يحتفل المغرب في 14 ماي من كل عام باليوم الوطني للمسرح، وذلك بتنظيم عروض مسرحية في مجمل مدن البلاد، إلى جانب ندوات ولقاءات فكرية تسلط الضوء على التجربة المسرحية المغربية.
في هذا السياق، أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن تنظيم احتفاليات في عدد المدن، على غرار مراكش التي تحتضن بدء من اليوم فعاليات مختلفة بمناسبة اختيارها هذا العام عاصمة للثقافة الإسلامية.
ويعد الممثل المسرحي المغربي الراحل، الطيب الصديقي (1937-2016)، واحدا من الرعيل الأول للممثلين والمؤلفين والمخرجين المسرحيين بالمغرب حتى تجاوزت شهرته حدود بلاده.
البدايات
ولد الطيب الصديقي بالصويرة (جنوب) عام 1937، في كنف أسرة متعلمة حيث كان والده، محمد بن سعيد الصديقي، من كبار علماء المدينة المتخصصين في أصول الفقه والخطابة، قبل أن يجبره خلاف مع أحد قضاتها على شد الرحال رفقة أسرته إلى الدار البيضاء.
وصل الطفل الدار البيضاء وعمره تسع سنوات، وتقول المصادر التاريخية إن الصديقي تميز خلال مرحلة دراسته بالنباهة وبحسن السلوك.
وبعد نيله شاهدة الباكالوريا (الثانوية العامة) عام 1954، اطلع الخريج الشاب بالصدفة على إعلان في إحدى الجرائد تحدث عن تدريب مسرحي، ولم تمر سوى أسابيع حتى وجد نفسه عضوا في فرقة المعمورة للمسرح بالرباط.
أمضى الصديقي عامين ينتظر فرصة الحصول على دور رئيسي في إحدى المسرحيات، ولم يتأت له ذلك إلا عام 1956، سنة حصول المغرب على الاستقلال.
كانت المسرحية بعنوان "عمايل جحا"، وما كان ليحصل على هذا الدور لولا مرض أحد الشخوص في آخر لحظة، لكن الصديقي انتهز الفرصة فأمتع وأقنع الجمهور.
صور من مسرحية "عمايل جحا" مقتبسة عن نص موليير - إخراج أندري فوازان و طيب صديقي.. (العرض بمسرح سارا برنار - باريس - 25 ماي 1956) المصدر : المكتبة الوطنية الفرنسية--
Posted by من ذاكرة المسرح المغربي on Saturday, May 23, 2015
وفتح هذا التألق المجال أمام الصديقي للمشاركة في العام نفسه في "مهرجان مسرح الأمم" بالعاصمة الفرنسية باريس، واستمر الممثل الشاب في حصد الإعجاب حتى أنه عاد إلى "عاصمة الأنوار" عاما بعد ذلك للمشاركة في تدريب مسرحي زاوج بين التشخيص والسينوغرافيا.
الاحتراف
رغم ما ناله الصديقي من إشادة من الأساتذة والنقاد الفرنسيين، إلا أنه فضل بعد مدة قصيرة العودة إلى المغرب للتأسيس لتجربة مسرحية أرادها أن تقوم على قواعد مهنية واحترافية.
في هذا الصدد، قال الصديقي في تصريح للصحافة الفرنسية عام 1960، إنه فضل العودة للمغرب على البقاء في باريس، موضحا "المغرب يحتاجني أكثر من فرنسا".
"Souhaitez-vous faire carrière en France ?", Tayeb Saddiki répond... deux foisA la question "Souhaitez-vous faire carrière en France ?", Tayeb Saddiki répond... deux fois
Posted by Fondation Tayeb Saddiki 𝜏 مؤسسة الطيب الصديقي on Saturday, May 8, 2021
أسس الصديقي فرقة "المسرح العمالي" عام 1957، ثم فرقة "المسرح البلدي" عام 1960 وفرقة "مسرح الصديقي" عام 1963، وفرقة "المسرح الجوال" عام 1974.
وخلال تلك التجارب، أبدع الصديقي في تشخيص وتقديم العشرات من العروض المسرحية الشهيرة من أمثال "مقامات بديع الزمان الهمداني" و"ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب" و"الحراز" و"سلطان الطلبة"، ومسرحية "عزيزي"، التي كانت آخر عمل درامي له عام 2005.
وتميز الصديقي بموهبته واحترافيته في "بعث روح مغربية" في أعمال عالمية قام بنفسه بترجمتها إلى الدارجة المغربية، مساهما بذلك في تقريب تلك الأعمال من المتفرج المغربي.
وبلغ مجموع تلك الأعمال المقتبسة أكثر من 30 عملا، وألف العدد نفسه من النصوص المسرحية باللغة العربية والفرنسية، مع الإشارة إلى أن الصديقي شارك أيضا في أعمال درامية وسينمائية من أشهرها دوره في فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقاد.
"الخلطة السحرية"
وتحدث الصديقي عن أسباب نجاح هذه التجربة الفنية الغزيرة والمتميزة، في حوار مع صحيفة لبنانية قائلا "البداية كانت ملتبسة بصعوبة البدايات، لكني فهمت أن المسرح المغربي يحتاج إلى تاريخ حقيقي في التأليف المسرحي وفي الإخراج، لأن في الستينات من القرن الماضي لم يكن في المغرب سوى أربعة أشخاص يكتبون للمسرح، مع ما تحمله هذه الكتابة من مغامرة التأسيس للكتابة الحقيقية للنص المسرحي، لهذا فكرت في أن أحتك بالمؤلفين الكبار، وأقرأ نصوصهم، وأحتك ببلاغة أساليبهم، وأتعرّف على تقنيات وحيل الكتابة الدرامية".
محاكمة بسبب المضيرةمقتطف #مسرحية مقامات بديع الزمان الهمذاني تأليف وإخراج #الطيب_الصديقي #مسرح_الناس# * * * أرشيف #مؤسسة #الطيب #الصديقي
Posted by Fondation Tayeb Saddiki 𝜏 مؤسسة الطيب الصديقي on Wednesday, May 13, 2020
وتابع "بعد مرحلة الاقتباسات أو مغربة النصوص المسرحية الغربية لاستنباتها في تجربتي المسرحية المغربية، حاولت أن أرجع إلى الخزان التراثي المغربي، لأرى ما تتوفر عليه الأشكال الفرجوية المغربية من إمكانيات الحفل والعرض والتمثيل، لهذا حاولت فهمها والبحث في مكوناتها خصوصاً في مكونات الحلقة، والمؤهلات الفنية للراوي، وعذوبة الغناء الشعبي، والرقص الباذج بشعرية الجسد وهو يستنطق لغات الجسد".
وذكر الصديقي في الحوار نفسه أنه منجذب إلى كل الأشياء التي قد تجعل المتفرج منبهرا بالنص المسرحي، موضحا "مفهومي للمسرح آتٍ من جملة يقولها الكل +سنذهب لمشاهدة مسرحية+، إن العين أساس النظر، والنظر في المسرح أهم من السمع.
تجربة مهنية لافتة جعلت من الطيب الصديقي يوصف بالمغرب بـ"أبو المسرح المغربي"، وخلف وفاته في 5 فبراير عام 2016 صدمة وحزنا في الوسط الفني المغربي.
المصدر: أصوات مغاربية
