يتواصل النقاش في الجزائر حول أسباب ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية، واسعة الانتشار خلال شهر رمضان في الوقت الذي كان يُتوقع أن تنخفض الأسعار بالنظر إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات قبيل رمضان وبالنظر إلى تطبيق قانون مكافحة المضاربة والاحتكار الذي يتضمن عقوبات مشددة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الجزائري سهيل مداح أن العام الحالي يشهد "ارتفاعا غير معقول لأسعار بعض المواد الاستهلاكية" وهو ما يرجعه إلى عدة عوامل بينها ما يرتبط بسلوك المستهلكين خلال شهر رمضان، محملا أيضا المسؤولية في هذا الوضع لـ"بعض التجار الذين تعمدوا رفع الأسعار" إثر الزيادة في الأجور.
إليكم نص الحوار:
تشهد الأسواق الجزائرية ارتفاعا في أسعار مواد غذائية تزامنا مع شهر رمضان، كيف تفسرون ذلك؟
أي نشاط تجاري في العالم يخضع لقانون الطلب والعرض. ففي الكثير من الحالات الطبيعية تتأثر أسعار المنتوجات بسبب تراجع المعروضات في الأسوق وزيادة الطلب عليها كما يحدث عادة في رمضان.
لكن هذا العام نحن أمام وضعية أخرى تتميز بارتفاع غير معقول لأسعار بعض المواد الاستهلاكية، بحيث يمكن أن نفسر ذلك على أساس تغير سلوك المستهلك الجزائري في شهر رمضان والذي قد يشكل حافزا قويا لبعض التجار حتى يقوموا برفع ثمن البضائع، لكن في نظري ذلك لا يكفي لتفسير ما يجري حاليا في الأسواق المحلية.
أرى أن الظاهرة ترتبط أيضا بقرار السلطات المحلية الزيادة في أجور العمال والمتقاعدين، بالإضافة إلى عوامل أخرى تعود بالأساس إلى عدم التحكم الجيد في السلسلة الممتدة بين مرحلة الإنتاج والتسويق.
من يتحمل في رأيكم مسؤولية هذا الوضع؟
هذا الواقع تتحكم فيه مجموعة من العناصر، لكن أنا أحمل المسؤولية مباشرة لبعض التجار الذين تعمدوا رفع أسعار بعض المنتوجات مباشرة بعدما دخل قرار الزيادة في الأجور حيز التنفيذ.
علينا ألا ننسى أن حملة رفع أسعار بعض المنتوجات الغذائية بدأت مع شهر مارس وهي نفسها الفترة التي شرعت فيها السلطات في تطبيق الإجراءات المتعلقة بمراجعة أجور الموظفين والمتقاعدين.
هناك عامل آخر مهم أيضا يتعلق بالطلبات المبالغ فيها على بعض المنتوجات في شهر رمضان، وهو سلوك استهلاكي غير مبرر يساهم أيضا في بروز ظاهرة أخرى نسميها في العلوم الاقتصادية "مخازن الحرب"، حيث يلجأ بعض التجار إلى احتكار المواد التي يكثر عليها الطلب في السوق، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها كذلك.
كيف تفسرون استمرار هذه الممارسات في ظل تطبيق قانون مكافحة المضاربة والاحتكار؟
هذا القانون جاء لتصحيح تجاوزات عديدة كانت منتشرة في النشاط التجاري والأسواق المحلية، لكن المؤكد أنه لا يوجد قانون مثالي بإمكانه أن يقضي على جميع الظواهر السلبية بسرعة كبيرة كما يعتقد البعض.
القانون الجديد فرض على جميع التجار مبدأ الشفافية في معاملاتهم من خلال التقيد بالفواتير بهدف حماية المواد الغذائية المدعمة التي قامت الحكومة بتسقيف أسعارها، وهو عامل قد يكون ساهم في بروز اضطرابات جانبية ساهمت بدورها في ارتفاع الأسعار.
أعلنت الحكومة، مؤخرا، عن قرار يتعلق برقمنة عملية إنتاج وتسويق بعض المواد الغذائية من أجل التحكم في السوق المحلية، هل ترون أنه من الممكن تحقيق ذلك في شهر رمضان؟
لا أعتقد أنه من الممكن التحكم في الاضطرابات التي تشهدها أسعار بعض المواد الغذائية في الجزائر بشكل آني ومستعجل.
إعادة تنظيم النشاط التجاري يحتاج إلى مراجعة جذرية تبدأ بوضع برنامج وطني شامل وآليات عملية لتنفيذه، وهذا الأمر يتطلب بعض الوقت.
احتفل العالم، الأربعاء، باليوم الدولي للتعليم الذي يصادف الرابع والعشرين من يناير من كل سنة، وهي مناسبة تم إقرارها من طرف منظمة الأمم المتحدة عام 2018 احتفاء بدور التعليم في السلم والتنمية.
في سياق هذه المناسبة، يتحدث الخبير التربوي ورئيس "الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم"، عبد الناصر ناجي، عن وضعية التعليم بالمغرب وتداعيات الاحتجاجات التي شهدها القطاع في الأشهر الأخيرة، وتقييمه لخطط الحكومة لتحسين منظومة التعليم.
رئيس الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم عبد الناصر ناجي
نص المقابلة:
احتفل العالم الأربعاء، باليوم الدولي للتعليم، في سياق هذه المناسبة، كيف ترون واقع التعليم بالمغرب؟
لقد عمل المغرب منذ سنوات على تحسين وضعية التعليم من خلال مجموعة من الإصلاحات كان آخرها الرؤية الاستراتيجية 2030 التي تنسجم مع أهداف التنمية المستدامة الشيء الذي مكن من الرفع من نسب التمدرس بشكل ملموس خاصة في التعليم الابتدائي الذي بلغ 100 بالمائة.
لكن لا تزال هناك إشكالات عميقة على مستوى الجودة تتجلى أساسا في الانقطاع عن الدراسة الذي شمل هذه السنة 350 ألف تلميذ، وفي نسب التكرار المرتفعة التي تكاد تصل إلى الربع في التعليم الإعدادي، بالإضافة إلى العدد المهول من المتعلمين الذين لا يتمكنون من الحد الأدنى للكفايات في جميع أسلاك التعليم والذين لا تقل نسبتهم عن ثلاثة أرباع.
وعموما يمكن أن نلخص الوضعية بمؤشر دال يعتمده البنك الدولي والمتمثل في عدد سنوات التمدرس المعدلة بجودة التعلمات التي لا تتجاوز 6 سنوات ونصف بدل أن تعادل أكثر من 11 سنة.
شهد الموسم الدراسي الحالي احتجاجات للأساتذة استمرت عدة أشهر. أي تداعيات في رأيكم لهذه الاحتجاجات على التحصيل الدراسي للتلاميذ؟ وما الحلول التي تقترحونها لإنهاء هذه الأزمة؟
إن التلميذ الذي لا يذهب إلى المدرسة لمدة تزيد عن 3 أشهر يعاني أولا من تآكل واضح لرصيد التعلمات الذي كان لديه قبل توقف الدراسة، ويتعرض ثانيا للحرمان من التحصيل الدراسي الذي كان من المفروض أن يستفيد منه هذه السنة وهو بذلك يوجد في حكم المنقطع عن الدراسة وفي وضعية أسوأ من وضعية كوفيد 19 التي عرفت على الأقل استفادة التلاميذ من حصص التعليم عن بعد.
ومعروف حسب الدراسات الدولية أن جائحة كورونا أدت إلى ما سمي بـ"الفاقد التعليمي" الذي قدر في المغرب بحوالي 6 أشهر من التعلمات، وقياسا على ذلك يمكن الجزم بأن توقف الدراسة بسبب إضراب الأساتذة ترتب عنه "فاقد تعليمي" يتعدى 6 أشهر.
وإذا كانت الاحتجاجات مشروعة وتدخل ضمن الحقوق الدستورية فإن ممارسة الحق في الإضراب ينبغي أن يكون مقننا وهو ما يحتم على الحكومة التسريع بإخراج قانون الإضراب إلى جانب إصدار قانون النقابات لتنظيم الحقل النقابي، بما يضمن الحقوق النقابية من جهة ويتفادى التجاوزات التي قد تؤدي إلى إساءة استعمال هذه التجاوزات وبالتالي الإضرار بحقوق الآخرين خاصة المتعلمين الذين يعتبرون الضحية الأولى لإضراب الأساتذة في ظل تماطل الحكومة في الاستجابة للمطالب المشروعة لرجال ونساء التعليم.
كثيرا ما يثار نقاش حول الفروق بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، وهو ما برز بشكل أكبر مؤخرا في ظل الاحتجاجات التي كانت المدرسة العمومية المتضرر الأول منها، ما تعليقكم على هذا النقاش؟
لم تتوقف الدراسة في المدرسة الخصوصية مما زاد من الهوة بينها وبين المدرسة العمومية، هذه الهوة بلغت حسب البرنامج الوطني للتحصيل الدراسي في المتوسط 30 نقطة في السنة السادسة من التعليم الابتدائي و60 نقطة في السنة الثالثة من التعليم الإعدادي، ووصلت إلى ذروتها بـ82 نقطة في اللغة الفرنسية، بينما كان الفارق في هذه المادة نفسها 33 نقطة في عام 2016 على مستوى الجذع المشترك.
إن الاختلاف في الأداء بين المدارس العمومية والمدارس الخصوصية موجود أيضا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ففي المتوسط كان أداء التلاميذ في المدارس الخاصة أفضل في القراءة من زملائهم في المدارس العمومية بحسب برنامج التقييم الدولي للتلاميذ "بيزا 2018"، وقد تراوح الفارق الإجمالي في النقاط لصالح تلامذة المدارس الخاصة من 19 نقطة في كوريا إلى 102 نقطة في البرازيل.
أما في المغرب وفق هذا البرنامج ذاته، فقد بلغ هذا الفارق 35 نقطة وهو رقم غير بعيد عما كشف عنه البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات لسنة 2019، لكن بعد مراعاة الوضع الاجتماعي والاقتصادي للتلامذة والمؤسسات التعليمية، أصبحت نقط التحصيل الدراسي في المدارس العمومية أعلى منها في المدارس الخاصة، وذلك في المتوسط العام لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحيث بلغ الفارق 14 نقطة لصالح المدارس العمومية.
وفي المغرب أيضا بلغ هذا الفارق 40 نقطة لصالح المدارس العمومية، بحيث إذا ألغينا تأثير العوامل الاجتماعية فإن التعليم العمومي يصبح أداؤه أفضل من التعليم الخاص، وهذا يعني أن نجاح القطاع الخاص يرجع أساسا إلى طبيعة الفئات الاجتماعية التي ترتاده، وهي أفضل حالا بشكل عام من تلك التي تلتحق بالمدارس العمومية، دون أن ننسى أن ارتياد التعليم الخاص يظل مشروطا بانتقاء أفضل التلامذة مما يزيد من حظوظ تفوقه على التعليم العمومي.
ما هو تقييمكم لخطط الحكومة الهادفة إلى تحسين منظومة التعليم؟
أولا على مستوى المخرجات، لم تتمكن الحكومة الحالية من تقديم منجزات نظرا من جهة لتأخرها لمدة سنة في الإعلان عن خطتها في تحسين المنظومة التربوية والمتمثلة في خارطة الطريق، ومن جهة أخرى لاعتمادها المفرط على منطق تجريب كل شيء وهو ما يؤدي إلى تأخر شديد على مستوى الإنجاز، دون أن ننسى الاضطرابات التي عرفها قطاع التعليم هذه السنة بفعل احتجاجات الأساتذة.
أما على مستوى منهجية الاشتغال فيمكن إبداء ملاحظتين، الأولى تتعلق بتركيز الحكومة على التعليم الأولي والتعليم الابتدائي مع الاقتصار على تحسين التعلمات الأساس وهو ما سيحرم باقي أسلاك التعليم من الاهتمام الحكومي الشيء الذي سينعكس بالضرورة على تطوير هذه المستويات التعليمية.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بتخلي الحكومة عن مرجعية الإصلاح المتجسدة في الرؤية الاستراتيجية وفي القانون الإطار للتعليم مما يجعلها خارج الشرعية القانونية التي يمثلها هذا القانون الذي وضع لأول مرة في تاريخ الإصلاح التربوي في المغرب لتفادي كل نكوص حكومي محتمل عن المرجعيات الإصلاحية، وهو الهدف الذي لم يتحقق لحد الآن بعد أن اختارت الحكومة عدم تحويل القانون الإطار إلى نصوص تشريعية وتنظيمية تضمن استمرارية الإصلاح واستدامته بغض النظر عن اختلاف المرجعيات السياسية للحكومات المتعاقبة.
في سياق الحديث عن الإصلاح، كيف يمكن في رأيكم الاستفادة من الطفرة الرقمية لتجويد قطاع التعليم؟
في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد من الممكن الاستغناء عن التكنولوجيات الرقمية في مجال التعليم، لكن الاستفادة المثلى من الطفرة الرقمية يقتضي العمل على تمكين المتعلمين من الاعتماد أكثر فأكثر على أنفسهم واكتساب مهارات التعلم الذاتي مع الثقة أكثر في استخدام التكنولوجيا الرقمية.
لقد سجل البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ "بيزا 2022" اختلافات كبيرة بين البلدان من حيث ثقة التلامذة في قدرتهم على التعلم الذاتي من خلال استثمار التكنولوجيا الرقمية ذاتيا، وعلى هذا المستوى فإن حوالي 50٪ فقط من التلاميذ المغاربة يشعرون بالثقة أو الثقة الكبيرة في استخدام برنامج الاتصال المرئي، بينما في كرواتيا وإستونيا وإيطاليا وليتوانيا والبرتغال والسويد تصل هذه النسبة إلى 84٪.
إلى جانب ذلك ينبغي الاستعداد بشكل أكبر لتبني نظم التعليم عن بعد وتأهيل المدرسين والمتعلمين لذلك، بينما يعتقد مديرو المؤسسات التعليمية ليس في المغرب فقط بل حتى في فرنسا واليونان وإيسلندا بأن مدارسهم غير مهيأة لهذا التحول الذي يمر بالضرورة عبر تجهيز المؤسسات التعليمية بالمعدات الرقمية وتأهيل المدرسين والمتعلمين لكي يتمكنوا من الاستخدام البيداغوجي لهذه التكنولوجيات الحديثة مع العمل على تفادي كل الانعكاسات السلبية المحتملة على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية.