محللة شؤون ليبيا بمجموعة الأزمات الدولية: حفتر لن يتقاعد قريبا ومصر ستحدد مصيره
في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، أكدت محللة شؤون ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، أن ليبيا تعيش زخما قد يقود إلى منح الثقة للحكومة الجديدة، مشيرة إلى وجود "مساومات بين الأطراف المختلفة لوضع أشخاص محسوبين عنهم" في مراكز القرار.
وأوضحت أيضا أن مصر ستلعب دورا مهما في تحديد مستقبل المشير خليفة حفتر، داخل أو خارج الحكومة الجديدة، مستبعدة أن يتقاعد الأخير سياسيا في الوضع الراهن بسبب "طموحاته" و"مخاوفه" من ملفات قضائية مرفوعة ضده في الولايات المتحدة وأمام المحكمة الجنائية الدولية.
ولفتت كلوديا غازيني أيضا إلى أنها متفائلة حيال مستقبل العملية السياسية الليبية بسبب شبه الإجماع الذي تتمتع به السلطة الجديدة، والاستنزاف الذي حصل لجميع الفصائل المسلحة على الأرض، وتراجع الإمارات عن تمويل المجهود الحربي لحفتر، بالإضافة إلى دور الإدارة الأميركية الجديدة في تشجيع الدبلوماسية عوض الاحتراب.
نص الحوار:
- أفرز ملتقى الحوار السياسي عن سلطة تنفيذية جديدة لقيادة ليبيا في مرحلة جديدة، هل أنت متفائلة بخصوص نجاح مهمة رئيس الوزراء المؤقت، عبد الحميد الدبيبة؟
أعتقد أن اتفاق وقف إطلاق النار وبداية العملية السياسية ثم انتخاب الدبيبة كلها تطورات مهمة، إذا قمنا بمقارنة هذه الخطوات مع ما كنا عليه في العام الماضي.
الآن، علينا أن نتطلع إلى ما سيقوم به مجلس النواب الليبي. ومن أجل أن تتقدم العملية السياسية أكثر يجب أن يجتمع طرفا مجلس النواب (طبرق وطرابلس) في إحدى المدن الليبية من أجل منح الثقة لحكومة الدبيبة.
إذن، أقول إن الأمور تبدو جيدة، لكن يجب انتظار ما سيسفر عنه اجتماع مجلس النواب الليبي. إذا منح الثقة للحكومة، فإن مهمة حكومة الوفاق (غرب) والحكومة الموازية (شرق) ستنتهي بشكل رسمي وتبدأ مرحلة جديدة في ليبيا. لكن بالطبع ستكون هناك بعض العوائق التي ستواجه الدبيبة قبل أن يصل في نهاية المطاف إلى تأمين الدعم اللازم لحكومته.
- كان هذا سؤالي الآخر، هل تعتقدين أن الميليشيات ستقبل بانتقال سلس للسلطة إذا تعرضت مصالحها للتهديد، خاصة وأن البعض يرى السلطة الجديدة فاقدة لجناح عسكري قادر على التصدي لأي تمرد أو انقلاب مستقبلي؟
معك حق، فالقادة الذين يقودون السلطة التنفيذية لا يتمتعون بثقل ورصيد سياسي مهم في الساحة الليبية، كما أنهم يفتقرون إلى روابط مع الفصائل المسلحة على الأرض. وطبعا اختيارهم لقيادة ليبيا في المرحلة المقبلة خلق مفاجأة للكثير من المتابعين.
القادة الذين يقودون السلطة التنفيذية لا يتمتعون بثقل ورصيد سياسي مهم
لكن ما فاجأ البعض أيضا هو أن القادة الجدد يتمتعون بإجماع على الصعيد الوطني. خذ مثال المشير خليفة حفتر، الذي أكد دعمه للسلطة الجديدة. فرغم أن ليس لديه حلفاء في الحكومة الجديدة، إلا أن حفتر رحب بتعيين القادة الجدد في ملتقى الحوار. وقد استقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد، محمد يونس المنفي، وهو شخص قريب إلى حد ما من حكومة الوفاق، وأصرّ على الترحيب به في مدينة بنغازي. وهذا مؤشر إيجابي.
وبالإضافة إلى المنفي، فإن الدبيبة شخصية ذات نفوذ مالي، إذ ترأس الشركة الليبية للتنمية والاستثمار المملوكة للدولة خلال حقبة القذافي، ودعم بالمال تشكيلة من الفصائل المسلحة في مصراتة عندما اندلعت الثورة في 2011. إذن، من خلال شبكة العلاقات هذه استطاع أن يحصل على رصيد معتبر أيضا في غرب ليبيا.
- هل هذا يعني حصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان مسألة وقت؟
في الحقيقة ما أقوله هو أن لديهم بعض الحظوظ في نيل ثقة البرلمان. فالوضع لا يبعث على التشاؤم، لأن المعطى المهم هو البيئة الجيوسياسية الحالية التي قد تساعد على انتقال ليبيا إلى مرحلة جديدة. والفصائل المسلحة تدرك ذلك. على سبيل المثال، القوة التي تمتع بها المشير خليفة حفتر قبل عامين انتهت. لم يعد الرجل يحظى بمساندة كبيرة من جانب مصر والإمارات، والفصائل المسلحة التابعة له تعاني من ضائقة مالية، ما يجعل تمويل المجهود الحربي مسألة صعبة بالنسبة له. إذن هناك حسابات جديدة بين الميليشيات المتصارعة.
- هل تعتقدين أن حفتر سيترك الساحة بسهولة لقادة جدد، خاصة إذا رفضوا منحه قيادة الجيش؟ هل هذا يعني التقاعد السياسي بالنسبة لحفتر؟
من خلال حديثي مع أشخاص في محيط حفتر، تكون لدي انطباع بأنه لا يريد مغادرة الساحة السياسية حاليا، بل لديه طموح في الحفاظ على منصبه على رأس قيادة الجيش.
بلا شك، لا أعتقد أنه سيقبل أن يتم طرده من منصبه عندما تتولى الحكومة الجديدة شؤون ليبيا، في حالة حصلت على ثقة البرلمان. لهذا فترحيبُه بالسلطة الجديدة مشروط بأن يتولى زمام الأمور داخل الجيش، ما يطرح سؤالا مهما سننتظر أن تجيب عليه الأيام المقبلة: هل سيتم الإبقاء على حفتر؟
وفق خارطة طريق الأمم المتحدة، فإن الحكومة الجديدة لديها السلطة للقيام بالتعيينات على رأس قيادة الجيش. هل سيتم الاستناد إلى هذا البند وتعيين وجوه عسكرية جديدة لتعزيز الثقة بين الفرقاء المختلفين؟ هذا سؤال مطروح، لكن لا أعتقد أن حفتر سيقبل بطرده بسهولة.
- ماذا لو رفضت أطراف قوية مثل حفتر قرارات الحكومة الجديدة؟
السلطة الجديدة تتمتع بشرعية دولية، لكن ما تحتاجه اليوم هو ثقة البرلمان. عندما تحصل على هذه الثقة فإنها ستجعل مهمة كل من يحاول الرجوع بالبلد إلى الفوضى مسألة صعبة. لا يجب أن ننسى أن حفتر حصل على السلطة التي يتمتع بها اليوم من برلمان طبرق، فهو الذي عينه على رأس الجيش.
إذن، إذا تم منح الثقة الحكومة الجديدة، فإن حفتر سيحتاج إلى شرعية جديدة للبقاء على رأس الجيش. لن يستطيع البقاء في منصبه بلا تعيين من الحكومة الجديدة. لكن لا أتوقع أن ينتفض ضد الحكومة الجديدة، إذا تم الاستغناء عنه، وهذا مجرد افتراض كبير.
هناك أيضا معطيات أخرى قد تجعل حفتر رافضا لتقاعد سياسي مبكر، وهي القضايا المرفوعة ضده في ولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة، وتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، لكن هناك أيضا دعم مصر له. إذا رغبت مصر في بقائه في الساحة، فإنها بلا شك ستضغط في هذا الاتجاه، أما إذا وجدت شخصية أخرى بديلة، فإن أيام حفتر ربما أضحت معدودة على رأس الجيش.
الجميع يترقب أسماء الوزراء في حكومة الدبيبة. وهناك مخاوف من رفض منح الثقة للحكومة إذا لم تستجب لتطلعات كل الأطراف. برأيك، ما الذي يمكن أن يؤدي إلى فشل الحكومة في الحصول على الثقة؟
هناك مشكلة سياسية وأخرى قانونية. على الصعيد السياسي، أعضاء البرلمان الليبي دخلوا في مساومات ومفاوضات مع القادة الجدد من أجل تأمين قطعة من الكعكة الحكومية لأشخاص محسوبين عنهم. ولهذا السبب تم اشتراط نظام "التزكية" مقابل تولي مناصب وزارية. وهذا يعني أن كل شخص مرشح لتولي حقيبة وزارية مجبر على الحصول على تزكية ثلاثة من نواب البرلمان في المنطقة التي ينتمي إليها.
إذا استطاع الدبيبة أن يرضي عددا كبيرا من نواب البرلمان، فإن حظوظه في تشكيل الحكومة ستكون مهمة.
في الدول الديمقراطية، الأحزاب السياسية هي التي تقدم أسماء الأشخاص المرشحين لتولي المناصب الوزارية، لكن في ليبيا لا توجد أحزاب سياسية قائمة. وبالتالي فالسلطة ستصبح مجزأة حسب المناطق الجغرافية وليس حسب التكتلات السياسية.
على الصعيد القانوني، فإن جلسة منح الثقة للبرلمان لن تتطلب حضور عدد هائل من النواب. أعتقد أن البرلمان يتكون من 180 أو 185 نائبا، وعدم الاتفاق على عدد النواب حاليا راجع إلى استقالة كثير من النواب ووفاة آخرين خلال الأعوام الماضية. أما النصاب القانوني اللازم لمنح الثقة للحكومة هو نصف عدد النواب. إذا نظريا، تحتاج الحكومة إلى حوالي 100 نائب من أجل عقد جلسة للبرلمان، ونصف هؤلاء للحصول على الثقة. إذن، سننتظر إذا ما كانت السلطة التنفيذية الجديدة ستستطيع إقناع النواب بعقد الجلسة ثم التصويت لصالحها.
- روسيا تفرض تواجدا عسكريا عبر المرتزقة في ليبيا وتركيا لديها عقود إعادة إعمار البلد ومصر لديها مصالح جيوسياسية معروفة، هل تعتقدين أن هذه الدول التي تدعم فصائل مختلفة سترضى أن تهمش الحكومة الجديدة وكلاءها؟
حاليا، لا أعتقد أن هناك نية لإفساد العملية السياسية. فمثلا تركيا رحبت بانتخاب السلطة الجديدة، والدبيبة شخصية مقربة من الأتراك. كانت التوقعات تذهب في اتجاه رفض مصري لدعم القادة الجدد في ليبيا، لكن رأينا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتصل هاتفيا بعبد الحميد الدبيبة، ثم لاحقا استقبله في القاهرة. هذا إذن مؤشر إيجابي.
بالنسبة للإمارات، فقد أخذت مسافة نوعا ما من الصراع الليبي خلال الفترة الأخيرة. ومؤخرا، علق وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، على أن دعم أبو ظبي جهات معينة في بعض مناطق النزاعات لم تؤت ثمارها. لهذا، سيلجأون إلى الدبلوماسية من أجل الحفاظ على مصالحهم.
والإمارات، استثمرت عسكريا وبشدة في الصراع الليبي، لكنها لم تكن تلعب دور المفسد في المحادثات بين الفرقاء الليبيين، وهذا مختلف عن توجه مصر في الماضي بسبب القرب الجغرافي ومحاولة القاهرة الدفع بالأطراف المحسوبين عليها نحو قيادة ليبيا.
بالنسبة للدول الأخرى، فأعتقد أن هناك شبه إجماع على ضرورة اللجوء إلى الخيار السياسي لوقف الصراع. والعامل المادي يلعب أيضا دورا مهما في هذا الجانب، فمن الصعب تمويل المجهود الحربي إلى الأبد.
- بالنسبة لدور الولايات المتحدة في ليبيا، هل تعتقدين أن إدارة الرئيس جو بايدن ستكون مختلفة؟
إلى حد الساعة لم نر إدارة بايدن تتحرك في قضية الصراع الليبي، كما حدث مع اليمن وإيران. لكن بلا شك فالإدارة الجديدة خلقت ردود فعل مشجعة لدفع الدبلوماسية إلى الأمام في الملف الليبي أيضا.
أيضا، فإن الإدارة الأميركية الجديدة كانت واضحة بأنها ستلتزم باحترام القانون الدولي والعملية السياسية ولن تدعم تحركات عسكرية لهذا الطرف أو ذاك في الملف الليبي، خاصة بالنسبة لمصر. فخطاب واشنطن الجديد إلى القاهرة هو أن أميركا ستركز مجددا على ملف حقوق الإنسان. وهذا بعكس التوجه الذي كانت عليه إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب.
المصدر: أصوات مغاربية
