Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

 بيير منديس فرانس في 1954 رفقة قيادات سياسية تونسية في باريس (أرشيف)
بيير منديس فرانس في 1954 رفقة قيادات سياسية تونسية في باريس (أرشيف)

داخل أسوار قصر قرطاج، الشاهد على تاريخ تونس العريق، شهدت البلاد في 31 يوليو 1954 لحظة فارقة عندما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي حينها، بيير منديس فرانس، عن استعداد بلاده لمنح تونس استقلالها.

ويشكل هذا التاريخ نقطة تحول في مسار تونس المعاصر، حيث أنهى عهدا طويلا من الاستعمار دام قرابة 75 عاما، وفتح آفاقا جديدة لبناء دولة تونس الحديثة.

وكان هذا الإعلان تتويجاً لتضحيات كثيرة قدمها المئات من النشطاء والسياسيين والنقابيين في معركة الاستقلال الطويلة والشاقة، والتي دامت لعقود.

الاحتلال الفرنسي لتونس

في عام 1881، فرضت فرنسا حمايتها على تونس إثر توقيع الباي محمد الصادق (1813-1882) على معاهدة باردو، والتي منحت فرنسا سيطرة واسعة على شؤون البلاد.

وبينما حافظت تونس على بعض رموز السيادة الوطنية، مثل الباي والحكومة، إلا أن القرارات الحاسمة كانت تُتخذ في باريس، والاقتصاد التونسي كان خاضعا بشكل تام لسيطرة المستعمر.

وفي حين استفادت فرنسا من ثروات تونس الطبيعية، مثل الفوسفات، وتوسعت ممتلكات المستوطنين الأوروبيين على حساب الأراضي الزراعية، عانى التونسيون من تدهور أوضاعهم المعيشية. وعلى الرغم من بعض التطورات في البنية التحتية التي شهدتها البلاد، إلا أن الاستعمار الفرنسي أسس لنظام اقتصادي غير عادل، استفاد منه المستعمر بشكل أساسي.

ومع حلول تسعينيات القرن التاسع عشر، برزت نخبة تونسية مثقفة - عُرفت بـ"حركة الشباب التونسي" - دعت إلى تحديث تونس على غرار الدول الأوروبية وزيادة مشاركة التونسيين في الحكم. ورغم الحذر الذي اتبعوه خلال فترة الحماية، استخدموا الصحافة، وعلى رأسها جريدة  "لو تونزيان" (Le Tunisien)، وسيلة لنشر أفكارهم والتأثير على الرأي العام، محاولين بذلك تحقيق توازن دقيق بين المطالبة بالإصلاح والتزام الهدوء السياسي بعيدا عن الاصطدام مع الاستعمار.

وفي بداية القرن العشرين، نشأت حركة وطنية سعت إلى تحديث البلاد وإصلاح النظام السياسي، وهو ما واجه مقاومة شديدة من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية التي لجأت إلى القمع والترهيب لمنعها من تحقيق أهدافها.

وبعد الحرب العالمية الأولى، تمكنت الحركة الوطنية من تنظيم نفسها بشكل أفضل من خلال تأسيس الحزب الحر الدستوري الذي قدم برنامجا إصلاحيا طموحا يهدف إلى إقامة نظام حكم دستوري يضمن المساواة بين التونسيين والأوروبيين، إلا أن هذه الأفكار قوبلت بالرفض من قبل فرنسا التي فضلت الحفاظ على الوضع القائم.

توجه نحو الصدام

وأمام هذا التعنت، شهد مطلع الثلاثينات انعطافة حاسمة في مسار الحركة الوطنية بانشقاق المحامي البارز، الحبيب بورقيبة، ورفاقه عام 1934 عن الحزب الحر الدستوري  وتأسيس "الحزب الحر الدستوري الجديد".

نجح الحزب في حشد الجماهير التونسية خلفه، ليصبح القوة السياسية الأبرز في البلاد، إلا أن هذا النجاح استفز السلطات الاستعمارية التي اعتقلت بورقيبة وحلّت الحزب عام 1938.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في 1939، تعرض زعماء الدستور الجديد للترحيل إلى فرنسا بشكل تعسفي. وفي مارس 1943، سُمح للزعماء بالعودة إلى تونس حيث استمرت الحركة الوطنية في نضالها، مدعومة بالتحولات التي شهدتها أوروبا والمنطقة العربية بعد الحرب.

وفي عام 1951 سمح الفرنسيون لحكومة ذات ميولات وطنية بتولي السلطة ـ وكان الأمين العام للحزب الدستوري الجديد، صلاح بن يوسف، عضواً فيها ـ وسُمِح لبورقيبة أيضا بالعودة إلى تونس.

لم يدم الاستقرار النسبي الذي عاشته تونس بعد تشكيل الحكومة الجديدة طويلًا، فما إن أبدت هذه الحكومة رغبتها في إقامة برلمان يعبر عن إرادة الشعب التونسي، حتى عادت فرنسا إلى سياسة القمع، فنُفي بورقيبة مجددا وسجن الكثير من الوزراء.

وأدت هذه التصرفات الاستفزازية إلى تحول النضال السلمي إلى مقاومة مسلحة، حيث لجأت العناصر الوطنية إلى الجبال لتنظيم عمليات عسكرية ضد المستعمر.

رياح الحرية

وفي محاولة لامتصاص الغضب التونسي المتصاعد، وعد رئيس الوزراء الفرنسي بيير منديس فرانس، في 31 يوليو 1954، بمنح تونس حكماً ذاتياً كاملاً، وهي أولى رياح الحرية.

وفي الفاتح من شهر يونيو 1955، عاد بورقيبة "مظفرا" إلى ميناء حلق الوادي بالعاصمة تونس على متن باخرة، قبل توقيع معاهدة تعترف بـ"الاستقلال الداخلي" لتونس.

وأدى هذا "الاستقلال الداخلي"، في هذه الفترة، إلى انقسام حاد في الحزب الدستوري بين مؤيد ومعارض لاتفاقيات الاستقلال، وتصدر صالح بن يوسف المعارضة بينما قاد بورقيبة التيار المؤيد.

وفي 15 من نوفمبر 1955، خرج أمين عام الحزب الحر الدستوري الجديد في تونس، صالح بن يوسف، لإعلان رفضه حضور مؤتمر الحزب في مدينة صفاقس، مُكيلاً اتهامات قوية للزعيم الوطني بورقيبة.

ووصلت الخلافات بين الرجلين إلى اتهامات بـ"التخوين" و"العمالة"، وهو الصراع الذي خرج منه بورقيبة منتصرا، بينما لجأ بن يوسف إلى المنفى بأوروبا حيث تعرض للاغتيال في وقت لاحق.

وفي مارس 1956، حصلت تونس على استقلالها التام ليبدأ الحزب تجربة الحكم بعد أن فاز في قائمة ائتلافية في انتخابات المجلس التأسيسي قبل أن يتم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية التي كان الحبيب بورقيبة أول رئيس لها واستمر في منصبه حتى العام 1987 عندما سقط بانقلاب قاده زين العابدين بن علي.

 

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس
صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس

في مثل هذا اليوم من العام 1956، صدرت مجلة الأحوال الشخصية التي يُنظر إليها كـ"ثورة تشريعية" حققت نقلة نوعية في حياة النساء بتونس.

لكن تمرير هذه المجلة بما تضمنته من قضايا تتعلق بحياة الأسرة والمرأة لم يكن أمرا يسيرا، إذ ووجهت بحالة من الرفض خصوصا في الأوساط المحافظة، وفق ما يؤكده باحثون في التاريخ.

مضامين مجلة الأحوال الشخصية

صدرت مجلة الأحوال الشخصية بمقتضى أمر مؤرخ في 13 أغسطس 1956 ونُشر بالرائد الرسمي في السابع عشر من الشهر ذاته، لتدخل حيز التنفيذ بداية من فاتح يناير عام 1957.

وكثيرة هي القضايا التي تطرقت إليها هذه المجلة من أبرزها قضية الحضانة والنسب والطلاق وقضية الزواج التي تم فيها منع تعدد الزوجات.

وجاء في الفصل 18 من هذه المجلة أن "تعدّد الزوجات ممنوع" وأن "كلّ من تزوّج وهو في حالة الزوجية وقبل فكّ عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدّة عام وبخطية قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين".

كما تم في المجلة منع إكراه النساء على الزواج من قبل الأولياء إلى جانب تحديد سن أدنى للزواج للذكور والإناث ومنع الزواج العرفي وإقرار المساواة الكاملة للزوجين في الطلاق.

ويعتبر القاضي التونسي محمد عفيف الجعدي في مقال له بموقع "المفكرة القانونية" أن "دخول مجلة الأحوال الشخصية حيز التنفيذ أنهى عهدا كانت فيه الأسرة جزءاً من مجال تحكم رجال الدين. إذ كان نظام الأسرة قبل دخولها حيز التنفيذ يخضع للانتماء الديني للأزواج في إطار فسيفساء تجيز للأقلية اليهودية أن تلتجئ لمجالس الأحبار أي محاكمها الطائفية في قضايا العائلة، فيما يعقد اختصاص النظر في قضايا الأغلبية المسلمة للمحاكم الشرعية. وبفضل ما أقرته أضحت أمور الأسرة مسألة مدنية بامتياز".

ويضيف أن "المجلة كانت في منطلقها فعل سلطة تصدى لموروث اجتماعي وأنماط تعامل أسري التقى فيه حكم المقدس بالعادات والتقاليد. واستدعى فرض التزام الأفراد بها الحرص على تأصيل أحكامها ببيان عدم تعارض منعها لتعدد الزوجات ومنع التطليق الشفوي مع أحكام الشريعة الإسلامية".

ومع مرور الزمن، حاول المشرع التونسي تطوير المجلة بما يتناسب مع المتغيرات المجتمعية على غرار التنقيح الصادر في 12 يوليو 1993 الذي شمل الخطبة والمهر والولاية والزواج والطلاق، والنفقة، والحضانة، والشراكة المالية وحقوق الأم في الولاية على أبنائها، وعوّض مفهوم الطاعة بمبدأ التعاون والاحترام المتبادل بين الزوجين"، وفق ما أوردته وزارة العدل على موقعها الرسمي.

كيف تقبل التونسيون المجلة؟

إجابة على هذا السؤال، يقول أستاذ التاريخ المتقاعد من الجامعة التونسية الحبيب القزدغلي إنه "كان من الصعب على حكومة تونس التي مر على استقلالها بضعة أشهر فقط أن تتجرأ على اتخاذ مثل هذا القرار في محيط عربي وإسلامي".

ولتمرير هذه المجلة، يضيف الباحث في التاريخ أن "الحكومة ارتكزت على عدة نقاط قوة من بينها أن المجلة جاءت ضمن حركة إصلاحية شاملة تزعمها علماء جامع الزيتونة، إضافة إلى الارتكاز على إشعاع الحبيب بورقيبة كزعيم للحركة الوطنية حرر البلاد من الاستعمار".

ويرى القزدغلي أن "السلطات اتخذت عدة قرارات لجعل المجلة مقبولة اجتماعيا من ذلك اعتماد تفسيرات وقراءات مستنيرة للإرث الديني من قبل مجموعات في الزيتونة".

ويوضح في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "منع تعدد الزوجات على سبيل المثال استند إلى قراءة جديدة للنص الديني فضلا عن الاستناد إلى معطى واقعي على اعتبار أن التعدد لم يكن منتشرا على نطاق واسع في المجتمع".

وبحسب المتحدث فإن "إقرار المجلة كان تسلطيا لكنه جاء في سياق عام تحملت فيه القيادة عدة  قرارات تحديثية من ذلك نشر التعليم والصحة، ما ساهم في خفض منسوب الرفض المجتمعي".

وبفضل هذا القانون وما تبعه من قرارات تدعم مكانة النساء، بات يُنظر إلى تونس كـ"رائدة في تمكين المرأة"، يؤكد القزدغلي مضيفا أن "13 أغسطس صمد كعيد وطني يعتبر من عناوين تونس رغم محاولة بعض الأطراف مراجعة مضامين مجلة الأحوال الشخصية".

  • المصدر: أصوات مغاربية