الفنان التشكيلي محمد إسياخم
الفنان التشكيلي الجزائري الراحل محمد إسياخم

تمثل حياة الفنان التشكيلي الجزائري الراحل محمد إسياخم (1928-1985)، قصة تحدّ ونجاح كبيرة لرجل كان من مؤسسي الفن التشكيلي الحديث في بلاده، وبات مصمّم أوراق عملتها وطوابعها البريدية.

فمن يكون هذا الرجل، الذي عاش بذراع واحدة؟

مأساة إسياخم

وُلد محمد إسياخم في منطقة القبائل، وتحديدا في قرية جنّاد بمدينة أزفون بولاية تيزي وزو شرقي الجزائر.

في سن الرابعة انتقل إلى ولاية غليزان غربي الجزائر ليعيش مع والده، وهناك سيتعرض لحادث مأساوي جدا سنة 1943، حيث انفجرت فيه قنبلة يدوية من قنابل الاستعمار الفرنسي، تسببت في بتر ذراعه الأيسر وأدّت إلى مقتل شقيقتيه وابن أخته.

بصعوبة واصل دراسته وعندما بلع سن العشرين (سنة 1948)، اتجه إلى التكوين في الفن التشكيلي، فتتلمذ على يد مؤسس الفن التشكيلي بالجزائر محمد راسم.

حصل إسیاخم على منحة دراسیة لمدة سنة في باريس، وهناك تزوج من سيدة فرنسية تدعى جورجیت كريستان بلكا، وأنجب منها بنتا سنة 1951، ثم سيتزوج مرة ثانية سنة 1969 من سيدة جزائرية تدعى نادية مريم شيلوت وينجب منها ولدين هما؛ محمد (1972) وعلي يونس (١٩٧٤) على التوالي. 

في فرنسا تعرّف إسياخم على روائيين جزائريين كبار مثل؛ كاتب ياسين ومالك حداد، ومن يومها سيطلق كاتب ياسين على إسياخم اسم "عين الوشق" للدلالة على دقة بصره وبراعته الفنيّة.

في سنة 1956 سينخرط في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، سيوثق برسوماته فضائع الاستعمار في بلاده.

مصمّم العملة.. والرحيل

سنة 1963 أي بعد سنة واحدة من الاستقلال عاد إلى الجزائر واستقر فيها، ثم أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر بين سنوات 1968 و1971، وعضوا مؤسّسا للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية، كما اقتحم الساحة الإعلامية ونشرت رسوماته في جرائد جزائرية عديدة، وألّف كتابه "35 سنة في جهنم رسام"، تعرّض فيه لتجربته الفنية والإنسانية.

في سنة 1980 نال إسياخم في إيطاليا جائزة "سيمبا الذهبية"، التي تمنحها منظمة اليونيسكو والمخصصة للفن الإفريقي، وتوج بـ"ميدالية الفاتيكان" عن لوحته للكاردينال دوفال سنة 1982، و"ميدالية غرغوري ديمتروف" سنة 1983 في صوفيا ببلغاريا عن لوحته "ديمتروف في محاكمة لايبزيغ".

كما توج بالميدالية الذهبية بالمعرض الدولي بالجزائر لأحسن جناح، وشهادة الاستحقاق الوطني وجائزة لأحسن ديكور عن فيلم "وقائع سنين الجمر" للمخرج الجزائري محمد لخضر حامينة، الفائز بالسعفة الذهبية في "مهرجان كان" السينمائي الدولي سنة 1975.

صمّم إسياخم أوراقا نقدية جزائرية بداية من سنة 1970 حتى سنة 1983 من فئات مختلفة 20 دينارا و200 دينار و50 دينارا ومائة دينار، مثلما يشير إلى ذلك موقعه الإلكتروني، كما صمم طوابعا بريدية عديدة، لتخلّد كلّها اسم فنان تحدّى الإعاقة ورحل عن 57 عاما بعد صراع مع المرض.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

فيتشر

مبروكة العلاقية.. أيقونة المقاومة الليبية التي حاربت الإيطاليين "مُتنكّرة"

13 يوليو 2024

في بدايات الثورة الليبية على الاحتلال الإيطالي (1911-1942)، ظهرت امرأة ثائرة تنحدر من قبيلة العلالقة تدعى مبروكة العلاقية، اختارت أن تحمل السلاح وتقاوم الغزاة.

فما قصة هذه المرأة، التي يعتبرها الليبيون أيقونة لهم؟

لم تكن الثورة على الاحتلال الإيطالي لليبيا حكرا على الرجال فقط، بل لقد شاركت فيها نساء ليبيا لكنّ عددهن قليل جدا.

مبروكة بلباس الرجال

أشهر هؤلاء الثائرات القليلات مبروكة العلاقية، التي اختارت أن ترتدي لباس الرجال وتلتحق بصفوف الثوار، وذلك حتى لا يعرف أحد بأنّها امرأة، لكن هذا الأمر أثار استنكار المجتمع، الرافض للخروج عن العرف القبلي، حيث لم يكونوا يرضوا بأن تلبس امراة لباس الرجال.

لكن مبروكة،  وهي أكبر إخوتها، لم تبالِ بأحد، وقاومت إلى جانب الثوار، وشاركت في معارك عديدة.

ولدت مبروكة ﺑﻨﺖ ﺳﺎﻟﻢ ﺑﻦ ﻳﻮﻧﺲ في قبيلة العلالقة بمنطقة صبراتة غربي ليبيا في أواخر القرن التاسع عشر عندما كانت البلاد خاضعة للحكم العثمامي.

قُتل والدها في صراع قبلي وهي صغيرة، وعندما كبرت انتقمت من قاتل والدها، وفق روايات تتداولها وسائل إعلام ليبية.

الالتحاق بالثورة.. والاختفاء

ﺍﻟﺘﺤﻘﺖ في بدايات الثورة الليبية على الإيطاليين (1912) ﺑﻘﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﺼﻴﻌﺎﻥ ﺑﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺳﻮﻑ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﺩﻱ، ﻭأبانت عن شجاعة كبيرة في القتال وركوب الخيل واستعمال السلاح.

من المعارك التي خاضتها مبروكة؛ "معركة جادُو" ضد يوسف خربيش، الخائن الذي سلّحته السلطات الاستعمارية الليبية ضد الثوار الليبيين للقضاء عليهم، ومعركة "طويلة السّوق"، وبعد هذه المعركة، التي جرت سنة 1917، ستختفي إلى الأبد.

ففي سنة 1917 زارت مبروكة عائلتها، وفق ما تذكره شقيقتها ﺧﺪﻳﺠﺔ ﺍﻟﻌﻼﻗﻴﺔ، ثم لم تظهر بعدها، واختلفت الروايات بين قائل إنها هاجرت إلى تونس وهناك انقطعت أخبارها وقائل إنه لا أحد يعلم مصيرها.

نُخب ليبيا يخلّدون مبروكة

خلّد مثقفون ليبيون مبروكة العلاقية في كتبهم وأشعارهم، حتى تبقى أيقونة للأجيال ورمزا من رموز البلاد، فكتبت فيها ﺍﻟﺸﺎﻋﺮﺓ ﺑﺪﺭﻳﺔ ﺍﻷﺷﻬﺐ ﻗﺼﻴﺪﺓ بالشعر الشعبي جاء فيها:

لا تقول حضرية وغيّرت عاداتها 
فيا البدواة أصل ومفاعيل 
أنا بنت هذه الأرض من طياتها 
أنا مبروكة العلاقية في صولاتها 
فوق من اللي انشال الثقيل يشيل 
أنا الفخر منقوش في ركاباتها 
وين همزت طارت تقول هميل 
أنا مبروكة أخت عيسى قدام قاضي إيطاليا

قال عنها مفتي ليبيا والمؤرّخ والثائر الشيخ الطاهز الزاوي "ﻫﻲ ﻣﺒﺮﻭﻛﺔ ﺍﻟﻌﻼﻗﻴﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﻼﻟﻘﺔ، ﺣﻠﻘﺖ ﺷﻌﺮﻫﺎ ﻭﻟﺤﻘﺖ ﺑﺎﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ".  

أما الأديب والروائي منصور بوشناف، فكتب عنها في مقال بعنوان "خميسة مبروكة الفضية"، قائلا بأنها "كانت تمتطي جوادا أسود وتنادي على رفاقها بالهجوم، كانت بملابس الرجال وتقود مجموعتها رغم إصابة يدها اليسرى بجرح كبير، إنها جان دارك ليبيا". هكذا تصفها بعض الصحف الأوروبية. 

المصدر: أصوات مغاربية