مقر محكمة في العاصمة الموريتانية نواكشوط
مقر محكمة في العاصمة الموريتانية نواكشوط

يثير اعتقال السيناتور الموريتاني السابق ورئيس منظمة الشفافية الشاملة، محمد ولد غدة، جدلاً حاداً في موريتانيا.

وبينما تحاول الحكومة التبرؤ من أي دور لها في هذه القضية، يؤكد معارضون أن القضاء الموريتاني "خاضغ للضغوط السياسية".

وقد أثارت الواقعة انتقادات قوية من قبل منظمات حقوق الإنسان وأحزاب سياسية معارضة، التي وصفت تطورات الأحداث بأنها "إشارة مقلقة" تؤكد تدهور حال حرية التعبير في البلاد، خاصة بعد سلسلة من الاعتقالات والمحاكمات التي طالت نشطاء وصحافيين، بالإضافة على نزع الحصانة عن نواب برلمانيين يوصفون بـ"المزعجين". 

في المقابل، ترى الحكومة ومؤيدوها أن اعتقال ولد غدة "لا يُعدّ مؤشراً على تراجع حرية التعبير، بل هو تطبيق للقانون" وفقا لتصريحات المتحدث باسم الحكومة، الناني ولد اشروقه، الذي أكد على "استقلالية القضاء"، مشيراً إلى أن "اللجوء إليه سلوك مدني وحق قانوني". 

"خطأ سياسي"

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي الموريتاني، سيدي محمد ولد بلعمش، إن اعتقال محمد ولد غدة "جاء في ظروف سياسية خاصة، حيث أُلغيت الحصانة عن النائب البرلماني بيرام ولد اعبيدي قبل أيام قليلة، وبعد أشهر من إلغاء الحصانة عن النائب محمد بوي محمد فاضل".

ويضيف ولد بلعمش، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، أن "الحكومة تبرأت من هذا الإجراء بمبرر إقرار الدستور لمبدأ فصل السلطات، وأن القضاء مستقل. وهذا مبرر وجيه"، لكنه يستدرك بقوله "في الواقع السلطة القضائية تتبع للسلطة التنفيذية، فلا يمكن لأي قاض في موريتانيا، مع استثناءات قليلة، مخالفة النظام".

وأوقف السيناتور السابق إثر شكوى بـ"القذف" و"الافتراء" قدمتها ضده شركة BIS TP، التي يملكها رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين، زين العابدين ولد الشيخ أحمد، الذي يعد شخصية اقتصادية نافذة مالياً وسياسياً، وفق معارضين. 

ويؤكد ولد بلعمش أن الشكوى ضد ولد غدة واعتقاله "خطوات لا يمكن أن تحدث من دون موافقة السلطة التنفيذية"، مردفاً "هذا خطأ سياسي وقع فيه النظام".

ونفت الحكومة بشكل مطلق أي علاقة لها بالقضية، إذ نقلت الوكالة الموريتانية الرسمية عن الناطق باسمها قوله "الحكومة ليس لها علاقة بالموضوع وليست طرفاً فيه، ولا تعلق على المسألة أمام القضاء"، مشيرة إلى أن "الموضوع يعود إلى التقاضي بين طرفين".

ويُعتبر ولد غدة، وفقاً للمحلل السياسي الموريتاني، شخصية بارزة في المشهد السياسي الموريتاني، حيث قضى عاما واحدا في السجن خلال فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز (2009-2019)، وهو أيضا مقرب من رجل الأعمال المعروف، محمد ولد بوعماتو، الذي "يتمتع بنفوذ واسع في البلاد، وشخصية لم تدخل تحت عباءة النظام ولم تخرج منها"، كما أن لديها "خلافات مع رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين".

ويضيف المحلل الموريتاني أن ولد غدة هو الشخصية التي وقفت وراء إسقاط مجلس الشيوخ السابق للتعديلات الدستورية لعام 2017، مردفا "بالتالي فلديه تأثير كبير. لذا، أعتقد أن النظام أخطأ عندما لم يحقق في الاتهامات التي وجهها ولد غدة لشركات محمد زين العابدين بالفساد، كما أن السلطات لم تقدم وجهة نظرها للرأي العام الوطني حيال هذه الاتهامات، وبدلاً من ذلك قبلت الشكوى ضده بشكل مباشر".

"تراجعات حقوقية" 

من جهة أخرى، يرى رئيس المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، محمد محمود ولد عبد الجليل، أن البلاد "تعاني من تراجعات كبيرة في مجال حريات التعبير والحقوق العامة"، ويعزو ذلك إلى القوانين التي تم تبنيها مؤخرًا، مثل قانون الرموز، الذي يهدف إلى تجريم "المساس ببهيبة الدولة" و"شرف المواطن"، ويحمي "الرموز الوطنية".

ويشير ولد عبد الجليل، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، إلى أن "البلاد شهدت في السنوات الأخيرة اعتقالات تعسفية وتوقيفات لمدونين، بالإضافة إلى سحب الحصانة البرلمانية من النواب المعارضين"، مؤكداً أن هذه الأحداث تشير جميعًا إلى "تراجع حقوقي" في البلاد.

ويضيف ولد عبد الجليل أن ما حدث مع محمد ولد غدة "يتناغم" مع هذه الخطوات، حيث قدمت منظمته تقريرا حول ما تصفه بالفساد في بعض المشاريع التي تشرف عليها شركة تابعة لرئيس أرباب العمل الموريتانيين المعروف بعلاقته الوثيقة مع النظام، وعندما تقدمت هذه الشركة بشكوى ضده، لاحظنا تجاوباً سريعا من النيابة العامة، تبعه اعتقاله بسرعة فاجأت الجميع، ما يدلّ على مدى النفوذ الذي يمتلكه رئيس أرباب العمل، وأيضا على غياب استقلالية القضاء وتبعيته للسلطة التنفيذية".

وبخصوص تأكيد الحكومة على استقلالية القضاء، يرى ولد عبد الجليل أن هذا التصريح يعتبر "تذاكياً"، حيث تُظهر الحقائق الموثقة في المرصد عكس مع ما يقوله المتحدث باسم الحكومة، ويشير إلى تقرير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التابعة للدولة، "الذي يؤكد على حاجة السلطة القضائية إلى إصلاحات ويشير إلى اختلالات بداخلها".

ويطالب المرصد الموريتاني بـ"الإفراج الفوري" عن ولد غدة، ويؤكد على "ضرورة إصلاح قطاع العدالة لضمان استقلالية القضاة عن الضغوط السياسية، ويدعو إلى فتح تحقيق في قضية اعتقاله، وأيضا في التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الشاملة بشأن الفساد المالي في المشاريع الوطنية".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

متظاهرون يرفعون العلم الجزائري رفقة الراية الأمازيغية
متظاهرون يرفعون العلم الجزائري رفقة الراية الأمازيغية

تحل اليوم الذكرى الـ 44 للربيع الأمازيغي في الجزائر  (20 أبريل 1980)، لتعيد المسألة الأمازيغية إلى واجهة النقاش في البلاد، بشأن ما حققته حركتها من مطالب على ضوء مسار طويل من النضال وتضحيات المئات من مناضليها، والتي تتزامن مع ذكرى انتفاضة "الربيع الأسود" التي حدثت في نفس  التاريخ من سنة 2001 مخلفة حصيلة ثقيلة من القتلى والمصابين.

وشكلت أحداث الربيع الأمازيغي مرجعية تاريخية لمناضلي الحركة الأمازيغية بالجزائر الذين يعتبرونها نقطة تحول كبرى ولّدت انتفاضة ثقافية في البلاد، والتي اندلعت بجامعة تيزي وزو وامتدت نحو الجزائر العاصمة خلال عهد الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني).

وبدأت الأحداث بمنع الكاتب مولود معمري (1917-1989)، من إلقاء محاضرة  بعنوان "الأدب الشعبي القبائلي" داخل الجامعة، مما فجر غضب الطلبة والناشطين، وامتدت مظاهراته إلى غاية 3 ماي من نفس السنة في عدة مدن من بينها الجزائر العاصمة، للمطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية.

 وبعد 21 سنة على تلك الأحداث، تولد على آثارها الربيع الأسود في أبريل 2001، في أعقاب إصابة الطالب ماسينيسا قرماح (18 سنة) بطلقات من رشاش كلاشنيكوف في مقر للدرك لبني دوالة بتيزي وزو، شرق الجزائر في 18 أبريل، ونقل على إثرها لمستشفي بالعاصمة أين توفي يوم 20 أبريل، وخلفت المواجهات "مقتل 126 شخصا وجرح أكثر من خمسة آلاف آخرين"، وفق تقرير سابق لوكالة الأنباء الفرنسية.

لكن ما هي المكاسب التي حققتها الحركة الأمازيغية بعد عقود من النضال والمواجهة مع السلطة؟

مكاسب لم تكن منحة

يعتقد المحاضر السابق بالمدرسة الوطنية للعلوم السياسية، محمد هناد، أن "الربيع الأمازيغي حقق مكاسب لا يمكن لأحد أن ينكرها"، موضحا أن تلك المكاسب "لم تكن منحة بل تحققت بفضل تضحيات كبيرة قدمها أصحاب القضية". 

والربيع الأمازيغي الذي جرت أحداثه سنة 1980 كان بمثابة "أول ضربة معول أحدثت شرخا في نظام الحزب الواحد"، حسب تصور هناد الذي تحدث لـ"أصوات مغاربية" عن المكاسب التي حققها بداية بـ"الاعتراف بالطابع الوطني ثم الرسمي للغة الأمازيغية، ثم الإقرار المتزايد على مستوى الوعي المجمعي للجزائريين". 

ويخلص المتحدث إلى أن الربيع الأمازيغي لم ينل من الوحدة الوطنية كما كان يدّعي معارضوه ولا زالوا، بل بالعكس، أدى إلى تقويتها"، مضيفا أن المناضلين الأمازيغيين" لم يعودوا يقدمون مطالبهم وكأنها على حساب اللغة والهوية العربية، بل يدافعون عنها من حيث هي نضال من أجل إعادة الاعتبار إلى هذا الجانب الأساسي في الهوية الوطنية".

تحقيق الأبعاد الهوياتية 

وكانت السلطة قد أسست المحافظة السامية للغة الأمازيغية تحت إشراف رئاسة الجمهورية في ماي 1995، كما أقرت تدريس اللغة الأمازيغية، ورسمتها لغة وطنية بعد تعديل الدستور سنة 2002، وفي تعديل آخر سنة 2016 تم الاعتراف بها لغة وطنية ورسمية، وفي ديسمبر 2017 اعترفت الحكومة باحتفالات يناير عطلة وطنية، كما كرس التعديل الدستوري لسنة 2020 الأمازيغية لغة وطنية ورسمية إلى جانب العربية.

وفي هذا الصدد يرى الإعلامي فاتح بن حمو أن مسار المكاسب التي حققتها الحركة الأمازيغية "سمحت بتجفيف مصادر التوتر مع السلطة التي كانت سائدة خلال فترات الحكم السابقة".

وتباعا لذلك يشير بن حمو في تصريحه لـ"أصوات مغاربية" إلى أن الحركة الأمازيغية "حققت الأبعاد الثقافية والهوياتية من مطالبها بعد أن استجابت السلطة الحالية لكافة المطالب التي رفعتها المحافظة السامية للأمازيغية في أكثر من مناسبة".

وعليه فقد قطعت عملية تدريس اللغة الأمازيغية "شوطا مهما سواء علي مستوى التعليم الابتدائي أو العالي في الجامعات"، وفق المتحدث الذي قال إن هذه المؤشرات "أحدثت توافقا وهدنة بين الحركة الأمازيغية والحكومة".

تراجع عن المكاسب

إلا أن الوضع مختلف تماما بالنسبة لرئيس "حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" (معارض)، عثمان معزوز، الذي سجل "تراجعا كبير في تجسيد الالتزامات التي أقرتها السلطة دستوريا"، موضحا أن "دسترة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، لم تؤد إلى الإصلاحات الضرورية، خاصة في التعليم".

ويعتقد عثمان معزوز في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن ساحة النضال الأمازيغي سجلت هذه السنة تراجعا بسبب عدم قدرة الجزائريين على التظاهر والاحتفال بالذكرى المزدوجة للربيع الأمازيغي والربيع الأسود".

ويرى رئيس الحزب المحسوب على منطقة القبائل أن السلطة "تحاول أن تسترد بيد، ما سبق وأن منحته باليد الأخرى في مرحلة لم تكن موازين القوى في صالحها".

المصدر: أصوات مغاربية