تواصل السلطات القضائية في ليبيا حربها ضد بؤر الفساد المالي والإداري داخل الهيئات الرسمية والقطاع الحكومية في وقت يثير فيه متابعون لهذا الملف العديد من التساؤلات حول جدية الإجراءات المتخذة، لحد الساعة، ولماذا لم تطل مسؤولين من العيار الثقيل.
ونهاية الأسبوع الماضي، أصدرت محكمة الجنايات في العاصمة طرابلس عقوبات سجنية ضد 6 موظفين في القطاع المصرفي بعدما وجهت إليهم تهم تتعلق بـ "الفساد المالي".
ونهار أمس، أعلنت النيابة العامة، عبر صفحتها بموقع فيسبوك، عن إصدار أمر بإيداع موظف بأحد المستشفيات الحبس لارتكابه تجاوزات تخالف القواعد والضوابط المتعلقة بإدارة المال العام.
ملفات الفساد
وتعد هذه القضايا جزءا بسيطا من ملفات أخرى يجري التحقيق فيها، خاصة في السلك الدبلوماسي الذي توبع العديد من إطاراته، السنة الماضية، في قضايا مختلفة، قبل أن تصدر في حق بعضهم أوامر بالإيداع بالسجن.
ومؤخرا، أمرت النيابة العامة بحبس القائم السابق على سفارة البرتغال بالإضافة إلى المسؤول السابق عن المالية بذات السفارة للتهم ذاتها.
سلطة التحقيق تأمر بحبس مراقب الشأن المالي في مستشفى بئر الغنم القروي. تصّدت النيابة العامة لتجاوزات مالية منسوبة إلى...
Posted by مكتب النائب العام - دولة ليبيا Attorney General Office - State of Libya on Saturday, May 11, 2024
وأضحت ليبيا واحدة من أكبر البلدان الأفريقية التي تشهد انتشارا واسعا لمظاهر الفساد المالي، على خلفية الأزمة التي تعيشها منذ ما يزيد عن 12 سنة.
وحلت ليبيا في المرتبة 170 في مؤشر مدركات الفساد للعام 2023، وفق التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية التي أفادت بأن العديد من البلدان، من بينها ليبيا، لم تحرز أي تقدم يُذكر في مجال محاربة الفساد داخل القطاع العمومي.
خطوات ملموسة
رغم ذلك، يقول الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، مراد فهيد، إن "عملية مكافحة ممارسات الفساد في ليبيا صارت تشهد قفزات نوعية خلال المدة الأخيرة بدليل غزارة التحقيقات التي تقوم بها السلطات القضائية في مختلف مناطق البلاد".
ويضيف المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "صحيح أن العملية تسير بخطى بطيئة بعض الشيء لكننا نلمس تطورا ملفتا يعكس إصرار الجهات المسؤولة على مقارعة كل أشكال الفساد"، مشددا على أن "الأمر لا يتعلق بليبيا لوحدها، بل إن الفساد في القطاعات العمومية صار ظاهرة تنتشر في أغلب الدول".
واعتبر فهيد أن ما تعيشه ليبيا في الظرف الحالي يعد "أمرا عاديا"، كونها "تمر بمرحلة تحول ديمقراطي بعد سنوات طويلة عاشتها فيها تحت حكم العقيد معمر القذافي".
وتتهم العديد من الأطراف القضاء الليبي بالإبقاء على التحقيقات في حدود "الموظفين البسطاء"، دون أن تشمل المتابعات والتحقيقات المسؤولين الكبار أو الضباط النافذين، مثلما وقع في حادثة درنة عندما انحصرت المتابعات القضائية في حق مجموعة من الإطارات والمسؤولين المحليين.
ردا على ذلك، يقول المستشار القانوني مراد فهيد إن "الأمر ليس صحيحا ولا يطابق الواقع الليبي بدليل أن قرارات عديدة اتخذت في حق مسؤولين كبار في الدولة، كان آخرهم وزير النفط، نزولا عند تقارير صادرة عن جهات مختصة".
حدود التحرك
مقابل ذلك، يستبعد المستشار القانوني للمنظمة الليبية لحقوق الإنسان، أبو عجيلة علي العلاقي، أن "يتمكن القضاء الليبي من فتح تحقيقات مع مسؤولين كبار في الدولة على خلفية الوضع الراهن التي تعيشه البلاد".
وقال العلاقي في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "ليبيا تعاني من غياب سلطة موحدة وانعدام مؤسسات رسمية يمكنها القيام بهذه المهمة على أحسن وجه".
وأضاف المتحدث بأن "تركيبة الفساد المالي في ليبيا تسير من الأعلى إلى الأسفل، أي أن العديد من المسؤولين النافذين معنيون بالمسألة بالنظر إلى ما يشاع عن تصرفاتهم المخالفة للقانون، لكن رغم ذلك تجد النيابة العامة نفسها عاجزة عن إخضاعهم لأي تحقيق قضائي".
وأفاد المستشار القانوني للمنظمة الليبية لحقوق الإنسان بأن "المشهد الليبي يحمل العديد من المتناقضات في هذا المجال بسبب عدم استقلالية القضاء عن الأجهزة التنفيذية التي تحدد ميزانيته وتعين رجالاته رغم أن العديد من الأطراف فيها معنية بشكل مباشر أو غير مباشر بملفات الفساد".
واعتبر المتحدث ذاته بأن "المجتمع الدولي مسؤول بدوره عما يحدث في ليبيا في ظل إصرار بعض الدول على التعامل مع شخصيات متورطة في قضايا المخدرات وتهريب العملات وغيرها من التجاوزات الأخرى".
- المصدر: أصوات مغاربية
