جانب من المدينة القديمة في بنغازي. المصدر: الصندوق العالمي للآثار والتراث
جانب من قصر المنار والمدينة القديمة وقصر المنار في بنغازي بعد حرب 2014

يقف قصر المنار اليوم وسط مدينة بنغازي في الشرق الليبي اليوم شاهداً على حقب مختلفة مرت بها ليبيا  ابتداء من فترة الاحتلال الإيطالي ومروراً بإعلان استقلال البلاد مطلع الخمسينيات، وانتهاء بالحالة التي هو عليها اليوم ضحية للإهمال والدمار وسط جهود محلية لإنقاذه.

وبني القصر التاريخي على مراحل مختلفة، الأولى كانت في عام 1913 حيث تم إنشاء الجناح الغربي المطل على البحر، بينما تم بناء الجناح الشرقي الذي يطل على الشارع الرئيسي و"ميدان الخالصة" في  وقت لاحق عام 1928، وهو الجزء الذي يضم البوابة الرئيسية للقصر.

قصر غراتسياني 

وكان الغرض من بناء القصر، الذي كان من أوائل المباني التي شيدها الإيطاليون في بداية احتلالهم للمدينة، أن يكون مقراً رسمياً للحكام الإيطاليين آنذاك، بمن فيهم إيتالو بالبو وآخرهم رودولفو غراتسياني الذي أقام فيه خلال زيارته لمدينة بنغازي في عام 1937. 

ومن الأسماء التي اشتهر بها القصر خلال سنوات الاحتلال الأولى اسم "قصر الحاكم" ثم أصبح يعرف بـ "قصر غراتسياني، بعد رجوع رودولفو غراتسياني إلى ليبيا عام 1921 واستمر بالبقاء فيها بصورة متواصلة متقلداً عدة مناصب حتى عام 1934.

وخلال الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها بين قوات الحلفاء والمحور تعرض القصر للقصف كغيره من مباني المدينة التي كانت مسرحاً لعمليات كر وفر قوات الحلفاء وانتهت بانتصارهم.

إعلان الاستقلال وما بعده

ومن أبرز المحطات التاريخية التي شهدها قصر "المنار" هي اللحظة التاريخية التي ألقى فيها ملك ليبيا الراحل محمد إدريس السنوسي خطاب استقلال البلاد وهو يقف على شرفة القصر الشهيرة بتاريخ 24 ديسمبر عام 1951. 

وكان مقدراً لقصر المنار أن يكون أيضاً شاهداً على محطة هامة أخرى في تاريخ ليبيا ما بعد الاستقلال، إذ اختير في عام 1954 ليكون أول مقر للجامعة الليبية بعد أن تنازلت عنه الدولة بمبادرة من رئيس مجلس النواب الليبي آنذاك عبد الحميد العبار.

وفي 30 أغسطس 2008، احتضن القصر مراسم التوقيع على معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين ليبيا وإيطاليا، وظل تابعًا لما كانت تعرف بالجنة الشعبية العامة آنذاك (رئاسة الوزراء) في بنغازي حتى عام 2011.

وعقب الأحداث التي شهدتها بنغازي خلال ثورة 17 فبراير، تعرض القصر للنهب والحرق الذي أتى على أجزاء منه، كما تعرضت أجزاء من الأضرار الناجمة عن الحرب بين الجيش الوطني الليبي والجماعات المسلحة التي عاشتها بنغازي بين عامي 2014 و 2019  

وحالياً يخضع  قصر المنار التاريخي بمدينة بنغازي لأعمال ترميم وصيانة ضمن مشروع لصيانة المدن التاريخية كان ثمرة اتفاقية وقعتها السلطات الليبية من المكتب الإنمائي للأمم المتحدة في 2022 بهدف الحصول على الدعم الفني لتنفيذ بعض المشاريع المشتركة.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الشريف
الشريف بن سعيدي

ما أكثر المؤامرات الداخلية التي سعت لاختراق الثورة الجزائرية وتفجيرها داخليا، غير أنها باءت بالفشل بعدما اكتشفتها قيادة الثورة وأجهضتها، بل وحوّلتها إلى نصر على المحتلّ الفرنسي.

وتعتبر مؤامرة الشريف بن سعيدي، وهو ضابط جزائري كان في الجيش الفرنسي واخترق ثورة التحرير واغتال بعض قادتها، واحدة من تلك المؤامرات.

فمن يكون الشريف بن سعيدي؟ وماذا فعل؟ وكيف اكتشفته الثورة وماذا فعلت له؟

ضابط بالجيش الفرنسي

وُلد الشريف بن سعيدي سنة 1925 بمنطقة شلالة العذاورة بولاية المدية وسط البلاد.

انضم بن سعيدي إلى الجيش الفرنسي سنة 1946 أي قبل انطلاق ثورة التحرير (نوفمبر 1954)، وكان قوي البنية، قاتل في الحرب الهندوصينية الأولى عام 1956 مع الفرنسيين.

في أغسطس 1956 انعقد مؤتمر الصومام بمنطقة بجاية وسط الجزائر، وقررت قيادة الثورة ضخ دماء جديدة بالبحث عن أكفأ العناصر وتسليمها مناصب قيادية.

كان الشاب علي ملاّح واحدا من القيادات الشابة الجديدة، عُيّن على رأس الولاية السادسة وتضم أجزاء من ولايات المدية والمسيلة والجلفة حاليا نزولا إلى الصحراء كلها. 

الانضمام إلى الثوار

شرع ملاّح في البحث عن قادة ومقاتلين لتطوير أداء الثوار، فاغتنم فرصة وجود الشريف بن سعيدي في إجازة بمسقط رأسه فاتصل به وعرض عليه الالتحاق بجيش التحرير الوطني فوافق الأخير فورا.

يصف القائد السابق للولاية الرابعة العقيد لخضر بورقعة، الشريف بن سعيدي في كتابه "شاهد على اغتيال الثورة" قائلا "إنه شخص دون ماض تاريخي، بل هو مجرد مجند في القوات الفرنسية، منذ فجر شبابه تعلم فن القتل ورذيلة الخضوع الأعمى لأوامر المستعمر.." 

كان هذا سنة 1956 وقد بلغ بن الشريف حينها 31 سنة، فتدرّج في المسؤوليات إلى أن بات قائد كتيبة.

في سنة 1957 واجه الثوار قوات فرنسية و"جيش بلونيس" العميل لفرنسا، فسقط أكثر من 80 مقاوما بين أسير وقتيل، وهنا شبّ خلاف بين بن سعيدي وقائده جفال أحمد حول سبب ما حدث، ورغم أن قيادة الثورة احتوت الخلاف فإن الأمر لن يتوقف هنا..

بداية الخيانة

في شتاء 1957 أعلمت قيادة الثورة قائد الولاية السادسة علي ملاح بوجود شحنة أسلحة قادمة من المغرب نحو الولاية السادسة، فجهّز ثلاث كتائب لاستلامها.

كان على رأس إحدى الكتائب الشريف بن سعيدي، فانطلقت الكتائب شهر مارس وقد تمكنت إحداها من الوصول إلى منطقة استلام الشحنة، فيما تعرضت الكتيبة الثانية لكمين بينما لم تتمكن كتيبة بن سعيدي من الوصول.

أرسل بن سعيدي رسالة إلى قائد الولاية السادسة يخبره فيها بصعوبة المهمة بسبب التضاريس والكمائن، لكن العقيد ملاح أمره بمواصلة المهمة مهما كلف الثمن، وتوعده بالإعدام إن عصى أوامره. 

اغتيال الثوار

لم يأبه بن سعيدي بأمر قائده وقفل راجعا إلى الولاية السادسة، وفي الطريق أقنع العديد من أفراد كتيبته بالتمرد وهو ما تمّ فعلا.

في شهر أبريل من سنة 1957 شن بن سعيدي هجوما على رجال الولاية السادسة، فقتل قائدا يدعى أحمد الشافعي في كمين، وواصل خيانته فقتل عبد الرحمان جوادي، سي بلعيد وسي حسن وكلهم قادة.

وفي 31 ماي من السنة ذاتها نصب كمينا لقائد الولاية السادسة العقيد علي ملاح وتمكن من قتله، بعدما راسله وطلب منه التوصل لاتفاق لوضع السلاح والعودة إلى صفوف الثورة ولكنه غدر به.

تقول أستاذة التاريخ بجامعة تلمسان (غرب) سعاد يمينة شبوط في دراسة لها بعنوان "استراتجية جيش التحرير الوطني في مواجهة الحركات المضادة للثورة التحريرية بالولاية الرابعة 1955-1962 (حركة الشريف بن سعيدي أنموذجا)"، إن بن سعيدي "شكل خطرا حقيقيا على الثورة، عندما كان يقوم بتصفياته الغادرة لرفاقه في جيش التحرير".

فرار بن سعيدي

تحركت قيادة الثورة بعد هذه الأحداث للقضاء على الخائن بن سعيدي، فتوجّه قائد الولاية الرابعة سي أمحمد بوقرة لمحاصرة الخونة، ولكنهم تمكنوا من اكتشاف الأمر ولجأوا إلى الجيش الفرنسي فرحّب بهم.

منحت السلطات الاستعمارية بن سعيدي رتبة عقيد ودعمته بالمال والسلاح، وكوّن جيشا من حوالي 850 رجل.

يقول العقيد لخضر بورقعة عن هذه الخيانة "أعلن بن سعيدي عداءه الصريح للثورة وانضم للجيش الفرنسي، الذي أغدق عليه وموّل عشيرته وأتباعه بأسلحة حديثة وأموال طائلة، ومنحوه هو رتبة عقيد في الجيش الفرنسي كما منحوا بلونيس رتبة عميد".

ويضيف "ومنذ ذلك الحين أصبحا يهيمنان بدعم من العدو على منطقة واسعة تربط الشمال بالجنوب تقدر مساحتها بـ1500 كلم مربع، وعلى أرضها دارت معارك طاحنة وسالت دماء غزيرة وسقطت ضحايا عديدة".

تحالف بن سعيدي مع "جيش بلونيس" لتصفية قادة "جيش التحرير الوطني" والوشاية بهم، وكلّفت قيادة الثورة الرائد علي خوجة بتشديد الخناق عليه وتصفيته.

تكبّد جيش بن سعيدي خسائر كبيرة ما جعل الفرنسيين يقطعون عنه الدعم بالمال والسلاح فبدأ يتلاشى، وفي مثل هذا الشهر يونيو 1962، أي قبل الاستقلال بأيام معدودة، فر بن سعيدي إلى فرنسا وواصل العمل في جيشها ضابطا حتى توفّي سنة 1970.

وتذكر الأكاديمية الجزائرية سعاد يمينة شبوط، بأن المصادر الجزائرية والفرنسية اختلفت في تحديد عدد ضحايا بن سعيدي، وتقول في هذا الصدد "تختلف الكتابات الجزائرية والفرنسية كثيرا في تقدير العدد الحقيقي للخسائر التي تكبدتها الولاية السادسة من جراء قضية العميل بن سعيدي، إذ تتراوح ما بين 300 و600 و1000 جندي وضابط وإطار".

المصدر: أصوات مغاربية