Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جنود سنغاليون في العاصمة دكار إثر اندلاع أعمال عنف ضد التجار الموريتانيين في العاصمة دكار في أبريل 1989 (أرشيف)
جنود سنغاليون في العاصمة دكار إثر اندلاع أعمال عنف ضد التجار الموريتانيين في العاصمة دكار في أبريل 1989 (أرشيف)

مرت أمس الخميس الذكرى الـ33 لانتهاء الحرب الموريتانية-السنغالية الحدودية، والتي اندلعت عام 1989 على خلفية نزاعات حول نهر السنغال وحقوق الرعي على الحدود بين الجارين الأفريقيين.

وخلّف هذا الصراع، الذي دام عامين، ندوبا اجتماعية واقتصادية عميقة، حيث أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ونزوح آلاف اللاجئين، بالإضافة إلى إشعال فتيل التشنجات الإثنية في موريتانيا. 

وفي الواقع، لم تكن النزاعات حول حقوق الرعي سوى الشرارة التي أججت الصراع، إذ كان التوتر العرقي المتراكم، والخلافات السياسية والتنافس على الموارد الطبيعية بمثابة الأسباب الجذرية الكامنة وراء اندلاع الحرب.

على ضفاف نهر السنغال

كان حوض نهر السنغال، الذي يفصل بين موريتانيا والسنغال، موطنا لمجموعات عرقية متنوعة، بما في ذلك الفولا والتكرور والولوف والبمبارا والسونينكي، لقرون عدة.

وفي موريتانيا، ينقسم السكان إلى ثلاث فئات عرقية رئيسية: البيضان (عرب وأمازيغ) والحراطين، والأفارقة. 

وتربع البيضان على قمة الهرم الاجتماعي، حيث احتكروا الحكم السياسي والجاه بعد الاستقلال. أما الحراطين، فهم من أبناء العبيد السابقين الذين تم تحريرهم رسميا عام 1980. 

ويتواجد الأفارقة - الذين احتفظوا بلغاتهم وثقافاتهم الأصلية - في المناطق الجنوبية على طول ضفاف نهر السنغال. وقد ناضلوا بقوة مع مطلع الاستقلال  ضد ما سموه "سياسة تعريب" موريتانيا، ما أدى إلى توترات عرقية.

الإصلاح الزراعي 

في عام 1983، انخرطت موريتانيا في إصلاحات زراعية طموحة بهدف تحديث القطاع الفلاحي، إلا أنها أدت إلى عواقب وخيمة، حيث قوضت الفلاحة التقليدية وأثرت سلبا على العديد من المزارعين، خاصة من الموريتانيين السود الذين يقطنون في الجنوب.

ووفقا لمعارضين حينها، فإن هذه الإصلاحات كانت مبررا لتدخل الحكومة لمصادرة الأراضي من الأقليات الأفريقية في الجنوب ومنحها للبيضان أو "عرب الشمال"، وهو ما أدى إلى منازعات حول ملكية الأراضي وحقوق الرعي على طول الحدود مع السنغال.

وجاءت الإصلاحات الزراعية الموريتانية بينما فاقم الجفاف المتكرر خلال الثمانينيات من القرن الماضي مشكلة التصحر في السنغال، ما أدى إلى زيادة الضغط على الأراضي الصالحة للزراعة.

وكانت غالبية الزراعة في هذه الجغرافيا تعتمد على مياه الأمطار، مع ريّ مساحات محدودة فقط من خلال مياه النهر، وهو ما كان يشكل مصدر قلق كبير، خاصة بالنسبة للسكان الذين يعتمدون على الفلاحة والرعي وصيد الأسماك كمصدر رزق رئيسي.

وفي عام 1972، تأسست منظمة تنمية نهر السنغال (OMVS) بهدف تعزيز التعاون المشترك في إدارة حوض النهر، حيث شيدت سدودا ومشاريع ريّ أخرى، مثل سد دياما (Diama Dam)، بهدف الحفاظ على موارد المياه في الحوض.

أدت هذه المشاريع إلى اختلال التوازن بين الرعاة والمزارعين على المناطق الحدودية، ما أدى إلى زيادة التنافس على الموارد وازدياد التوترات بين البلدين، حيث اتهم الرئيس الموريتاني آنذاك، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، نظيره السنغالي، عبده ضيوف، بمنع موريتانيا من إنشاء موانئ نهرية خلال عملية البناء، ما أعاق قدرة موريتانيا على استغلال الفوسفات الموجود بهذه المنطقة. 

شرارة الحرب

وفي الثامن من أبريل 1989، اندلعت مواجهات في دياوارا، وهي بلدة صغيرة في مقاطعة باكيل شرق السنغال، على الحدود مع موريتانيا، بسبب حقوق الرعي، وكان هذا الحادث بمثابة شرارة الصراع المسلح.

بدأت الحرب عندما هاجم رعاة فولانيين موريتانيون مزارعين سونينكيين من السينغال كانوا يرعون ماشيتهم في المنطقة. ادّعى الرعاة الموريتانيون أن المزارعين السنغاليين تجاوزوا الحدود إلى الأراضي الموريتانية، بينما ادّعى المزارعون السنغاليون أنهم كانوا يرعون ماشيتهم في الأراضي المتفق عليها بموجب اتفاقيات سابقة بين البلدين.

تدخل حرس الحدود الموريتانيون لوقف الصراع، لكن سرعان ما تحول الوضع إلى فوضى عارمة عندما أطلق جنود النار على مجموعة من المزارعين السنغاليين، ما أسفر عن مقتل اثنين على الأقل وإصابة العديد بجروح خطيرة.

أثار هذا الحادث غضبا شديدا في السنغال، حيث اتهمت الحكومة هناك نواكشوط باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين العزل، في حين زعمت الحكومة الموريتانية من جهتها أن حرس الحدود كانوا يتصرفون ضمن نطاق الدفاع عن النفس وحماية حدود البلاد.

وبين 21 و24 أبريل 1989، هاجمت حشود سنغالية غاضبة المتاجر المملوكة لموريتانيين في العاصمة داكار، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 50 موريتانيا. وبين 25 و27 أبريل، ردت موريتانيا عندما قام جنودها بملاحقة وقتل المئات من السينغاليين في حادثة مروعة عرفت باسم "الثلاثاء الأسود"، وفقا لورقة بحثية للكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية، رون بيكر.

وفي 24 أكتوبر 1989، وقع أول اشتباك عسكري مباشر بين جيشي البلدين منذ بداية الصراع. وفي تلك المرحلة، قدمت العراق، تحت حكم صدام حسين حينها، دعما عسكريا سخياً لموريتانيا، ما مكنها من تكثيف عملياتها الهجومية.

توقيع اتفاق سلام 

تميزت هذه المرحلة بعمليات ترحيل واسعة النطاق، حيث طردت موريتانيا مواطنين سنغاليين، بينما طردت السنغال مواطنين موريتانيين.

واتّهمت جهات عديدة السلطات الموريتانية بترحيل العديد من مواطنيها السود من المناطق الجنوبية، ما أدى إلى حمل جبهة تحرير موريتانيا الأفريقية (FLAM) - وهي منظمة مسلحة من الموريتانيين السود المنفيين - السلاح إلى جانب السنغال في الحرب.

تسببت عمليات الترحيل هذه في فقدان الممتلكات وقطع للعلاقات الأسرية، كما أدت إلى تفاقم التوترات العرقية، وساهمت في شعور الأقليات الأفريقية بالتهميش والاضطهاد.

وسعت العديد من الجهات الدولية إلى التوسط بين البلدين لإنهاء الصراع. وفي يوليو 1991، نجح الرئيسان السنغالي، عبدو ضيوف، والموريتاني، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وبعد ذلك، في 18 يوليو، تمّ توقيع معاهدة سلام رسمية بين البلدين، منهية بذلك الحرب الحدودية بين موريتانيا والسنغال، وفي 2 مايو 1992، تمّ إعادة فتح الحدود أمام المدنيين.

  • المصدر: أصوات مغاربية/ لوموند الفرنسية/ أوراق بحثية

مواضيع ذات صلة

صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس
صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس

في مثل هذا اليوم من العام 1956، صدرت مجلة الأحوال الشخصية التي يُنظر إليها كـ"ثورة تشريعية" حققت نقلة نوعية في حياة النساء بتونس.

لكن تمرير هذه المجلة بما تضمنته من قضايا تتعلق بحياة الأسرة والمرأة لم يكن أمرا يسيرا، إذ ووجهت بحالة من الرفض خصوصا في الأوساط المحافظة، وفق ما يؤكده باحثون في التاريخ.

مضامين مجلة الأحوال الشخصية

صدرت مجلة الأحوال الشخصية بمقتضى أمر مؤرخ في 13 أغسطس 1956 ونُشر بالرائد الرسمي في السابع عشر من الشهر ذاته، لتدخل حيز التنفيذ بداية من فاتح يناير عام 1957.

وكثيرة هي القضايا التي تطرقت إليها هذه المجلة من أبرزها قضية الحضانة والنسب والطلاق وقضية الزواج التي تم فيها منع تعدد الزوجات.

وجاء في الفصل 18 من هذه المجلة أن "تعدّد الزوجات ممنوع" وأن "كلّ من تزوّج وهو في حالة الزوجية وقبل فكّ عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدّة عام وبخطية قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين".

كما تم في المجلة منع إكراه النساء على الزواج من قبل الأولياء إلى جانب تحديد سن أدنى للزواج للذكور والإناث ومنع الزواج العرفي وإقرار المساواة الكاملة للزوجين في الطلاق.

ويعتبر القاضي التونسي محمد عفيف الجعدي في مقال له بموقع "المفكرة القانونية" أن "دخول مجلة الأحوال الشخصية حيز التنفيذ أنهى عهدا كانت فيه الأسرة جزءاً من مجال تحكم رجال الدين. إذ كان نظام الأسرة قبل دخولها حيز التنفيذ يخضع للانتماء الديني للأزواج في إطار فسيفساء تجيز للأقلية اليهودية أن تلتجئ لمجالس الأحبار أي محاكمها الطائفية في قضايا العائلة، فيما يعقد اختصاص النظر في قضايا الأغلبية المسلمة للمحاكم الشرعية. وبفضل ما أقرته أضحت أمور الأسرة مسألة مدنية بامتياز".

ويضيف أن "المجلة كانت في منطلقها فعل سلطة تصدى لموروث اجتماعي وأنماط تعامل أسري التقى فيه حكم المقدس بالعادات والتقاليد. واستدعى فرض التزام الأفراد بها الحرص على تأصيل أحكامها ببيان عدم تعارض منعها لتعدد الزوجات ومنع التطليق الشفوي مع أحكام الشريعة الإسلامية".

ومع مرور الزمن، حاول المشرع التونسي تطوير المجلة بما يتناسب مع المتغيرات المجتمعية على غرار التنقيح الصادر في 12 يوليو 1993 الذي شمل الخطبة والمهر والولاية والزواج والطلاق، والنفقة، والحضانة، والشراكة المالية وحقوق الأم في الولاية على أبنائها، وعوّض مفهوم الطاعة بمبدأ التعاون والاحترام المتبادل بين الزوجين"، وفق ما أوردته وزارة العدل على موقعها الرسمي.

كيف تقبل التونسيون المجلة؟

إجابة على هذا السؤال، يقول أستاذ التاريخ المتقاعد من الجامعة التونسية الحبيب القزدغلي إنه "كان من الصعب على حكومة تونس التي مر على استقلالها بضعة أشهر فقط أن تتجرأ على اتخاذ مثل هذا القرار في محيط عربي وإسلامي".

ولتمرير هذه المجلة، يضيف الباحث في التاريخ أن "الحكومة ارتكزت على عدة نقاط قوة من بينها أن المجلة جاءت ضمن حركة إصلاحية شاملة تزعمها علماء جامع الزيتونة، إضافة إلى الارتكاز على إشعاع الحبيب بورقيبة كزعيم للحركة الوطنية حرر البلاد من الاستعمار".

ويرى القزدغلي أن "السلطات اتخذت عدة قرارات لجعل المجلة مقبولة اجتماعيا من ذلك اعتماد تفسيرات وقراءات مستنيرة للإرث الديني من قبل مجموعات في الزيتونة".

ويوضح في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "منع تعدد الزوجات على سبيل المثال استند إلى قراءة جديدة للنص الديني فضلا عن الاستناد إلى معطى واقعي على اعتبار أن التعدد لم يكن منتشرا على نطاق واسع في المجتمع".

وبحسب المتحدث فإن "إقرار المجلة كان تسلطيا لكنه جاء في سياق عام تحملت فيه القيادة عدة  قرارات تحديثية من ذلك نشر التعليم والصحة، ما ساهم في خفض منسوب الرفض المجتمعي".

وبفضل هذا القانون وما تبعه من قرارات تدعم مكانة النساء، بات يُنظر إلى تونس كـ"رائدة في تمكين المرأة"، يؤكد القزدغلي مضيفا أن "13 أغسطس صمد كعيد وطني يعتبر من عناوين تونس رغم محاولة بعض الأطراف مراجعة مضامين مجلة الأحوال الشخصية".

  • المصدر: أصوات مغاربية