Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

باشا مراكش، الحاج التهامي المزوري الكلاوي، يغادر قصر الإليزيه، باريس، 24 نوفمبر 1955، بعد زيارة الرئيس رينيه كوتي
باشا مراكش، الحاج التهامي المزوري الكلاوي، يغادر قصر الإليزيه، باريس، 24 نوفمبر 1955، بعد زيارة الرئيس رينيه كوتي

في مثل هذا اليوم (21 ماي) من عام 1953، عاش المشهد السياسي المغربي على وقع انقلاب سياسي سُمي بـ""تحرك الباشوات" ضد السلطان محمد الخامس، فقد قام الحاج التهامي الكلاوي، باشا مراكش وزعيم قبيلة كلاوة بجبال الأطلس الكبير، بتقديم عريضة إلى المقيم العام الفرنسي في المغرب، تحمل توقيعات 287 باشا وقائد، مطالبين فيها بخلع السلطان المتحالف مع الحركة الوطنية المطالبة باستقلال البلاد. 

لم يكن هذا التحرك مجرد خطوة عابرة لتهميش القصر بمباركة فرنسية، بل كانت جزءا من مؤامرة مُدبّرة أدت في النهاية إلى الإطاحة بالسلطان محمد الخامس ونفيه إلى كورسيكا في 20 أغسطس 1953، واستبداله بسلطان مُوالٍ لفرنسا: محمد بن عرفة. 

خلفية تحرك البشاوات 

مع توقيع معاهدة الحماية في فاس عام 1912، وقع المغرب تدريجيا تحت فخ الاستعمار المباشر، إذ سعى الفرنسيون في بادئ الأمر إلى استمالة السلطان الشاب محمد بن يوسف، الذي تقلّد العرش عام 1927 في عمر 18 عاما، مُعتبرين ذلك فرصة لفرض سيطرتهم.

وفي هذه الفترة المعروفة بـ"مرحلة التهدئة"، والتي سعت فرنسا من خلالها إلى إخضاع كافة أرجاء البلاد لسيطرتها، حاول المستعمر استغلال مكانة السلطان الشاب وشرعيته لفرض القبضة على عموم البلاد، لكن مع مرور السنوات، وتحديدا مع مطلع الأربعينيات، بدأ السلطان محمد الخامس يُظهر ميلاً متزايدا للتمرد على القرارات الفرنسية، مُعلنا تحالفه مع الحركة الوطنية المُطالبة باستقلال المغرب.

ووفق التاريخ المغربي الرسمي، فإن السلطان محمد الخامس كان على تواصل وثيق مع الحركة الوطنية، التي توجّت نضالاتها بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، والتي ما زال المغاربة يخلدون ذكراها حتى اليوم.

وفي السنوات اللاحقة، واصل السلطان مساعيه للضغط على المستعمر. ففي 9 مايو 1947، قام بزيارة مدينة طنجة، العاصمة الدبلوماسية للمغرب، مُعلنا عن بدء التباعد الكبير بين الإدارة الاستعمارية والعرش.

شكلت هذه الزيارة نقطة تحول حاسمة في تاريخ المغرب، حيث فتحت الباب أمام أزمة سياسية كبرى، أشعلت نار المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، من جهة، وأجبرت أطرافا سياسية موالية لفرنسا، وعلى رأسهم بعض الباشوات، بقيادة التهامي الكلاوي، على كشف أوراقها والبوح بمواقفها الرافضة لخطوات السلطان والحركة الوطنية.

قصة صعود الكلاوي

ولد التهامي الكلاوي عام 1879 في دار كلاوة بقصبة "تلوات"، المعروفة أيضًا بـ"تلويت"، حيث تلقى تعليمه الديني في كتاب القبيلة، ثم انتقل إلى مدرسة في نواحي مدينة مراكش لحفظ القرآن. 

توفي والده عندما كان في الثامنة من عمره، فتولى شقيقه الأكبر، القائد المخزني، المدني الكلاوي، رعايته، مما ساعده على تعزيز نفوذه وسط القبائل.

استند نفوذ الكلاوي إلى دعائم قوية، شملت زعامته القبلية الراسخة ونفوذ شقيقه السياسي. مكّنه ذلك من نسج علاقات وثيقة مع السلطات الفرنسية، مُستفيدا من هذا التعاون لتعزيز ثروته والارتقاء السريع في سلم الحظوة والنفوذ.

جمع التهامي الكلاوي ثروة ضخمة منها عقارية واسعة، حيث تشير سجلات ما بعد الاستقلال إلى أن إجمالي مساحة الأراضي المسجلة باسمه في إحدى المحافظات بلغ 11400 هكتار، ما جعلها أكبر تجمع عقاري في المغرب آنذاك. وبذلك، تجاوزت ممتلكاته في تلك الفترة ممتلكات السلطان نفسه، وفق تقارير تاريخية.

الميل كل الميل

انتقل الكلاوي من خدمة العرش العلوي والمخزن، إلى أبرز المتمردين عليه، حيث قاد حركة واسعة ضمت 287 باشا وقائد من مختلف مناطق المغرب، مطالبين بعزل السلطان محمد الخامس. 

قام الكلاوي بتسليم عريضة تحتوي على توقيعات هؤلاء الباشوات والقادة إلى المقيم العام الفرنسي، ما أدى إلى اتخاذ قرار بنفي محمد الخامس وعائلته إلى كورسيكا ثم إلى لاحقا إلى مدغشقر.

نصبت فرنسا بدلا عنه سلطانا صوريا، هو محمد بن عرفة المعروف بـ"السلطان الدمية".

محمد بن عرفة إلى جانب المقيم العام الفرنسي الجنرال غيوم

وكان بن عرفة كان أحد أفراد الأسرة العلوية الحاكمة في المغرب، لذلك لم تجد السلطات الفرنسية أفضل منه لوضعه على العرش بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، لكن المغاربة لم يعترفوا به "سلطانا" عليهم.

وقد تعرض بن عرفة لمحاولات اغتيال، أشهرها قفزة المقاوم، علال بن عبد الله، الشهيرة على موكبه الرسمي في محاولة فاشلة لطعنه بسكين، وهو ما كلف الأخير حياته، وأجج أيضا مشاعر المغاربة.

لم تنجح حركة الباشوات في تحقيق أهدافها على المدى الطويل، فمع مرور الوقت، ازدادت شعبية السلطان المنفي بينما تصاعد استمرار الغليان الشعبي والمقاومة ضد فرنسا والنخبة المؤيدة لها، ما جعل فرنسا ترضخ في 16 نوفمبر عام 1955 لعودة محمد الخامس من المنفى.

مصير الكلاوي و"بن عرفة"

خلال تواجد السلطان في باريس، سافر التهامي الكلاوي إلى فرنسا في رحلة يأس، باحثا عن العفو وقدم نفسه خاضعا، باسطا ذراعيه على الأرض أمام محمد الخامس سائلا الصفح، إلا أنّ الصحافة الفرنسية لم تُظهر له أي رحمة حينها، حيث وصفت صور الباشا القوى راضخا على الأرض بأنها إهانة لرجل مراكش القوي.

ترك هذا اللقاء، وما تلاه من معاملة الناس للكلاوي، أثرا عميقا على صحة الباشا، وربما على عقله أيضا، وفق روايات تاريخية. فبعد أن كان حاكما شديد السطوة يهابه الجميع، انزوى الرجل (المريض بالسرطان عندئذ) إلى نفسه وحيدا بعد عودة الملك محمد الخامس إلى العرش حتى توفي في 23 يناير 1956. 

أما بالنسبة للسلطان البديل بن عرفة، فقد لجأ إلى طنجة التي كانت تحت إدارة مشتركة دولية بمقتضى الاتفاق الودي البريطاني الفرنسي منذ أبريل 1904. استقر هناك لكن الأوضاع السياسية سرعان ما تغيرت وصارت طنجة تحت سلطة المغرب، فلجأ إلى فرنسا، حيث ظل مقيما إلى أن وافته المنية 1976. 

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

 الحسن الثاني ومعمر القذافي
الحسن الثاني ومعمر القذافي

على خلاف ما أثارته من جدل لحظة إعلان توقيعها، تمر اليوم (31 أغسطس) الذكرى الـ40 لمعاهدة وجدة التي تمخض عنها "الاتحاد العربي الأفريقي" بين المغرب وليبيا عام 1984، دون صدى لها  لا رسميا ولا افتراضيا في هذين البلدين المغاربيين.

تعد هذه المعاهدة التي وقعت في 13 أغسطس 1984 ودخلت حيز التنفيذ في 31 أغسطس 1984 بعد استفتاء في البلدين من المعاهدات الثنائية التي أثارت الجدل حينها لاعتبارات سياسية وإقليمية.

سياق المعاهدة

فاجأ توقيع المعاهدة "أعداء" وحلفاء الدولتين على حد سواء، إذ لم يكن أحد يتوقع قيام اتحاد بين الدولتين المغاربيتين اللتين لم تكونا تشتركان الرؤى نفسها تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وجدير بالذكر أن قيام هذا الاتحاد بين المغرب وليبيا لم يكن الأول من نوعه في المنطقة المغاربية، إذ سبقه قيام تحالفات ثنائية وثلاثية بين الدول الخمس منذ سبعينيات القرن الماضي.

ففي عام 1974 أعلن عن توقيع بيان "جربة الوحدوي "بين ليبيا وتونس، ثم معاهدة "الإخاء والوفاق" بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983.

لكن الذي ميز معاهدة المغرب وليبيا هو تباعد الرؤى بين الدولتين، حيث كان العقيد الراحل، معمر القذافي، من الداعمين لجبهة البوليساريو، فيما كان الحسن الثاني يعارض سياسات العقيد ويصطف مع معارضيه.

اتحاد بين مملكة وجماهيرية

إلى جانب ذلك، لم يستغرق الإعداد لإعلان قيام الاتحاد سوى شهر، وفق ما أكده الملك الراحل في إحدى حواراته "كنا قد تكلمنا في هذا الموضوع يوم 13 يوليو 1984، وفي 13 أغسطس من نفس العام، كان في مقدورنا توقيع اتفاقية الوحدة في وجدة. ثلاثون يوما فقط بين ظهور فكرة الوحدة وتحقيقها".

أما تفاصيل الإعداد لإعلانها، فيروي محمد أبو القاسم الزوي، السفير الليبي السابق بالرباط، في مقابلة تلفزيونية، أن الملك الحسن الثاني هو الذي طلب منه نقل فكرة قيام الاتحاد للعقيد معمر القذافي.

ويقول الزوي، إن القذافي شكك في أسباب دعوة الملك لقيام وحدة بين ليبيا والمغرب وما إن كانت لأطراف دولية يد في الدعوة لقيامه.

ويضيف "عدت للمغرب وقلت للملك إن القذافي يتساءل كيف يمكن قيام وحدة بين ملكية وجماهيرية، ورد لحسن الثاني بالقول، عفوا لم أقصد الوحدة، بل قصدت اتحاد، فعدت إلى ليبيا وأخبرت القذافي بماء جاء على لسان الحسن الثاني ورحب بالفكرة".

وبرر الحسن الثاني لاحقا أسباب دعوته لقيام اتحاد بين ليبيا والمغرب قائلا: "كان أبنائي يتعرضون آنذاك لقصف مدفعين؛ أحدهما جزائري والثاني ليبي، وكان من أوجب واجباتي إسكاتهما. فبتوقيع هذه المعاهدة، تمكنت من جعل القذافي محايدًا، وحصلت على التزامه لي بعدم الاستمرار في تقديم أدنى مساعدة لأعدائي وللبوليساريو"، وفق ما جاء في كتاب "ذاكرة ملك".

أما معمر القذافي فبرر ترحيبه بفكرة قيام اتحاد بين ليبيا والمغرب وقال في كلمة له أمام شعبه "إننا في مرحلة نريد فيها أن نجمع شمل الأمة العربية، في مرحلة تتحد فيها مملكة مع جماهيرية، لأن درجة التحدي المعادي ودرجة الخطر الداهم وصلت إلى الحد الذي جعل الوحدة ضرورية بين المملكة والجماهيرية، بين ملك وقائد ثورة".

استقرار وتوجس

وبعد دخول معاهدة وجدة حيز التنفيذ خف التوتر الدبلوماسي بين طرابلس والرباط، وعبرت الدولتين عن تأييد مواقف بعضهما في أكثر من مناسبة، لكن المعاهدة لم تحظى في الوقت نفسه بدعم باقي الدول المغاربية.

وتحدث العاهل المغربي الملك محمد السادس في بحثه لنيل الإجازة في الحقوق، سنة 1985، أي عاما بعد توقيع المعاهدة، عن توجس باقي دول المنطقة من معاهدة وجدة.

ويقول محمد السادس في بحثه "لم تحظ معاهدة الاتحاد بين المغرب وليبيا بقبول حسن من لدن الجزائر وتونس، فقد اعتبرها المسؤولون الجزائريون والتونسيون مناورة، وظنوا بجلالة الملك والعقيد القذافي ظنونا لم تكن في الحسبان، ورأى التونسيون أنها جاءت ردا على معاهدة التعاون والإخاء المبرمة حديثا بين الجزائر وتونس وموريتانيا، وذهب الجزائريون إلى ما هو أبعد من ذلك، فاعتبروها محاولة حصار، الغرض منها جعل بلدهم بين فكي الكماشة المغربية الليبية".

وتابع "الاتحاد العربي الإفريقي هو عمل استراتيجي، وطرح سياسي جديد، ليس فقط بالنسبة للمغرب وليبيا، ولكن بالنسبة لجميع الدول العربية والإفريقية، ولكل دول العالم الثالث. فهو يستهدف تنمية المصالح المشتركة، وإزالة القيود والحواجز لزيادة التفاعل بين الدولتين الشقيقتين، وإذابة الاختلافات بينهما".

وتعرض الاتحاد بين الرباط وطرابلس لاختبار في أكثر من مناسبة، وكانت مواقف الدولتين منسجمتين رغم اختلاف نظرتهما للكثير من القضايا العربية والدولية.

من ذلك اعلان المغرب وقوفه مع ليبيا بعد الغارة الأميركية التي تعرضت لها في 15 أبريل عام 1986، كما طلب العقيد الليبي معمر القذافي من الحسن الثاني تولي "الجانب السياسي" من المفاوضات مع واشنطن ومع الأطراف الغربية الأخرى، وفق السفير السابق لليبيا بالرباط محمد أبو القاسم الزوي.

انهيار الاتحاد

ويقول الزاوي في المقابلة نفسها، إن إعلان العاهل المغربي زيارة الولايات المتحدة عام 1986 أقلق القذافي، لافتا إلى أن الأخير طلب منه نقل امتعاضه إلى الملك المغربي ودعوته على إلغاء زيارته.

ويضيف "الحسن الثاني أجل زيارته واعتقد القذافي أنه لملك ألغى الزيارة بعد طلبه، ولكن تبين لاحقا أن الحسن الثاني لم يسافر إلى الولايات المتحدة بسبب زيارة الوزير الأول الإسرائيلي شمعون بريز إلى المغرب (21 يونيو 1986)".

ولم تكن هذه الزيارة هي السبب في إلغاء العمل بالمعاهدة وتجميد "الاتحاد العربي الإفريقي" بين المغرب وليبيا في 29 أغسطس عام 1986، إذ اعتبرها القذافي شأنا داخليا للمغرب، فوق الزاوي.

ويوضح "بعد تلك الزيارة زار الرئيس السوري حافظ الأسد ليبيا وقابل القذافي في سرت بحضور رئيس الوزراء عبد السلام جلود، وبعد انتهاء اللقاء تصرف جلود من تلقاء نفسه وأصدر بيانا مشتركا مع الأسد تضمن عبارات شتم للملك المغربي، وهي عبارات لم يوافق عليها القذافي، بل تصرف أحادي من جلود، ما دفع الحسن الثاني لإلغاء الاتحاد ".

المصدر: أصوات مغاربية