الشرطة الجزائرية أثناء اعتقال متظاهر - أرشيف

صادق مجلس الأمة الجزائري، أمس الثلاثاء، على نص تعديل قانون العقوبات في نسخته الجديدة، دون أن تمس المادة 87 مكرر أي تعديلات تذكر، برغم مطالب منظمات حقوقية غير حكومية وأممية بإسقاطها، وذلك عقب إدانة عشرات الناشطين وفق هذه المادة بتهم الإرهاب.

وأدت تلك المحاكمات إلى ارتفاع أصوات المطالبين بإلغاء هذه المادة، فقد دعا مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، نياليتسوسي فول، إلى إلغائها خلال زيارته الجزائر في سبتمبر الماضي.

وقال عقب لقائه مع سياسيين ومعارضين "أطالب السلطات الجزائرية بضرورة إلغاء المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الموجهة لمحاربة الإرهاب"، معتبرا، خلال ندوة صحفية، أنها عبارة عن "نص فضفاض يمكن إدراج أي شيء تحته".

وكانت الحكومة أدخلت تعديلات على قانون العقوبات سنة 2021، من بينها إضافة المادة 87 مكرر، التي أعطت توصيفا جديدا للفعل الإرهابي، كما تضمنت مجموعة من العقوبات ضد مرتكبي هذه الأفعال تراوحت بين الإعدام، المؤبد والسجن.

فلماذا أبقت عليها السلطات الجزائرية في التعديلات الجديدة لقانون العقوبات؟

مبررات القانون

إجابة على هذا، يرى رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان السابقة، فاروق قسنطيني، أن التشريع القانوني لمكافحة الإرهاب "ضروري لتطويق هذه الآفة، لأن الجزائر لم تتخلص منه بعد، سواء في منطقة الساحل جنوبا أو الشمال، فضلا عن نشاط متعاطفين مع تنظيمات (رشاد والماك المطالبة بانفصال منطقة القبائل) صنفتها الحكومة ضمن الجماعات الإرهابية".

ويعترف قسنطيني في حديثه لـ "أصوات مغاربية" أن المادة 87 مكرر من قانون العقوبات طبقت على ناشطين سياسيين، لكن برأي المتحدث "كان ذلك على صواب، لارتباط هؤلاء المتهمين بجماعات تخريبية تهدد الأمن الداخلي وتماسك المجتمع، ولا علاقة لها بالنشاط السياسي السلمي".

وعليه "من حق الحكومة أن تمتلك كافة الأدوات القانونية لمكافحة الإرهاب والتجاوزات من كل نوع، لغرض الدفاع عن استمرارية الدولة ومؤسساتها"، وفق قسنطيني الذي أوضح أن نشاط المنتمين لحركتي رشاد والماك "يقع تحت طائلة المادة 87 مكرر نظرا لممارستهم الإرهاب اللفظي الذي يحرض على العنف ضد الخصوم السياسيين وضد الدولة ورموزها".

تأثير الشارع

وبخلاف ذلك فإن الحقوقي يوسف بن كعبة يعزو قرار الحكومة الإبقاء على المادة 87 مكرر إلى رغبتها في "كبح جماح أي تحرك للشارع بقوة القانون، تفاديا لتكرار سيناريو 22 فبراير 2019 الذي أدى إلى زعزعة نظام حكم بوتفليقة واستقالته"، مضيفا أن تلك الأحداث التي تتفادى تكرارها "كلفتها التضحية بقائمة طويلة من الشخصيات السياسية محسوبة على النظام من أجل إرضاء سقف المطالب الشعبية الذي ارتفع عاليا".

ويضيف "بسبب فشل سيناريوهات البوليس السياسي التي لم تجد نفعا في عصر الانفتاح الإعلامي وفضح ممارساته أمام الرأي العام، شددت السلطات من العقوبات ضد الناشطين بالأدوات القانونية وجعلتها التعامل معها من مهام القضاء".

ويشير المتحدث في تصريحه لـ "أصوات مغاربية" أن الحكومة تريد من خلال الإبقاء على المادة 87 مكرر، استعمال السلطة القضائية كوسيلة ردعية، تبقيها بمنأى عن جميع الضغوطات الحقوقية خاصة الأممية والدولية".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

متظاهرون يرفعون العلم الجزائري رفقة الراية الأمازيغية
متظاهرون يرفعون العلم الجزائري رفقة الراية الأمازيغية

تحل اليوم الذكرى الـ 44 للربيع الأمازيغي في الجزائر  (20 أبريل 1980)، لتعيد المسألة الأمازيغية إلى واجهة النقاش في البلاد، بشأن ما حققته حركتها من مطالب على ضوء مسار طويل من النضال وتضحيات المئات من مناضليها، والتي تتزامن مع ذكرى انتفاضة "الربيع الأسود" التي حدثت في نفس  التاريخ من سنة 2001 مخلفة حصيلة ثقيلة من القتلى والمصابين.

وشكلت أحداث الربيع الأمازيغي مرجعية تاريخية لمناضلي الحركة الأمازيغية بالجزائر الذين يعتبرونها نقطة تحول كبرى ولّدت انتفاضة ثقافية في البلاد، والتي اندلعت بجامعة تيزي وزو وامتدت نحو الجزائر العاصمة خلال عهد الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني).

وبدأت الأحداث بمنع الكاتب مولود معمري (1917-1989)، من إلقاء محاضرة  بعنوان "الأدب الشعبي القبائلي" داخل الجامعة، مما فجر غضب الطلبة والناشطين، وامتدت مظاهراته إلى غاية 3 ماي من نفس السنة في عدة مدن من بينها الجزائر العاصمة، للمطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية.

 وبعد 21 سنة على تلك الأحداث، تولد على آثارها الربيع الأسود في أبريل 2001، في أعقاب إصابة الطالب ماسينيسا قرماح (18 سنة) بطلقات من رشاش كلاشنيكوف في مقر للدرك لبني دوالة بتيزي وزو، شرق الجزائر في 18 أبريل، ونقل على إثرها لمستشفي بالعاصمة أين توفي يوم 20 أبريل، وخلفت المواجهات "مقتل 126 شخصا وجرح أكثر من خمسة آلاف آخرين"، وفق تقرير سابق لوكالة الأنباء الفرنسية.

لكن ما هي المكاسب التي حققتها الحركة الأمازيغية بعد عقود من النضال والمواجهة مع السلطة؟

مكاسب لم تكن منحة

يعتقد المحاضر السابق بالمدرسة الوطنية للعلوم السياسية، محمد هناد، أن "الربيع الأمازيغي حقق مكاسب لا يمكن لأحد أن ينكرها"، موضحا أن تلك المكاسب "لم تكن منحة بل تحققت بفضل تضحيات كبيرة قدمها أصحاب القضية". 

والربيع الأمازيغي الذي جرت أحداثه سنة 1980 كان بمثابة "أول ضربة معول أحدثت شرخا في نظام الحزب الواحد"، حسب تصور هناد الذي تحدث لـ"أصوات مغاربية" عن المكاسب التي حققها بداية بـ"الاعتراف بالطابع الوطني ثم الرسمي للغة الأمازيغية، ثم الإقرار المتزايد على مستوى الوعي المجمعي للجزائريين". 

ويخلص المتحدث إلى أن الربيع الأمازيغي لم ينل من الوحدة الوطنية كما كان يدّعي معارضوه ولا زالوا، بل بالعكس، أدى إلى تقويتها"، مضيفا أن المناضلين الأمازيغيين" لم يعودوا يقدمون مطالبهم وكأنها على حساب اللغة والهوية العربية، بل يدافعون عنها من حيث هي نضال من أجل إعادة الاعتبار إلى هذا الجانب الأساسي في الهوية الوطنية".

تحقيق الأبعاد الهوياتية 

وكانت السلطة قد أسست المحافظة السامية للغة الأمازيغية تحت إشراف رئاسة الجمهورية في ماي 1995، كما أقرت تدريس اللغة الأمازيغية، ورسمتها لغة وطنية بعد تعديل الدستور سنة 2002، وفي تعديل آخر سنة 2016 تم الاعتراف بها لغة وطنية ورسمية، وفي ديسمبر 2017 اعترفت الحكومة باحتفالات يناير عطلة وطنية، كما كرس التعديل الدستوري لسنة 2020 الأمازيغية لغة وطنية ورسمية إلى جانب العربية.

وفي هذا الصدد يرى الإعلامي فاتح بن حمو أن مسار المكاسب التي حققتها الحركة الأمازيغية "سمحت بتجفيف مصادر التوتر مع السلطة التي كانت سائدة خلال فترات الحكم السابقة".

وتباعا لذلك يشير بن حمو في تصريحه لـ"أصوات مغاربية" إلى أن الحركة الأمازيغية "حققت الأبعاد الثقافية والهوياتية من مطالبها بعد أن استجابت السلطة الحالية لكافة المطالب التي رفعتها المحافظة السامية للأمازيغية في أكثر من مناسبة".

وعليه فقد قطعت عملية تدريس اللغة الأمازيغية "شوطا مهما سواء علي مستوى التعليم الابتدائي أو العالي في الجامعات"، وفق المتحدث الذي قال إن هذه المؤشرات "أحدثت توافقا وهدنة بين الحركة الأمازيغية والحكومة".

تراجع عن المكاسب

إلا أن الوضع مختلف تماما بالنسبة لرئيس "حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" (معارض)، عثمان معزوز، الذي سجل "تراجعا كبير في تجسيد الالتزامات التي أقرتها السلطة دستوريا"، موضحا أن "دسترة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، لم تؤد إلى الإصلاحات الضرورية، خاصة في التعليم".

ويعتقد عثمان معزوز في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن ساحة النضال الأمازيغي سجلت هذه السنة تراجعا بسبب عدم قدرة الجزائريين على التظاهر والاحتفال بالذكرى المزدوجة للربيع الأمازيغي والربيع الأسود".

ويرى رئيس الحزب المحسوب على منطقة القبائل أن السلطة "تحاول أن تسترد بيد، ما سبق وأن منحته باليد الأخرى في مرحلة لم تكن موازين القوى في صالحها".

المصدر: أصوات مغاربية