فرنسا وتركيا.. حرب صامتة على الاقتصاد والسياسة والنفوذ في المنطقة المغاربية
لا يبدأ بالدراما والفن ولا ينتهي بالتدخل العسكري؛ تلك حقيقة الوجود التركي الراهن في المنطقة المغاربية. تأثير بدأ في التنامي الناعم منذ عقود قليلة، قبل أن يظهر سافرا بقوات عسكرية.
ويبدو أن شهية أنقرة في حيازة نفوذ لها في المنطقة ليست محدودة، لكن هذه الرغبة لا تصمد أمام قوى دولية، أوروبية خصوصا، لها وجود أسبق ونفوذ أعمق ومصالح لا تحصى. ما يجعل التنافس الاقتصادي وحتى السياسي على المنطقة مفتوح على جبهات كثيرة .
وبرز التدخل التركي في المنطقة المغاربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد موجة الربيع العربي، ورغبة أنقرة في لعب دور إقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
هذه الرغبة التركية اصطدمت بشكل مباشر بمصالح دول أوروبية، خصوصا فرنسا، التي تعتبر شمال إفريقيا بمثابة حديقة خلفية لها، حيث طفت على السطح خلافات كبيرة، كان أبرز تجلياتها في مياه الصراع الليبي المحتدم.
تنافس غير متوازن
يقول المحلل السياسي التونسي، باسل ترجمان، إن "الحديث عن تنافس بين هذه القوى أمر غير متناسق، لأن تركيا لا تتمتع بالإمكانيات العسكرية والاقتصادية لتكون قادرة على منافسة دول كبرى لافتكاك مناطق نفوذها"، مضيفا أن "تركيا من خلال تواجدها في ليبيا، تسعى في أن يكون لها موطئ قدم، بعد الخسائر التي تكبدتها جراء انغماسها في الربيع العربي".
وتساءل ترجمان، في حديث لـ"أصوات مغاربية"، عن المكاسب التي حققتها تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة إذا خرجت من ليبيا، موردا أنها "لم تحصد سوى الخسائر وكراهية الشعوب، إذ أنها تسعى لجعل ليبيا تعويضا لحجم الخسائر التي تكبدتها في سوريا والعراق ودول الخليج".
ولا يعتقد المحلل السياسي التونسي أن تركيا قادرة على منافسة الدول العظمى في المنطقة، معللا ذلك بكونها لا تتوفر على صناعات استراتيجية، وأنها لا تعدو أن تكون "صناعات متوسطة"، ما يجعلها تبحث عن موطئ قدم لتثبيت قدميها في المنطقة المغاربية.
ويشير ترجمان إلى أن تركيا لا تملك صناعات متطورة ستكون الدول المغاربية مجبرة على شرائها، كطائرات إيماكس وبوينغ، وغيرها من الصناعات المتطورة.
هل تزعج تركيا فرنسا تجاريا؟
وبالرغم من التفوق الأوروبي على الصعيد الصناعي مقارنة مع تركيا، إلا أن هذه الأخيرة، تمكنت خلال السنوات الأخيرة من ترجيح كفة ميزان المبادلات التجارية مع الدول المغاربية لصالحها.
وكمثال على ذلك، فإن أرقام مكتب الصرف المغربي، تشير إلى أن عجز الميزان التجاري لصالح تركيا تضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث وصل إلى 16 مليار درهم، في حين لم يكن يتجاوز عام 2013 عتبة 8 ملايير درهم.
يؤكد الخبير الاقتصادي المغربي رشيد أوراز، أن الدول المغاربية كانت تستورد منتجات غذائية وكهرومنزلية وكذا منتجات النسيج، من الدول الأوروبية في السابق، لكن تركيا أضحت منافسا قويا لهذه الدول، ما أضر بالشركات الفرنسية.
ويورد أوراز في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن المنتجات التركية لم تعد بديلة للمنتجات الأوروبية فقط، وإنما بشكل أساسي للمنتجات الصينية، بالنظر إلى أن هذه الأخيرة في الغالب تكون بأسعار رخيصة ولكن بجودة متدنية.
ويقول المتحدث ذاته، إنه من الطبيعي أن يزعج تحول تركيا إلى منافس في المنطقة بعض البلدان التي تصدر منتجاتها للمنطقة، خصوصا فرنسا.
وفي الوقت الذي يشير فيه أوراز إلى أن تركيا واكبت التطورات التي شهدتها المنطقة، ما جعلها تصطدم ببقايا بعض الأنظمة، والقوى الأوروبية التي ترى ان مصالحها تضررت بسبب النفوذ التركي في المنطقة، لكنه يؤكد أنها بالرغم من قوتها المؤثرة، لكنها لا تصل لمستوى القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
مجرد مشاكسة؟
ويرى الخبير الاقتصادي المغربي أن الصراع الفرنسي يتجاوز ما هو سياسي واقتصادي، ويمتد لما هو استراتيجي وحتى ثقافي، حيث اصطدم البلدان في ملفات عدة، كالملف الليبي والسوري، مشيرا إلى أن هذا الصراع سيستمر، لأن المنطقة تعيش مخاضا عسيرا لم تحدد هويته بعد، ولم تحل مشاكل المنطقة المغاربية.
ويعتبر أوراز أن تركيا مؤهلة لخوض بعض الصراعات، لكنها ليست بقوة الدول الأوروبية والغربية بشكل عام، موردا أنها ستظل دائما مشاكسة لهذه الدول، بغض النظر عن هوية الحزب الماسك بمفاتيح القصر الرئاسي في أنقرة، بالنظر إلى أن هذه المسألة لا ترتبط بمصالح حزبية.
وتشير تقارير أن التواجد التركي العسكري في ليبيا، مؤشر على طموحاتها في الذهاب بعيدا لتثبيت قدميها في المنطقة المغاربية والقارة الإفريقية بشكل عام.
وفي هذا السياق، ذكرت دراسة نشرت في مركز التفكير الألماني "كونراد أديناور"، أنه في حال نمت القوة الاقتصادية لتركيا وتوسعت استثماراتها، فستحتاج إلى وسائل سياسية وحتى عسكرية لحماية مصالحها ومصالح شركائها، حيث يعد التدخل العسكري التركي في ليبيا دليلا على إمكانية استخدام القوة الصارمة للدفاع عن مصالحها الحيوية في المنطقة.
المصدر: أصوات مغاربية
