صورة التقطت في 8 نوفمبر 2001 في نيودلهي الهندية لرئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الجنرال محمد العماري، وهو يؤدي التحية العسكرية (أرشيف)
شغل الجنرال محمد العماري منصب رئيس أركان الجيش الجزائري خلال فترة التسعينيات

في خضم العنف المتفجر والصراعات السياسية المستعرة، التي عصفت بالجزائر خلال "العشرية السوداء" (1991-2002)، برز اسم الجنرال محمد العماري كأحد أبرز القادة العسكريين الذين لعبوا دورا محوريا في تلك الحقبة المضطربة.

وشغل الجنرال محمد العماري، الذي ولد في 7 يونيو 1939 وتوفي في 13 فبراير 2012، منصب رئيس أركان الجيش الجزائري خلال فترة التسعينيات، تلك الحقبة المُضطربة التي شهدتها البلاد. 

الفريق محمد العماري

وعلى الرغم مما حققه العماري خلال مسيرته العسكرية الطويلة، إلا أن سجله لم يخلُ من بعض الظلال، حيث واجه انتقادات قاسية من قبل المعارضة التي اتهمته بكونه أداة قمعية للسلطة في الجزائر.

البداية.. داخل الجيش الفرنسي

ولد الفريق محمد العماري في 7 يونيو 1939 بالعاصمة الجزائرية لعائلة تنحدر من ولاية بسكرة في جنوب شرق البلاد.

انضم العماري إلى الجيش الفرنسي في بداية مسيرته العسكرية، وحصل على تدريباته في مدرسة الحرب بسومور، متميزا في سلاح الفرسان.

 ومع اندلاع حرب الاستقلال الجزائرية عام 1954، مال العماري نحو الكفاح الوطني لنيل الحرية، فغيّر ولاءه وانضم لجيش التحرير الوطني عام 1961، قبل عام واحد فقط من الاستقلال. 

وبعد نيل الجزائر استقلالها في 5 يوليو 1962، واصل تطوير مهاراته العسكرية، فتدرب كرجل مدفعية في أكاديمية  فرونز العسكرية السوفياتية (Frunze Military Academy)، ثم كضابط أركان عامة في مدرسة الحرب بباريس (Ecole de Guerre).

 في السنوات اللاحقة، شغل مناصب قيادية متعددة، بدءا من قيادة هيئة أركان عامة من عام 1970 إلى عام 1976، ثم العمل في مكتب العمليات لهيئة الأركان العامة حتى عام 1988، عندما تولى قيادة المنطقة العسكرية الخامسة في شرق الجزائر. 

وقد توّج العماري - الذي يحمل رتبة فريق - مسيرته العسكرية بتعيينه قائدا للقوات البرية عام 1989، وهي الوظيفة التي فتحت له باب الترقي لأعلى الوظائف داخل الجيش الجزائري. 

الحرب الأهلية

في 5 أكتوبر 1988 اندلعت انتفاضة شعبية أطلق عليها اسم "الربيع الجزائري"، حيث خرج آلاف المتظاهرين في احتجاجات بدأت من العاصمة وامتدت نحو باقي المناطق للمطالبة بالتعددية السياسية بعد 26 سنة من حكم الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) وأدت نتائجها إلى فسح المجال أمام الديمقراطية لأول مرة منذ الاستقلال.

ووفق أرقام رسمية فإن انتفاضة 5 أكتوبر 1988 التي دفعت بالجيش إلى النزول للشارع، أودت بحياة 159 متظاهرا، خلال المواجهات مع مختلف المصالح الأمنية، بينما ذكر نشطاء وحقوقيون أنها سجلت وفاة أكثر من 500 ضحية.

وفي الأشهر اللاحقة، برزت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" كقوة أولى في الساحة السياسية الجزائرية، إذ حصدت غالبية المقاعد البلدية في أول انتخابات تعددية محلية جرت في 12 يونيو 1990.

بعد فض اعتصامات أنصار جبهة الإنقاذ بالقوة في العاصمة وكبرى المدن، أعلن رئيس البلاد حينها الشاذلي بن جديد تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نهاية يونيو إلى 23 ديسمبر 1991، وعين وزير الطاقة الأسبق، سيد أحمد غزالي، رئيسا للحكومة خلفا لمولود حمروش الذي قاد الإصلاحات في البلاد منذ بدء التعددية السياسية. 

خاضت جبهة الإنقاذ الجولة الأولى، من الانتخابات التشريعية لشهر ديسمبر 1991 بقيادة جديدة، وحصدت غالبية مقاعدها، إلا أن الصراع مع السلطة أدى إلى إلغائها واستقالة الشاذلي في 11 يناير 1992، وفرض حالة الطوارئ وحل الحزب الإسلامي واعتقال العديد من مناضليه.

وفي هذه المرحلة برز العماري كأحد الضباط المحركين للخيار العسكري ضد الجبهة عام 1992، وهو ما أطلق شرارة الحرب الأهلية الجزائرية.

من أشهر الصور التي تؤرخ لفاجعة بن طلحة و"العشرية السوداء" - أرشيف

ومع تصاعد خطر الجماعات المسلحة بعد تعليق المسار الانتخابي، تعزز دور العماري كقائد عسكري، حيث تولى قيادة كتيبة من قوات النخبة وتعدادها 15 ألف جندي، مُوكلا إليه مهمة القضاء على هذه الجماعات قبل أن تزداد قوتها.

ومع تولي اليمين زروال منصب وزير الدفاع في يوليو 1993، تم تعيين محمد العماري رئيسا للأركان، وهو المنصب الذي ظل يشغله لأكثر من عقدٍ من الزمن، حاملا مسؤولية قيادة الجيش الجزائري خلال فترة طويلة من الحرب الأهلية.

الانتقادات.. ثم الرحيل

تعرض العماري لانتقادات شديدة من قبل المعارضة والحقوقيين، حيث اتُهم بأنه من أشد القادة بالجيش دعما لسياسة "القبضة الحديدية" ضدّ الجماعات المسلحة.

كما نالت الجنرال - رفقة جنرال آخر هو خالد نزار - اتهامات خطيرة بالتورط في انتهاكات حقوقية جسيمة. 

في المقابل، حظي أيضا بتقدير كبير من قبل أصوات حداثية، حيث رأى فيه البعض الرجل الذي ساهم في إنقاذ "الجمهورية" ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى أو التطرف الديني على غرار ثورة الخميني في إيران.

وفي أعقاب تولي بوتفليقة الرئاسة في أبريل 1999، برزت خلافات عميقة بينه وبين الرئيس الجديد. وقد نجمت هذه الخلافات عن اختلاف وجهات النظر حول كيفية معالجة الصراع الأهلي، إذ فضل بوتفليقة الحوار والمصالحة، بينما عارض العماري هذه السياسة.

بوتفليقة الرئيس الجزائري السابق (أرشيف)

لم تقتصر الخلافات بين العماري وبوتفليقة على الدسيسة السياسية في الظل، بل شملت أيضا اتهامات بالفساد المالي في العلن، ففي أعقاب تقارير عن ثراء مسؤولين في الجيش، عقد العماري ندوة صحفية للدفاع عن ذمته المالية. 

وفي عام 2004، استقال الجنرال من منصبه كرئيس للأركان، واعتزل الحياة السياسية والعسكرية حتى وفاته إثر سكتة قلبية في 13 فبراير 2012، ودفن في مقبرة بن عكنون بالعاصمة الجزائرية.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الفنان التشكيلي محمد إسياخم
الفنان التشكيلي الجزائري الراحل محمد إسياخم

تمثل حياة الفنان التشكيلي الجزائري الراحل محمد إسياخم (1928-1985)، قصة تحدّ ونجاح كبيرة لرجل كان من مؤسسي الفن التشكيلي الحديث في بلاده، وبات مصمّم أوراق عملتها وطوابعها البريدية.

فمن يكون هذا الرجل، الذي عاش بذراع واحدة؟

مأساة إسياخم

وُلد محمد إسياخم في منطقة القبائل، وتحديدا في قرية جنّاد بمدينة أزفون بولاية تيزي وزو شرقي الجزائر.

في سن الرابعة انتقل إلى ولاية غليزان غربي الجزائر ليعيش مع والده، وهناك سيتعرض لحادث مأساوي جدا سنة 1943، حيث انفجرت فيه قنبلة يدوية من قنابل الاستعمار الفرنسي، تسببت في بتر ذراعه الأيسر وأدّت إلى مقتل شقيقتيه وابن أخته.

بصعوبة واصل دراسته وعندما بلع سن العشرين (سنة 1948)، اتجه إلى التكوين في الفن التشكيلي، فتتلمذ على يد مؤسس الفن التشكيلي بالجزائر محمد راسم.

حصل إسیاخم على منحة دراسیة لمدة سنة في باريس، وهناك تزوج من سيدة فرنسية تدعى جورجیت كريستان بلكا، وأنجب منها بنتا سنة 1951، ثم سيتزوج مرة ثانية سنة 1969 من سيدة جزائرية تدعى نادية مريم شيلوت وينجب منها ولدين هما؛ محمد (1972) وعلي يونس (١٩٧٤) على التوالي. 

في فرنسا تعرّف إسياخم على روائيين جزائريين كبار مثل؛ كاتب ياسين ومالك حداد، ومن يومها سيطلق كاتب ياسين على إسياخم اسم "عين الوشق" للدلالة على دقة بصره وبراعته الفنيّة.

في سنة 1956 سينخرط في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، سيوثق برسوماته فضائع الاستعمار في بلاده.

مصمّم العملة.. والرحيل

سنة 1963 أي بعد سنة واحدة من الاستقلال عاد إلى الجزائر واستقر فيها، ثم أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر بين سنوات 1968 و1971، وعضوا مؤسّسا للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية، كما اقتحم الساحة الإعلامية ونشرت رسوماته في جرائد جزائرية عديدة، وألّف كتابه "35 سنة في جهنم رسام"، تعرّض فيه لتجربته الفنية والإنسانية.

في سنة 1980 نال إسياخم في إيطاليا جائزة "سيمبا الذهبية"، التي تمنحها منظمة اليونيسكو والمخصصة للفن الإفريقي، وتوج بـ"ميدالية الفاتيكان" عن لوحته للكاردينال دوفال سنة 1982، و"ميدالية غرغوري ديمتروف" سنة 1983 في صوفيا ببلغاريا عن لوحته "ديمتروف في محاكمة لايبزيغ".

كما توج بالميدالية الذهبية بالمعرض الدولي بالجزائر لأحسن جناح، وشهادة الاستحقاق الوطني وجائزة لأحسن ديكور عن فيلم "وقائع سنين الجمر" للمخرج الجزائري محمد لخضر حامينة، الفائز بالسعفة الذهبية في "مهرجان كان" السينمائي الدولي سنة 1975.

صمّم إسياخم أوراقا نقدية جزائرية بداية من سنة 1970 حتى سنة 1983 من فئات مختلفة 20 دينارا و200 دينار و50 دينارا ومائة دينار، مثلما يشير إلى ذلك موقعه الإلكتروني، كما صمم طوابعا بريدية عديدة، لتخلّد كلّها اسم فنان تحدّى الإعاقة ورحل عن 57 عاما بعد صراع مع المرض.

المصدر: أصوات مغاربية