الإنسان الشعبي وطبيعته وتفكيره.
وتأثرت الأغنية الشعبية في الجزائر بالخصائص الثقافية والاجتماعية لكل منطقة، ما جعلها تنقسم إلى فروع فنية مختلفة، مثل الشعبي العاصمي، الصحراوي المنتشر في الجنوب، وكذا الراي بالجهة الغربية، إضافة إلى البدوي.
واختلفت وظائف ورسائل هذا الطابع الفني باختلاف المراحل والأحداث التي شهدتها الجزائر منذ عهد الأربعينات إلى غاية الآن، فبعدما كان جهد الأولين منصبا على مقارعة الاستعمار، انصرف بعض الفنانين الآخرين إلى التمرد على سياسات الأنظمة التي حكمت البلاد بعد الاستقلال، وإلى محاربة الظواهر التي أضرت بالمجتمع مثل المحاباة والظلم وما شابهها.
تعرف على قصة فنانين جزائريين اشتهروا بأغانيهم المعارضة للوضع الذي ساد في الجزائر بعد الاستقلال.
- أحمد صابر.. "أول متمرد"
أحمد صابر من أشهر الفنانين في الجزائر سنوات الستينات. يعتبر أحد أعمدة الأغنية الوهرانية في مراحلها الأولى رفقة الفنانين أحمد وهبي وبلاوي الهواري.
ولد هذا الفنان في مدينة وهران في سنة 1937، واسمه الحقيقي هو بن ناصر بغدادي، كان معروفا بشكل كبير في الأحياء الشعبية مثل الحمري والمدينة الجديدة وسيدي الهواري. زاول في البداية مهنة الكتابة العمومية، لكن سرعان ما اندمج في عالم الفن والغناء منتصف الخمسينات.
بعد الاستقلال أصبح رمزا للأغنية السياسية الملتزمة بعدما قرر الانخراط في مسيرة فنية جديدة تصبو إلى انتقاد مجموعة من الممارسات الجديدة على المجتمع الجزائري.
في مخاض التحولات السياسية التي كانت تشهدها الجزائر في بداية الستينات، ألهب أحمد صابر الساحة الفنية بإنتاجه لأغنية، سنة 1964، تناول فيها ظاهرة المحاباة في التوظيف، على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعرفها البلاد في تلك المرحلة.
تقول كلمات تلك الأغنية، المكتوبة بالدارجة "بوه بوه.. الخدمة ولات وجوه.. بوه بوه ويْح اللّي ما عَندو خوه.. أنا حَبيت نخدم خدمة شريفة في بلادي.. جيت على حقي نتكلم ونجيب الخبزة لأولادي.. ارجعت يا خوتي مذمم.. هذا الشي ما نبغوه".
وقد أثارت الأغنية غضب السلطات المحلية في ولاية وهران، حيث قامت مصالح الأمن باعتقال الفنان أحمد صابر لمدة 4 أيام كاملة خضع فيها للتحقيق، قبل أن يتدخل الرئيس أحمد بن بلة، وقتها، بشكل شخصي وأمر بإطلاق سراحه، بعدما أُبلغ بالكف عن الخوض في مثل هذه المواضيع.
ظل صابر مكتفيا بعدها بالغناء في الأعراس وبعض الفعاليات الفنية إلى أن وافته المنية في شهر يوليو 1969، مخلفا وراءه أزيد من 100 أغنية.
- الشاب عز الدين.. "الانتفاضة المدوية"
غير بعيد عن مدينة وهران، وبالضبط في ولاية الشلف، صدح اسم مطرب جديد أثار ضجة كبيرة في عالم الأغنية الشعبية، إنه الفنان العابد بن عودة، المعروف بالشاب عز الدين الشلفي.
ولد الشاب عز الدين الشلفي في سنة 1975، وكان مولعا بقصائد الفن البدوي، ليتحول بعدها إلى أشهر فنان في طابع "الراي البدوي".
ولم يمنعه انغماسه في الأغاني العاطفية من الالتفات إلى ما كان يعتبره "فسادا مستشريا" في بعض الإدارات المحلية، خاصة في قطاع القضاء، ما دفعه إلى طرح ألبوم "شوف يا بوتفليقة شوف.. شوف الحقرة شوف"، في بداية العهدة الثانية من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي اعتٌبر قنبلة في الوسط الفني آنذاك.
شاب عز الدين ربي يرحمو شوف الحقرة شوف
Posted by Mariem Maryouma on Thursday, June 9, 2022
تناول الفنان عز الدين الشلفي في ألبومه التجاوزات التي كان يشهدها قطاع العدالة في مدينة الشلف، وتحدث عن حالة أحد القضاة الذي اتهمه بـ"التزوير"، كما لمح إلى دور والي المدينة فيما كان يحدث.
جلب الألبوم العديد من المضايقات للفنان عز الدين الذي وجد نفسه متابعا من طرف القضاء بتهم عديدة من بينها "الإساءة إلى السلطات المحلية وإهانة هيئة نظامية"، وقضى عقوبة سجنية بسبب هذه الأغنية. وقد توفي بتاريخ 6 فبراير 2019 إثر إصابته بجلطة دماغية.
- معطوب الوناس.. "الفنان الثائر"
يعتبر هو الآخر من أشهر الفنانين الذين ارتبطوا بمحطات وأحداث تاريخية هامة في الجزائر، خاصة في الفترة التي سبقت التحضير لانتفاضة 8 أكتوبر 1988، مرورا بالأزمة الأمنية في بداية التسعينات إلى غاية تعرضه إلى عملية اغتيال بتاريخ 25 يونيو 1998 على أيدى متطرفين.
ولد الفنان معطوب الوناس في شتاء 1956 بقرية توريرت موسى بأعالي جرجرة، بمنطقة القبائل، شرق الجزائر العاصمة، ومنها شق خطواته الأولى إلى عالم الفن، بعدما فشل في مشواره الدراسي، وفق ما يوثقه كتابه "الثائر"، الذي صدر في 1995.
رحم الله الفنان الكبير معطوب الوناس و اسكنه جنات الخلد عندما تقرأ كتاب المتمرد الذي روى فيه احداث كثيرة من حياته ستحبه و...
Posted by Djalal Haïdar on Wednesday, January 25, 2023
كان من أشد المدافعين عن القضية الأمازيغية في الجزائر وناضل كثيرا من أجل المشروع الديمقراطي، ما جعله يدخل في صراع كبير مع جهات محسوبة على السلطة، وبعض التيارات المتطرفة.
تتضمن ألبوماته الغنائية جملة من الانتقادات للوضع الذي كان سائدا في الجزائر سنوات التسعينات، خاصة ما تعلق بالتضييق على الحريات وغياب الديمقراطية، إضافة إلى ما كان يعتبره تهديدا مباشرا على المجتمع الجزائري من طرف الحركات السياسية، ذات التوجه الإسلامي.
جلبت له مواقفه الفنية خصومات عديدة من أطراف اتهمته بـ"التعدي على قيم المجتمع الجزائري"، فيما دافعت عنه أوساط أخرى واعتبرته "فنانا ملتزما يرمز إلى الحرية والنضال".
تعرض منتصف التسعينات إلى عملية اختطاف من قبل الجماعات المتطرفة، قبل أن يطلق سراحه، لكن أشهرا قليلة بعد ذلك تعرض إلى عملية اغتيال بأعالي بني دوالة بولاية تيزي وزو.
- المصدر: أصوات مغاربية
