جددت الاحتجاجات المتواصلة للأساتذة بالمغرب والتي تتخللها إضرابات تتراوح بين ثلاثة وأربعة أيام في الأسبوع منذ أزيد من ثلاثة أشهر، الجدل والتساؤلات بشأن أسباب تأخر مشروع القانون المنظم لممارسة حق الإضراب بعد إحالته على البرلمان منذ سنوات.
وأعلنت خلال الأسبوع الجاري عدد من النقابات والتنسيقيات عن إضرابات جديدة في قطاعات مهمة كالتعليم والصحة والجماعات الترابية (البلديات)، من بينها "النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة" و"التنسيق النقابي لقطاع الجماعات الترابية".
ويأتي تجدد الجدل حول القانون التنظيمي للإضراب بعد نحو سنتين على توقيع الحكومة مع النقابات الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب على ميثاق الحوار لاجتماعي الذي من بين التزاماته "العمل على إخراج القانون التنظيمي المتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب إلى حيز الوجود، قبل نهاية الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية للولاية التشريعية الحالية (يناير 2023)".
وتثير عدد من مضامين مشروع القانون الذي أحيل على البرلمان سنة 2016 خلافات بين النقابات والحكومة وهو ما أدى إلى تعثر صدوره علما أن الفقرة الثانية من الفصل 29 من دستور 2011 تنص على أن "حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته"، وهي الصيغة نفسها تقريبا التي تكررت في جميع دساتير المغرب منذ 1962.
"خلط وسوء تقدير"
وتعليقا على الموضوع، يعزو أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في كلية الحقوق بوجدة (شرق المغرب)، بنيونس المرزوقي، سبب تأخر إصدار القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب إلى "أمرين رئيسيين أولهما الخلط الحاصل في فهم حق الإضراب والزج به في متاهة الحديث عن حرية العمل وهي مغالطة يجب تجاوزها".
ويضيف المرزوقي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "السبب الثاني يعود إلى سوء تقدير ظرفية صدور هذا النص القانوني"، مفسرا أنه "خلال دساتير ما قبل 2011 كان العمل النقابي قويا فتم تأخير صدور قانون الإضراب إثر ربطه بتحديث قانون النقابات مما أخر صدورهما معا".
ويسجل المرزوقي أنه "مع دستور 2011 انفلتت الأمور من أيدي النقابات والمشغلين وأصبح الإضراب وسيلة أساسية بأيدي التنسيقيات التي تعمل خارج العمل النقابي مما يجعل المغرب اليوم أمام مرحلة ينبغي فيها التفكير بجدية في إصدار قانون الإضراب"، مقترحا "التركيز فيه على الشروط والإجراءات دون محاولة مناقشة مفهوم الإضراب في حد ذاته".
"إضرابات قطاع التعليم"
ومن جانبها، توضح النائبة البرلمانية عن حزب الاستقلال (حكومي)، خديجة الزومي، بشأن تأخر إصدار قانون الإضراب بأن "الحكومة عقدت اجتماعات كثيرة بحضور جميع النقابات لإخراج هذا القانون في إطار الحوار الاجتماعي"، مستدركة أن "الحوار توقف بسبب مناقشة قانون المالية والإضرابات التي يشهدها قطاع التعليم".
وتتابع الزومي حديثها لـ"أصوات مغاربية" موضحة أن "الحوار الاجتماعي حول هذا القانون عرف تقدما على مستوى النقاش مع النقابات إلا أنه لم يتم الاتفاق على نص معين"، مؤكدة أن "النقاش حاليا منصب على إصدار النظام الأساسي الجديد الخاص بموظفي التعليم".
وتبرز الزومي، وهي أيضا قيادية في "الاتحاد العام للشغالين" (نقابة) بالمغرب، أن "الإضراب حق دستوري إلا أنه يبقى بمعنى فضفاض في غياب قانون تنظيمي يحدد من يدعو له ومن أين يبدأ ومن يعوض عنه"، مشددة على "ضرورة إصداره بغض النظر عما يقع في الشارع".
"رفض نقابي"
ويرى من جهته، النقابي والكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، علي لطفي، أن تأخر إصدار قانون الإضراب "يرجع لأسباب متعددة من بينها رفض المركزيات النقابية لمشروع القانون التنظيمي للإضراب بصيغته الحالية بالبرلمان"، مسجلا أن "هذه الصيغة بها تجاوزات خطيرة وستكبل ممارسة حق الإضراب من طرف الطبقة العاملة".
ويعت لطفي في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "الحكومة تسرعت في وضع مشروع قانون لتنظيم الإضراب قبل تنظيم المجال النقابي"، مشددا على "ضرورة إصدار قانون النقابات قبل الحديث عن تنظيم الحق في ممارسة الإضراب الذي ظل معلقا لأزيد من عشر سنوات".
وبشأن تداعيات غياب قانون تنظيمي للإضراب، ينفي المتحدث ذاته "تأثيره على المجال النقابي بالمغرب أو على مستوى ممارسة هذا الحق لأن الإضراب حق دستوري لا يتعلق بنقابة أو تنسيقية بل مكفول لجميع المواطنين ولا يمكن حصره على الأجراء والعمال".