Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الرئيسية

باحث في جامعة نيو إنغلاند الأميركية: الأرشيف الجزائري غير منظم ولا يليق بتضحيات هذا الشعب 

محمد أسعدي
19 مارس 2021

لا يزال ملف الذاكرة الاستعمارية يسمم العلاقات الجزائرية الفرنسية، إذ يطالب الجزائريون باعتذار باريس عن "جرائم" الحقبة الاستعمارية، في حين يدعو الساسة الفرنسيون إلى فتح صفحة جديدة والتطلع إلى المستقبل. 

وفي الآونة الأخيرة، عاد الجدل مجددا بشأن هذا الملف بعد صدور تقرير أنجزه المؤرخ الفرنسي، بنجامين ستورا، بطلب من قصر الإليزيه. وقد عادت أيضا الأسئلة نفسها، من قبيل، لماذا ترفض فرنسا الاعتذار للجزائريين؟ وهل تحول الملف إلى ورقة انتخابية مجددا في فرنسا؟ وما هي الطريقة الأفضل لتجاوز آلام الماضي؟ 

في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يرد رئيس قسم العلوم السياسية والخبير في الحقبة الاستعمارية بجامعة نيو إنغلاند الأميركية، علي عبد اللطيف أحميدة، على هذه الأسئلة.

نص الحوار:

  • رفعت فرنسا، مؤخرا، السرّية عن وثائق خاصة بحقبة استعمار الجزائر (1830-1962)، وخلف القرار ردود فعل مختلفة بين مرحّب ومتوجّس. كخبير دارس للحقبة الاستعمارية في شمال أفريقيا، كيف تنظر إلى خطوة باريس؟ 

لا بد أن نفهم أن هذه المسألة متجذرة وعميقة، والنخبة الفرنسية لحد الآن لا تريد الاعتراف بالتاريخ الآخر، والشيء العجيب الآن أن بعضا من الأرشيف الفرنسي عن حرب الجزائر لم يفرج عنه إلا قبل أسبوع، وهذا غريب لأنه في العادة معظم الأرشيفات يفرج عنها بعد 30 سنة. 

 الحقيقة أن الدولة الفرنسية - ما عدا استثناءات بين المثقفين والسياسيين والمناضلين الذين شجبوا الاستعمار بشكل عام - لحد الآن عندها عقدة، وهي الجزائر.

ويجب أن نستوعب أن حرب التحرير الجزائرية لم تكن أبدا موضوعا عربيا أو أفريقيا أو إسلاميا، بل كانت حربا تحريرية حظيت بتعاطف العالم.

 لكن يجب أن ندرك أيضا أن الفرنسيين لم يكونوا ينظرون إلى الجزائر كمستعمرة عادية مثل تونس. فالجزائر كانت مستعمرة استيطانية، وكانت فرنسا تنظر لها على أساس أنها جزء منها، بالإضافة إلى أن هذا الاستعمار هو ربما أقدم استعمار في القارة الأفريقية باستثناء استعمار جنوب أفريقيا. 

الدولة الفرنسية - ما عدا استثناءات- لحد الآن عندها عقدة، وهي الجزائر

هل تعتقد أن رفض باريس تسليم الأرشيف والاعتذار للجزائر مرتبط بالخوف من دفع تعويضات  -ربما هائلة - لأحفاد ضحايا حرب التحرير الجزائرية؟ 

هناك الخوف من كشف الحقائق عن المجازر والضحايا والفظائع التي ارتكبت في الجزائر، وخوف من فقد المصداقية داخل المجتمع الفرنسي، الذي ما زال يُصرّ على إنكار التاريخ العنيف في الجزائر. وبالتالي ستلاحظ أن الرئيس ماكرون يتقدم خطوة للأمام في هذا الموضوع ويتراجع خطوتين للخلف.

وأنا أعتقد أن هذا الشيء ليس غريبا على الحكومة الفرنسية. فمثلا، عندما زار الرئيس الحالي الجزائر في 2017، اعترف بأن الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، ولكنه تراجع لاحقا ورفض أي فكرة تؤدي إلى الاعتذار أو التعويض.

  • البعض يقول إن ماكرون يلعب ملف الذاكرة والأرشيف كتكتيك انتخابي، بمعنى أنه يميل مع ما يميل إليه الرأي العام الفرنسي في هذا الموضوع. في 2017، كان ماكرون في بداية عهدته الرئاسية، والآن ربما يريد استمالة أصوات اليمين عبر خطوات منها تقرير بنجامان ستورا وأيضا رفض الاعتذار للجزائر، ما رأيك؟  

نعم هذا صحيح، ولكن المشكلة أعقد من هذا. الوعي العام الفرنسي لحد الآن لم يحسم هذه المسألة، وخاصة أن هناك قطاعا عريضا في اليمين يرفض هذه المسألة جملة وتفصيلا.

النخبة الجزائرية بعد الاستقلال لم تطرح موضوع الاعتذار والذاكرة بالطريقة اللائقة

 من جانب آخر، فالنخبة الجزائرية بعد الاستقلال لم تطرح موضوع الاعتذار والذاكرة بالطريقة اللائقة. لم يكونوا منضبطين ومنظّمين حيال هذا الموضوع. العجيب أن ليبيا كانت أكثر تنظيما في مطالبتها باعتذار إيطاليا. وفي الأخير، اعتذرت الأخيرة عن ماضيها الاستعماري في ليبيا.

 النخبة الجزائرية لم تكن منسجمة مع المطالب الشعبية دائما، إذ كانوا يطالبون فرنسا أحيانا بالاعتذار عن حقبة الاستعمار وتسليم الأرشيف، وأحيانا أخرى يهملون الموضوع تماما. 

مسألة أخرى تثير استغرابي كباحث في الأرشيف الجزائري عن هذه الحقبة، فهذا الأرشيف غير منظم كما توقعتُ. ليبيا كانت أكثر تنظيما في السبعينات والثمانينات والتسعينات من الجزائر اليوم. موضوع تنظيم الأرشيف جد مهم، لأنه يجعل عملية التفاوض والمطالبة بالاعتذار أكثر نجاعة. 

تنظيم الأرشيف جد مهم، لأنه يجعل عملية التفاوض والمطالبة بالاعتذار أكثر نجاعة

  • في فرنسا هناك من يتحدث عن قضية "الأقدام السوداء" للقول إن جبهة التحرير الجزائرية أيضا ارتكبت أعمال عنف ضد الفرنسيين والجزائريين المؤيدين للاستعمار. بمعنى آخر، "نحن ارتكبنا فظاعات وأنتم أيضا، إذ هجّرتم أكثر من مليون شخص وأخذتم أموالهم". كيف تنظر إلى هذا التبرير؟ 

"الأقدام السوداء" لم يكونوا مجموعة من السواح المثاليين، الذين يأتون للتعرف على الثقافة المحلية والتعامل مع الشعب والتعايش معه. هؤلاء كانوا جزءا من بنية استعمارية عنيفة، وكثير منهم كانوا أكثر عنصرية حتى من الإدارة الفرنسية.

 هذه مغالطة للأسف الشديد، مثلا ماكرون في لقائه مع بعض الشباب الجزائريين سألهم "أنتم لم تعيشوا في عهد الاستعمار، لماذا كل هذا الاهتمام بالماضي؟ لماذا لا تهتمون بالمستقبل؟" أعتقد أن هذا نوع من الصفاقة، ونوع من عدم احترام الآخر. إذا أرادت النخبة الفرنسية أن تبدأ بداية صحيحة لا بد لها من مواجهة أشباح التاريخ، وهذا يبدأ بالتعامل مع ملف الأرشيف والوصول إلى طريقة يتم بها طي صفحة الماضي بالطريقة الصحيحة. 

  • كباحث ومختص، كيف تنظر إلى تقرير بنجامين ستورا؟ 

المؤرخ بنجامين ستورا محترم، ولكنه مؤرخ ليبرالي فرنسي، وحاول أن يمسك العصا من الوسط، أي أن ينظر في الجرائم التي وقعت ولكن بعدم النظر في الموضوع إلى منتهاه.

 أنا أعتقد أن ستورا أرضى الرئيس الفرنسي، ولكن نحن الدارسين لهذه المرحلة والعلاقات الفرنسية مع شمال أفريقيا - وبالذات الجزائر- لا نحكم على التقرير بأنه منحاز، ولكن نقول إنه مسك العصا من النصف.

المؤرخ بنجامين ستورا محترم، ولكنه مؤرخ ليبرالي فرنسي، وحاول أن يمسك العصا من الوسط

  • المواضيع التي يركز عليها الإعلام أحيانا هي قضية الصراع بين المقاومة الجزائرية والاستعمار الفرنسي، ولكن البعض يشير أيضا إلى ملفات أخرى مثل ملف المفقودين خلال تلك الحقبة والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية. من خلال تجارب سابقة مثل تجربة ليبيا، هل يكون الاعتذار بشأن قضية بعينها أم يهُمّ مرحلة بأكملها؟

بداية، أنا لا أعتقد أن التعويض المادي مهم ويجب أن يلي مباشرة اعتذار فرنسا. ثانيا، المسألة ليست مسألة تقنية أو موضوعا أو اثنين. المسألة أنك أنت إذا أردت نوعا من المراجعة التاريخية وفتح صفحة جديدة في العلاقات، فأنت مجبر على الاعتراف بما حصل.

المتاحف الفرنسية نفسها تؤرخ لما وقع. قضية جماجم المقاومين معروفة في هذا الصدد. أيضا التجارب النووية في الصحراء الجزائرية أدّت إلى قتل آلاف وإصابة آخرين بالسرطان وأمراض أخرى.

هذا ناهيك على أن فئة عريضة من الشعب الجزائري والتونسي والمغربي شاركت  في الحرب العالمية الأولى والثانية إلى جانب الحلفاء، وكانوا دائما في الواجهة، ونحن نعلم أن الآلاف من المغاربيين الذين كانوا تحت الاستعمار الفرنسي ماتوا دفاعا عن فرنسا. يجب على باريس أن تلتفت لهذا التاريخ أيضا. 

الآلاف من المغاربيين الذين كانوا تحت الاستعمار الفرنسي ماتوا دفاعا عن فرنسا

في المجمل، فإن المحاولات التجميلية أو الديبلوماسية لن تحل هذه القضايا، كما أن التجاهل والنكران سيؤدي إلى استمرار الأحقاد. 

  • البعض يخاف من أن يؤدي الكشف عن الأرشيف اليوم إلى تهديد حياة الموظفين الذين ارتكبوا انتهاكات والذين لا يزالون في الخدمة، ما رأيك؟ 

هذا صحيح، والسؤال في محله. المشكلة أن الأرشيف لم يُفتح لحد الآن، مثل ما حدث في إيطاليا لأن المشرفين عليه كانوا موظفين سابقين في الإدارة الاستعمارية، وبالتالي فيه نوع من الإنكار والخوف.

يبدو لي أن أهم شيء في الموضوع هو التصالح المباشر وأن يكون هناك اعتراف معنوي بالفظاعات والجرائم التي حصلت في الجزائر، فكما نتحدث عن لجان الحقيقة والإنصاف والمصالحة أيضا، نحتاج إلى نوع من لجان الجدية في مسألة مواجهة العنف والاغتيالات وحروب الإبادة التاريخية، والعدالة التاريخية ستتحقق عندما يحسم في جدية الموضوع وليس عندما يحسم فيه مؤرخ بتقديم تقرير.

أنا أظن أن هذه المواجهة ستكون صعبة وتحتاج إلى شجاعة تاريخية وتحتاج إلى مؤرخين وبحث تاريخي معمق وشجاع.

  • بعض المعلقين الفرنسيين يقولون إن الأرشيف قد يصدم الجزائريين أنفسهم، إذ قد يُظهر مثلا بعض الاغتيالات التي وقفت وراءها جبهة التحرير الجزائرية، ما رأيك؟ 

الأرشيف مهم، لكنه كُتب من طرف مؤرخين وموظفين وضباط استعماريين بعقلية الهيمنة تجاه المحليين. ولهذا فالتاريخ الشفهي وشهادات الضحايا مهمة جدا.

الجزائريون قاموا ببعض الأشياء ولكن ليس بالمستوى الذي توقعته، لأنها لم تكن بالشكل الذي يليق بالشعب الجزائري الذي قدم تضحيات رهيبة من أجل الاستقلال منذ البداية إلى حدود الاستقلال.

 هذا طبعا يدفعنا للتوقف عن النظر للأرشيف كحقائق مكتوبة ستعطينا فكرة عن الماضي بأكمله. 

أيضا، نعم يجب الحديث عن بشاعات الاستعمار لكن يجب أيضا عدم الخجل من فتح قضايا منها قتل المدنيين الفرنسيين وأحيانا الجزائريين من طرف أفراد تابعين للمقاومة الجزائرية. 


 

  • المصدر: أصوات مغاربية
محمد أسعدي

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
ميناء مدينة الجزائر العاصمة- أرشيف

كشف بنك الجزائر أن اقتصاد البلاد سجل أداء إيجابيا خلال سنة 2023 لاسيما من حيث النمو والصادرات وتحسن إيرادات الدولة، بعد فترة من الركود الأكبر وذلك رغم استمرار التوترات الجيوسياسية والاضطرابات في سوق المحروقات.

وسجل البنك عدة مؤشرات لتعافي الاقتصاد الجزائري، أهمها تطور معدلات النمو من سنة 2021 إلي 2023 بنسب تراوحت ما بين 3.8 بالمائة، 3.6 بالمائة و4.1 بالمائة، بعد "الركود الكبير سنة 2020 (-5 بالمائة)". في سياق جائحة كورونا، مرجعا ذلك للنمو في أنشطة الصناعات الاستخراجية، الذي سجل نسبة 4.8 بالمائة العام الماضي، مقارنة بانكماش بنسبة 5.1 بالمائة في السنة السابقة.

وتعني الصناعات الاستخراجية "المواد الخام التي تستخرج من باطن الأرض مثل المعادن"، وتعتمد الصناعات الاستخراجية على الموارد الطبيعية التي لا يمكن أن تجدد أو تعوض مثل صناعة الفوسفات والإسمنت وكثير من الثروات متل النفط ".

كما سجلت سنة 2023، نموا في القروض الموجهة للاقتصاد بنسبة 5.8 بالمائة، مقارنة مع نهاية 2022 (3.2 بالمائة)، فيما سجل ميزان المدفوعات فائضه الثاني على التوالي خلال العام الماضي، بعد ثماني سنوات من العجز المتواصل (2014-2021) بقيمة 347. 6 مليار دولار.

وبخصوص احتياطي العملة الأجنبية. أشار بنك الجزائر إلى أنه بلغ 68.988 مليار دولار في نهاية عام 2023، مقابل 60.944 مليار دولار بنهاية عام 2022.

وبشأن التجارة الخارجية فإن الصادرات بلغت 55.554 مليار دولار بنهاية 2023، مقابل 65.716 مليار دولار مع نهاية 2022، أي بانخفاض قدره 10.161 مليار دولار، في مقابل هذا سجلت واردات السلع ارتفاعا بنسبة 10.5 بالمائة، وقفزت من 38.757 مليار دولار خلال 2022 إلى 42.842 مليار دولار العام الماضي، وبالنسبة لمعدل التضخم فإنه انخفض من 9.29 بنهاية 2022 إلى 7.84 في سنة 2023.

تعافي فعلي

وتعليقا على هذه المؤشرات يؤكد خبير الإحصاء المالي، نبيل جمعة، أن الاقتصاد الوطني "يتعافى فعليا من حالة الانكماش التي كان عليها خلال السنوات القليلة الماضية، نتيجة تسارع وتيرة الاستثمارات التي انتعشت مع دخول قانون الاستثمار الجديد حيز التنفيذ".

ويواصل الخبير جمعة قوله إن "الديناميكية الجديدة التي يسير وفقها الاقتصاد الجزائري خلصته من عديد الشوائب، ودفعته إلى تنظيم التجارة الخارجية، والاستثمارات في قطاعات عمومية عدة كانت راكدة مثل المناجم، والسكك الحديدية، ومحطات تحلية المياه، وقطاع البناء".

ويشير جمعة في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن هذا الأداء "سيظل مرتبطا بتعافي سوق المحروقات التي تعتمد عليها البلاد بنسبة تصل إلى 95 بالمائة"، إضافة إلى أزمة المناخ التي من شأنها التأثير على أداء عدة قطاعات خصوصا الفلاحية منها التي وصلت قيمتها السنوية إلى 30 مليار دولار".

الاستثمارات والشراكة في المحروقات

في المقابل يشير الخبير الدولي في الطاقة، عبد الرحمان مبتول، إلى أن "الاستثمارات والشراكة مع المؤسسات الدولية الكبرى في عدة قطاعات خصوصا المحروقات، أعطت دفعة قوية لتنامي احتياطي الصرف، كما حفزت على انتعاش سلة القروض البنكية الموجهة للاقتصاد، مما رفع من مستوى المؤشرات الرئيسية خلال العام الماضي".

ويرى مبتول في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن ذلك "لا يعفي الاقتصاد الجزائري من تداعيات أي انتكاسة في سوق المحروقات، كما قد تعزز تطورات محتملة من أدائه حيث أن الاعتماد بشكل كبير على مداخيل الغاز والنفط لا زال السمة الرئيسية له".

ويعتقد المتحدث أن المؤشرات الإيجابية لسنة 2023 يمكن المحافظة عليها خلال السنوات القادمة بالتركيز أكثر على خطط تنمية القطاع الفلاحي، والرفع من الصادرات خارج المحروقات، ودعم المؤسسات الناشئة وفق متطلبات السوق المحلية، وفتح المجال أكثر أمام استيراد المواد الأولية لانعاش الاقتصاد المحلي الناشئ الذي يعتمد عليها".

المصدر: أصوات مغاربية