يتبادل الفرقاء الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن فوضى العيد
يتبادل الفرقاء الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن فوضى العيد

طغت مشاهد "فتنة العيد"، كما وصفها ليبيون، والتي شهدت احتفال شرق ليبيا وغربها بعيد الفطر في يومين مختلفين، على حديث الصحافة المحليّة ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا البلد المغاربي.

وحذرت أصوات عديدة من أن ليبيا - التي يتجاذبها التشظي السياسي والمؤسساتي منذ سنوات - تقترب من "أسوأ" وجوه التصدع على الاطلاق، وهو الانقسام الديني بسبب الصراع حول الشرعية بين أطراف دينية في الشرق والغرب.

وبينما يتبادل الفرقاء الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن فوضى العيد، اتهم ليبيون الأجهزة الدينية بالضفتين معاً بالاصطفاف وراء أجندة حكومية وميليشيات مختلفة لأغراض سياسية.

وفي حين يرى محللون أن إقحام "المقدسات الدينية" في الصراع بداية تنذر بمزيد من التصدع السياسي وربما الديني، يعتقد آخرون أن "فتنة العيد" وحّدت الليبيين وكشفت لهم "تلاعب" الهيئات الدينية بالفتاوى لأغراض سياسية. 

المناسبة وحّدت الليبيين

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي، عز الدين عقيل، في تصريحات لـ"أصوات مغاربية"، إن ما حدث "يُظهر الكوارث التي تنبع من غياب هيبة الدولة"، مضيفا أن رفض بعض المجموعات الإذعان للقرارات الحكومية حول أيام العيد مسألة موجودة في كثير من البلدان العربية، "لكن هذه البلدان لديها سيادة وهيبة تفرض بها على الجميع الانضباط خلف القرار السيادي العام".

غير أن "البلدان المتشظيّة مثل ليبيا، التي تحوّلت إلى دويلات يحكمها أمراء حرب"، يضيف عقيل، "سرعان ما تتدحرج إلى الفوضى التي رأيناها في الأيام الماضية، عندما يرفض أي فريق الانصياع لأوامر صادرة من الجهات المسؤولة". 

وألقى المتحدث باللوم على مفتي دار الإفتاء بطرابلس، الصادق الغرياني، الذي قال إنه "يتمتع بنفوذ وسلطة تجعله أقوى من السياسيين بسبب دعم بعض المليشيات له"، مردفا "الغرياني شخصية سياسية وليس دينية".

واختلف غرب ليبيا وشرقها حول رؤية "هلال العيد"، منذ الخميس، بعد الفتوى التي أصدرتها دار الإفتاء في طرابلس بأن يوم الجمعة متمم لشهر رمضان، رافضة بذلك شهادات الرؤية التي تقدم بها ليبيون واعتمدتها هيئة الإفتاء في الشرق. 

وقال المحلل السياسي إن الغرياني أصبح يتدخل في السياسة لدرجة أنه رفض التقارب الأمني بين الشرق والغرب، وخرج عملياً في برنامج ديني لكي يهاجم هذه الخطوة الأساسية التي قد تحقق الوحدة والاستقرار في البلاد.  

في المقابل، اعتبر مؤديون للشيخ الغرياني أن هيئة الإفتاء بالشرق تابعة للجنرال، خليفة حفتر، وأن "شهادات رؤية هلال عيد الفطر هناك مردودة لعدم توفر المعايير والشروط الشرعية لقبولها".

وأكد عقيل أن "حالة الصدام الديني" التي سعت إليه بعض الأطراف جاءت بنتائج عكسية، إذ "وحّد العيد بين الناس على المستوى الشعبي، فتبادلوا الاعتذارات وتأسفوا على حالهم لما وصلت إليه ليبيا".

وتابع: "صحيح أن ما حدث بمثابة زلزال، إذ سعى هؤلاء إلى تفريق البلد على المستوى الديني، لكن ما حدث قرّب عملياً قلوب الشعب شرقا وغربا".

وخلص إلى أن "فوضى عيد الفطر هذا العام جعلت الليبيين يدركون إلى أي مدى هم في مأزق فعلاً".

فوضى تنذر بـ"الأسوأ"

من جانب آخر، يرى المتحدث السابق باسم مجلس الدولة الاستشاري، اسماعيل الشريف السنوسي، أن "المجال الديني في ليبيا كان دائما موحدا"، وأن "ما حدث ينذر بكارثة طائفية في المستقبل".

وأضاف، في تصريحات لـ"أصوات مغاربية"، أن "أغلب الليبيين ينتمون إلى الطائفة السنية المالكية بالإضافة إلى المذهب الإباضي"، ولكن في السنوات الأخيرة "تأثر العديد من الشباب الليبيين بعلماء الوهابية وبدأوا يأخذون الفتوى من هؤلاء".

وأردف أن "بروز الوهابية انعكس بظهور هيئة إفتاء سلفية وهابية في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى دار الإفتاء السلفية المالكية الموجودة بغرب البلاد منذ سنين". 

وأوضح السنوسي أنه بمجرد قيام هيئة الإفتاء في بنغازي (شرق) بإعلان الجمعة يوم العيد، سارعت دار الإفتاء بطرابلس (غرب) بنفي ذلك جاعلة السبت يوم العيد، في "نفي تام لشهادات الأشخاص العشرة الذين شاهدوا الهلال بالشرق".

وأضاف أن ليبيا كانت تعتمد في عيدها وصومها على الدول العربية والإسلامية المجاورة مثل مصر، لكن هذا العام تم اعتماد رؤية الهلال في ليبيا، و"نتيجة هذا القرار هو صراع جديد للمرجعيات الدينية بين الشرق والغرب". 

وأكد أن "الانقسام بين الهيئتين الدينيتين كان يستدعي تدخل جهات تتغنى بأنها محايدة مثل المجلس الأعلى للقضاء أو المجلس الرئاسي لمنع هذا الانشقاق، لكن ما حدث هو العكس إذ سارعت حكومة طرابلس إلى إصدار بيان يؤيد دار الإفتاء، وقامت حكومة فتحي باشاغا بالوقوف وراء قرار هيئة الإفتاء في بنغازي".

وأردف: "للأسف، لقد حصلت ليبيا على عيدين، كما حصلت على حكومتين وبرلمانين ومصرفين مركزيين".

وحذّر من أن "ما وقع ليس مسألة عابرة، وإنما ينذر بالأسوأ، إذ سيُصعّب كل مسارات الحل السياسي، وهو حل متعثر أصلاً حتى بلا انقسام ديني".

وشدد على أن ليبيا "لا يمكن أن تكون آمنة من نزاع طائفي بين التيارات الدينية بسبب التعبئة السياسية وراء المرجعيات المختلفة، وقد شاهدنا نذر هذه التفرقة بأحد المساجد في مدينة أوباري".

وكان نشطاء ومدونون، نشروا، قبل أيام، شريط فيديو يوثق لصراع بين إمامين على المنبر.

وهمّت بعض الجموع بالصلاة وراء أحد الأئمة، بينما جلست حشود أخرى تستمع لخطبة إمام مختلف. 

وكان مدونون حينها قالوا إن الوزارة المشرفة على القطاع الديني عيّنت إماما ينتمي إلى "التيار المدخلي الوهابي" وهو ما رفضه البعض. 

وفي هذا السياق، قال إسماعيل الشريف إن هذا "المنظر المستهجن حدثَ أيضا في مساجد ليبية أخرى"، و"كلها تدخل ضمن نطاق المماحكات والاستقطابات التي يمكن أن تتطور إلى نزاعات طائفية". 

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

 البنك المركزي التونسي
البنك المركزي التونسي- أرشيف

أظهرت بيانات التجارة الخارجية لتونس، الأربعاء، انخفاضا ملحوظا في العجز التجاري (الفرق بين قيمة الصادرات والواردات)، حيث سجل المعهد الوطني للإحصاء تراجعا بنسبة 21 في المئة خلال الأشهر الخمسة الماضية.

وبالرغم من أن بعض المراقبين يرون في هذا التطور إشارة إيجابية هامة للاقتصاد التونسي، فإن محللين اقتصاديين يعبرون عن تساؤلاتهم حول جدوى هذا المؤشر، ويشككون في ما إذا كان هذا الانخفاض يمثل بداية لتعافٍ مستدام للاقتصاد.

وفي حين يُعتبر تقلص العجز التجاري خطوة إيجابية نحو تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل الناتج المحلي الإجمالي واحتياطيات العملات الأجنبية - يقول محللون - إنه قد يخفي مشاكل اقتصادية عميقة، مثل تراجع الإنتاج الصناعي ونسبة النمو. 

مؤشر إيجابي لكن

وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي التونسي، معز حديدان، أن "تراجع العجز التجاري، على الرغم من إيجابيته، قد لا يعكس بالضرورة تحسنا في النشاط الاقتصادي".

ويضيف: "في بعض الأحيان، قد ينجم هذا التراجع عن تباطؤ في الواردات، لا سيما تلك المتعلقة بالمواد النصف مصنعة مثل الآلات والمعدات".

 ويوضح المحلل التونسي، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، أنه "بينما يُساهم هذا الانخفاض في تحسين الميزان التجاري واحتياطيات العملة الصعبة، إلا أنه لا يُعد مؤشرا دقيقا على وجود استثمارات كبيرة أو تحقيق نسبة نمو مرتفعة".

ورغم ذلك، يُشير حديدان إلى أن "هناك بالفعل تحسنا ملحوظا في قطاع الزراعة، خاصة قطاع زيت الزيتون، حيث تضاعفت صادراته خلال الأشهر الخمسة الماضية مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي"، مردفا "هذا التطور إذن مؤشر إيجابي وحقيقي على نمو هذا القطاع ومساهمته في تحسين الميزان التجاري".

في المقابل، يُحذر حديدان من أن بعض القطاعات، مثل قطاع الملابس والأحذية، قد شهدت انخفاضا في صادراتها، لافتا إلى تراجع الواردات في جميع الأصناف باستثناء الواردات الطاقوية.

وتابع: "هذا التطور سلبي، خاصة وأن تونس تعتمد على استيراد العديد من المواد نصف المصنعة التي تُستخدم في الصناعة والتصدير".

وختم حديدان بالتشديد على ضرورة إجراء "إصلاحات هيكلية عميقة" لاقتصاد تونس، مثل تحسين كفاءة الإدارة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز بيئة الاستثمار، قائلا إن "غياب هذه الإصلاحات قد يُعيق قدرة تونس على تحقيق نمو مستدام بعيدا عن مؤشرات مثل انخفاض العجز التجاري". 

مؤشر.. للمؤسسات الدولية 

من جهة أخرى، يؤكد أستاذ الاقتصاد بكلية العلوم الاقتصادية  في نابل، رضا الشكندالي، أن "الخطاب الاقتصادي للحكومة التونسية يشدد على نجاح البلاد في تسديد ديونها والحد من العجز التجاري خلال الأشهر الخمسة الماضية، وهذا بلا شك سيلقى استحسان المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، الذي يعتمد على هكذا مؤشرات لمنح الضوء الأخضر لتقدم المفاوضات بشأن قروض جديدة".

و تُصرّ الحكومة التونسية، في خطابها الرسمي - يقول الشكندالي - على عدم رغبتها في اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهو "ما يُفقد الحديث عن خفض العجز التجاري جدواه، طالما أن الحكومة لا تُبدي أي استعداد لفتح قنوات التمويل الدولية".

ويُشدد الشكندالي على أن "رفض الحكومة التونسية التعامل مع صندوق النقد الدولي يفرغ مؤشرات - مثل خفض العجز التجاري - من أهميتها، فالمواطن لا يُبالي بهذه الأرقام المجردة، بل يهتم بتحسين مستوى معيشته، من خلال انخفاض الأسعار وارتفاع القدرة الشرائية وتوفير فرص العمل".

ويُحذر الشكندالي من أن تراجع العجز التجاري في تونس قد لا يكون مؤشرا إيجابيا كما يبدو، بل قد يُنذر بانكماش اقتصادي، ويعود ذلك إلى أن هذا التراجع "ناتج أساسا عن سياسات تقشفية فرضتها الحكومة على الواردات، لا عن تحسن ملحوظ في الصادرات، فمع تقييد استيراد المواد الأساسية مثل القمح والقهوة والأدوية والسكر ومواد نصف مصنعة، قد تتقلص عمليات الإنتاج، خاصة وأن الاقتصاد التونسي يعتمد بشكل كبير على هذه الواردات لإنتاج سلع مخصصة للتصدير".

  • المصدر: أصوات مغاربية