زهرة الفاسية
زهرة الفاسية

"حبيبي ديالي فين هو"، "هاك أماما"، "حبك تلفني على شغالي"، هي نماذج من أشهر الأغاني المغربية التي تجاوزت الحدود وبقيت خالدة إلى اليوم، ولا يعرف الكثيرون أن بعضها أبدعته مغنية يهودية تدعى زهرة الفاسية بدأت مشوارها الفني في عشرينات القرن الماضي. 

في هذا التقرير، نستعرض جانبا من حياة ومسار هذه الفنانة التي تعد وفق عدد من المصادر التاريخية أول فنانة مغربية تسجل أسطوانة غنائية. 

أم مراهقة عاشقة للفن 

ولدت زهرة أو زهور الفاسية بمدينة صفرو قرب مدينة فاس (وسط المغرب)، واختلفت الروايات في تحديد تاريخ ولادتها، إذ يقول البعض إنها ولدت عام 1905 وقالت مصادر أخرى إن ولادتها كانت عام 1912، سنة فرض الحماية الفرنسية على المغرب. 

زاوج والد زهرة، إلياهو بن حمو، بين الجزارة والإشراف على تلاوة الترانيم والتراتيل أثناء الصلاة في كنيس المدينة، ويُعتقد أن الفتاة الصغيرة اكتشفت الموسيقى وتعلقت بها لإصرارها الدائم على مرافقة والدها إلى الصلاة. 

التحقت زهرة كغيرها من فتيات جيلها بمدراس الرابطة الإسرائيلية بالمغرب، وهو تجمع تأسس بالمغرب بداية عام 1865، واشتهرت زهرة بين زميلاتها بعشق الموسيقى والغناء وكانت من بين الأصوات التي يتم اختيارها للغناء في المناسبات وحفلات نهاية الموسم الدراسي. 

لم تتناول المصادر التاريخية مسارها الدراسي بالتفصيل، ويعتقد أن زواجها من رجل من مدينة فاس في "سن مبكرة للغاية"، وفق وصف "أرشيف النساء اليهوديات"، هو الذي حال دون إكمالها دراستها. 

أنجبت زهرة ابنتها الأولى وهي ابنة الـ13 من عمرها، ثم أنجبت طفلين آخرين في سنوات لاحقة، لكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار بالتمسك بالغناء. 

في يوم من الأيام، تشجعت الأم المراهقة وقررت مرافقة فرقة موسيقة لإحياء حفلة بمدينتها صفرو وفي فاس، وبدأت شيئا فشيئا تغني برفقتها أو بمفرها في حفلات الزفاف والمناسبات. 

وفي عمر الـ18، تطلقت زهرة وانتقلت إلى العاصمة الرباط، حيث تزوجت رجلا يعمل في مجال نقل الأسماك فيما بقي أطفالها الثلاثة صحبة طليقها بفاس. 

من الهواية إلى الاحتراف 

وفي الرباط، بدأت زهرة في تسجيل أولى أسطوانتها لتكون بذلك أول فنانة مغربية تقتحم هذا المجال، لكن المصادر التاريخية لم تشر إلى تاريخ إصدار أولى أغانيها، واكتفت بالقول إن ذلك كان في عشرينيات القرن الماضي. 

هذه الصورة وجدتها في أرشيفي الخاص بالفنانين المغاربة وهي صورة نادرة .. يظهر فيها الفنان مويجو المكناسي المغربي اليهودي...

Posted by Assiraj Mohamed Dho on Tuesday, June 2, 2015

وفي بداية الأربعينيات، انتقلت الفاسية إلى الدار البيضاء ولم يكن هذا الانتقال اعتباطيا، إذ كانت المدينة تعرف خلال تلك الفترة حركة ثقافية كبيرة مقارنة بباقي مدن البلاد، وسهلت هذه الدينامية اندماج الفاسية في الوسط الفني حتى باتت من نجوم المدينة، بل وأصبحت في وقت وجيز تلقب بـ"الشيخة" (مغنية وراقصة شعبية). 

اختارت الفنانة لقب "الفاسية" لتعريف بنفسها، وظل هذا اللقب يميزها ما جعل الكثير يعتقدون أنها تنحدر من المدينة التاريخية. 

وأورد موقع "أرشيف النساء اليهوديات" أن الفاسية "أصدرت العشرات من الأسطوانات ذات الـ 78 دورة في الدقيقة مع علامات تجارية عالمية بارزة مثل Pathé وPhilips وPolyphon، إنها من بين الجيل الأول من المطربين الذين اقتحموا مجال التسجيل في شمال إفريقيا، ما جعلها تعتبر أشهر المطربات المغربيات". 

تقول المطربة اليهودية زهرة الفاسية يا مولاتي يا ماما اذا عصيا فنحن لله تائبين لن اتخلى عن الجمال ولو قتلت بحد...

Posted by ‎هشام الأحرش‎ on Saturday, December 7, 2019

موازاة مع ذلك، كانت زهرة الفاسية دائمة الحضور في الحفلات والمناسبات التي كان يقيمها السلطان محمد الخامس، في هذا الصدد، يورد الباحث المتخصص في أغاني الفنانة، كريس سيلفر، أن أغنيتها الشهيرة "حبيبي ديالي فين هو (أين حبيبي) غنتها الفنانة عن السلطان حين نفى الاستعمار الفرنسي السلطان المغربي إلى جزيرة كورسيكا ثم لاحقا إلى مدغشقر عام 1953. 

إلى جانب ذلك، ظهرت زهرة الفاسية في تجارب ثنائية مع جيلها من الفنانين المغاربة والمغاربيين، منهم المغنية التونسية اليهودية، لويزا التونسية، والمغني الجزائري اليهودي سليم الهلالي، كما كان لها حضور في الحفلات الغنائية بإذاعة راديو المغرب. 

الهجرة إلى إسرائيل 

اختارت الفاسية الهجرة إلى إسرائيل إلى جانب نحو 200 ألف يهودي مغربي غادروا المغرب بين عامي 1948 و1967، بعد فترة قصيرة أمضتها بفرنسا. 

استقرت في بداياتها بالقدس بجانب أختها الكبرى سيمحا التي كانت سبقتها إلى هناك مند عام 1917، وكغيرها من اليهود المغاربة والسفارديم (يهود عرب وأفارقة) عانت الفاسية من التهميش وكأنها لم تكن يوما نجمة تجالس الملوك وتغني في حفلاتهم الخاصة والعامة. 

في هذا السياق، أورد مقال نشر بموقع "يهود السفارديم بلوس أنجلس"، أن ذهابها إلى إسرائيل، "كاد أن يضع حدا لمسيرتها المهنية، كانت تعيش مترفة في المغرب الاستعماري والمستقل ثم وجدت نفسها بعد ذهابها إلى إسرائيل عام 1962 فقيرة تعيش في شقة صغيرة تابعة للوكالة اليهودية في عسقلان الساحلية". 

وتابع "في المغرب، كانت تحظى بإعجاب محبيها، من بينهم الملك محمد الخامس، ولكن في إسرائيل سيأفل نجم زهرة الفاسية بشكل مأساوي". 

وبعد سنوات من الركود، عادت الفاسية للظهور أواسط سبعينيات القرن الماضي، بفضل دعم مغاربة إسرائيل، وبدأت شيئا فشيئا تحيي حفلاتهم، ثم ظهرت في أواخر الثمانينيات في حفل أقامه نجل الفنان المغربي اليهودي الشيخ مويجو وبقيت على هذا الحال إلى أن توفيت بإسرائيل في 16 يوليو عام 1995. 

ورغم كل تلك السنوات، ظلت أغاني هذه "الأيقونة" المغربية حاضرة إلى اليوم في حفلات الزفاف وفي المناسبات الرسمية وغير الرسمية التي يقيمها المغاربة باختلاف دينهم، كما ساعدت تجارب فنية حديثة في التعريف بها لدى الجيل الصاعد. 

ومن بين تلك المبادرات، تجربة الفنانة اليهودية المغربية نيطع القايم، التي أطلقت مشروعا فنيا عام 2016 للإعادة إحياء أغاني الفاسية لتستمر خالدة كاسمها. 

كما قامت وزارة الثقافة في وقت سابق، بتسجيل عدد من أغانيها المشهورة في أسطوانة خاصة تقديرات لإسهاماتها في إثراء الأغنية المغربية. 

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

شعار اليونسكو
شعار اليونسكو

تتميز الدول المغاربية بثراء تراثها غير المادي وللحفاظ عليه بادرت من خلال المنظمة الأممية للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، إلى تسجيل الكثير من جوانب ذلك التراث باسمها سواء بصفة جماعية بسبب اشتراكها فيه، أو باسم كل دولة لوحدها.

والثلاثاء تم انتخاب الجزائر بالإجماع لعضوية لجنة التراث الثقافي اللامادي لعهدة من أربع سنوات عن المجموعة العربية (2024 إلى 2028)، أثناء انعقاد الجمعية العامة العاشرة للدول الأطراف في اتفاقية صوْن التراث الثقافي غير المادي التي أقيمت في مقر "اليونسكو" بالعاصمة الفرنسية باريس بحضور ممثلي 178 دولة.

واعتبرت وزارة الثقافة الجزائرية هذا الانتخاب، تعبيرا عن "ثقة المجتمع الدولي بالجزائر، وبجدية سياستها الوطنية في المحافظة على موروثها الثقافي غير المادي الغني وتنميته وتطويره".

ومن بين التراث المغاربي غير المادي المشترك المسجل لدى اليونيسكو "طبق الكسكس"، الذي سُجّل سنة 2020، بناء على طلب رباعي تقدمت به كل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

غير أن لكل دولة تراثا غير مادي خاص بها مسجل باسمها، وهنا سردٌ لبعض ما صنّفته "اليونيسكو" باسم كل دولة بناء على طلبها.

تونس:
في تونس صُنفت "الهريسة" طبق المقبّلات الحارّ تراثا غير مادي سنة 2022، وبعدها بسنة صُنّف أيضا النقش على المعادن (الذهب والفضة والنحاس).

الجزائر:
بالنسبة للجزائر صنف فنّ "الراي" الغنائي سنة 2022 تراثا غير مادي، ولباس العروس بمنطقة تلمسان غربي الجزائر والمعروف بـ"الشّدّة التلمسانية" صُنّف كذلك في 2012.

المغرب:
بالمغرب صنفت "اليونيسكو" في 2014 شجرة الأركان تراثا ثقافيا غير مادي للبشرية، كما صنفت "رقصة أحواش" التقليدية الامازيغية سنة 2017 تراثا غير مادي. 

ويرأس المغرب لجنة التراث غير المادي، بعد انتخابه سنة 2022 لمدة أربع سنوات.

موريتانيا:
في موريتانيا، باتت "المحظرة" تراثا ثقافيا غير المادي للبشرية منذ السنة الماضية، وفي العام 2022 فازت موريتانيا بعضوية اللجنة الحكومية الدولية للتراث غير المادي التابعة لـ"اليونسكو".

ليبيا:
أما ليبيا فلا تملك بعدُ تراثا غير مادي مصنّف لدى "اليونيسكو"، إذ كان انضمامها إلى اتفاقية "اليونيسكو" لصون التراث غير المادي حديثا، حيث وقّعت على هذه الاتفاقية السنة الماضية.

وتقدّم الدّول المغاربية بصفة دورية طلبات لتسجيل تراث غير مادي تزخر به، وهذا للمحافظة عليه من الاندثار، وتتمّ دراسة هذه الطلبات على مستوى اللجنة المختصة بـ"اليونيسكو" قبل الردّ عليه وساء بتصنيفه أو رفضه.

وتعد اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي معاهدة لليونسكو تم اعتمادها من قبل المؤتمر العام للمنظمة الأممية منذ العام 2003 وبدأ تنفيذها في 2006.

وتتمثل أهدافها في السهر على صون التراث الثقافي غير المادي، واحترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات والأفراد المعنيين، والتحسيس على المستويات المحلية والوطنية والدولية بأهمية التراث الثقافي غير المادي وتقديره المتبادل، والتعاون الدولي والمساعدة في هذا المجال.

المصدر: أصوات مغاربية