Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

 بنجامين كلود بروير المؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ الجزائر الاستعماري (1830-1962)
بنجامين كلود بروير المؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ الجزائر الاستعماري (1830-1962)

في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يتحدث المؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ الجزائر الاستعماري (1830-1962)، بنجامين كلود بروير، عن أسباب التوتر الدائم في العلاقات الفرنسية الجزائرية، بالإضافة إلى سبب رفض فرنسا الاعتذار لهذا البلد المغاربي، ورأيه في تقرير المؤرخ، بنجامين ستورا، حول حرب الجزائر.

نص المقابلة: 

كمؤرخ متخصص في تاريخ الجزائر الاستعماري (1830-1962)، لماذا لا يزال هذا الإرث حاضرا كعقبة كأداء في العلاقات الفرنسية الجزائرية؟

أعتقد أن الأسباب كثيرة، لكن بعضها راجع إلى السردية التاريخية المختلفة بين البلدين. فالرواية الفرنسية لهذا التاريخ مختلفة عن المنظور الجزائري لما حدث. وفي الواقع، فإن هذا الاختلاف أو الانحراف في الروايتين بدأ منذ استقلال الجزائر. 

فالجانب الفرنسي ينظر إلى ما حدث باعتباره هزيمة فادحة وخسارة لجزء من الأراضي الفرنسية. وبينما قد يظهر هذا الأمر عادياً للناس عامة، إلا أنه مهم جدا لأن الفرنسيين لم يكونوا ينظروا إلى الجزائر كما كانوا ينظرون إلى تونس أو المغرب أو أي مستعمرة أخرى. لقد كانت الجزائر بالنسبة لهم جزءا لا يتجزأ من فرنسا. وهذا الأمر يتّضح من خلال النظر إلى الأعداد الهائلة للفرنسيين الذين كانوا يقطنون بالجزائر حينها. وفي 1962، انتهت حياتهم وامتيازاتهم وتاريخهم بهذا البلد. اليوم، هؤلاء يُعتبرون قوة سياسية حقيقيّة (مدعومة من فئة الحركي واليمين المتشدد)، ودورهم حاسم في العلاقات بين البلدين. 

من جانب آخر، الجزائر لديها رواية رسمية معتمدة لما وقع. بطبيعة الحال، انتصروا في حرب التحرير وهذا الأمر متفق عليه، لكن تفاصيل ما وقع بالضبط بين الخمسينات والستينات موضوع خلافات. ولأن الطبقة الحاكمة حاليا تستلهم رصيدها السياسي من تلك المرحلة، فإن روايتها تتماهى مع مصالحها.  

وبلا شك، فإن الشعب الجزائري هو من يمتلك رصيد تحرير البلاد وليس فئة خاصة من الزعماء الذين اختطفوا هذه الإرث لمدة طويلة. وأعتقد أن حراك 2019 كان يحاول استعادة هذا الرصيد لصالح الشعب.

الاختلاف في سرد ما وقع ما يزال يسمّم العلاقات بين البلدين كما ذكرت، لكن البعض قد يتساءل لماذا تجد فرنسا صعوبة شديدة في الاعتذار للجزائر حتى في ظل رئيس (إيمانويل ماكرون) حريص جدا على فتح صفحة جديدة؟ 

قضية الاعتذار استبعدها التقرير الذي قدمه المؤرخ، بنجامين ستورا، إلى إيمانويل ماكرون قبل عامين.

 برأيي، فإن الاعتذار الفرنسي للجزائر سيحلّ العديد من المشاكل بين البلدين لطي صفحة الماضي. لكن على المستوى السياسي، فإن هذا الأمر قد لا يكون ممكنا في المناخ السياسي الحالي بفرنسا، فإذا أقدم ماكرون على هكذا خطوة، فإنه يجب عليه أن يكون مستعدا لحرق كل أوراقه ليس فقط مع اليمين المتشدد وإنما أيضا مع يمين الوسط.

 إذن، قضية الاعتذار مسألة تتجاذبها الرياح السياسية في فرنسا. 

ذكرت تقرير بنجامين ستورا - وهو من مواليد الجزائر في 1950 - وأودّ أن أسألك على السبب الذي جعل عديداً من المؤرخين ينتقدون مضامينه؟ 

تقرير ستورا تعتريه الكثير من المشاكل، فالتقرير أحادي الجانب، ليس فقط لأنه لم يضم منظور مؤرخين من الضفة الأخرى، وإنما لأنه استثنى مؤرخين ضالعين في تاريخ الجزائر من ألمانيا وبريطانيا واليابان ومن جنسيات أخرى.  

بالإضافة إلى ذلك، فإنه تحدّث عن قضية الاعتذار مستبعدا إياها بالحديث عن الاستعمار الياباني لكوريا وجهود الجانبين لطي الصفحة، لكنه في الوقت نفسه تجاهل ذكر اعتذار قدمته فرنسا (تحت قيادة الرئيس الأسبق، جاك شيراك) لضحايا المحرقة بسبب تورط باريس في الهولوكوست.

 أعتقد أن اعتذار شيراك مثال يحتذى به، ولا يجب تجاهله في الحالة الجزائرية. 

هل تعني أن التقرير منحاز؟

أكتفي بالقول إن التقرير سياسي كُتب للساسة الفرنسيين في سياق سياسي فرنسي وليس تقريرا موجهاً للمؤرخين.   

في كتابك "صحراء تسمى السلام: عنف الإمبراطورية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، 1844-1902"، ذكرت أن العنف الاستعماري الفرنسي أباد حوالي 825 ألف جزائري خلال الـ 45 عاما الأولى من الاحتلال، ومات عدد مماثل في المجاعات والأوبئة. لماذا كانت الجزائر استثناء بهذا العدد الهائل من الضحايا حتى قبل اندلاع الثورة؟ 

الجيش الفرنسي حلّ بالجزائر وفي جعبته خبرة في الاحتراب والمعارك الواسعة التي بدأت منذ حملات نابليون بونابرت. لقد تعلّم هذا الجيش أسلوب الفتك بالمدنيين مستخدما ما يسمى باستراتيجية "الاشتباك غير المتكافئ" (Asymmetric warfare) في معارك بإسبانيا وجنوبي فرنسا وإيطاليا. وفي الجزائر، تم توظيف أدوات الرعب والمجاعة وكل صنوف الحرب القذرة المنفصلة عن الأعراف وقوانين الحروب. 

من جانب آخر، فإن الاستعمار اتخذ أسلوب الغزو المباشر من دون إشراك الحكام المحليين أو الناس بصفة عامة. كان شعار باريس وضباط الجيش: "نحن هنا بحقّ قُدرتنا على الغزو". 

اليوم، الكثير من الناس ينظرون إلى تلك المرحلة ثم يقولون "طبعا كانت حقبة استعمارية، والعنف جزء من المعادلة"، لكن عندما تأتي إلى السياق الجزائري فإن العنف طبع كل مناحي الحياة في البلاد. إذن، السيادة الفرنسية في الجزائر كانت تقف على أسس العنف الشديد. 

تشتغل أيضا على كتاب آخر يحمل عنوان "الجزائر بأسماء أخرى: العنف الرمزي خلال الاستعمار". ماذا يجعل هذا العمل مختلفا عن كتبك وأبحاثك السابقة؟ 

الكتاب الأول اهتم بجرد العنف المادي الممارس في الجزائر، مثل المجازر، لكن الكتاب الجديد يركز على العنف المعنوي المكرس في اللغة والتقاليد والعادات وغيرها. وعلى سبيل المثال، فإن الجزائريين جُرّدوا من أسمائهم العربية والأمازيغية والإسلامية وتم إقحامهم في النموذج الفرنسي الخاص بالاسم العائلي والشخصي الذي جاءت به الثورة الفرنسية.

الكتاب يجرد أيضا تمظهرات العنف المعنوي الذي غالبا ما تُغطّيه بشاعة العنف المادي.

 

المصدر: أصوات مغاربية

 

مواضيع ذات صلة

الأمين العام للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، محمد محمود عبد الجليل
الأمين العام للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، محمد محمود عبد الجليل،

في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يردّ الأمين العام للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان (غير حكومي)، محمد محمود عبد الجليل، على تأكيد الحكومة الموريتانية خلال ملتقى أممي في سويسرا "المضي قدما في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على جميع المستويات"، مشيرا إلى جملة من التحديات التي ما تزال تواجه هذا البلد المغاربي في المجال الحقوقي. 

وركز محمد محمود عبد الجليل على قضايا أبرزها استمرار الرق والعبودية في "المناطق الداخلية" (الأرياف) وملاحق النشطاء والمدونين، بالإضافة إلى تعثر تشريعات متعلقة بحماية النساء من العنف.

نص الحوار: 

 خلال ملتقى أممي بمناسبة مرور 75 سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تحدث مفوض حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، الشيخ احمدو ولد أحمد سالم ولد سيدي، عن جهود موريتانيا في مجال حقوق الإنسان، مؤكدا عزم البلاد "المضي قدما في جهود تعزيز وحماية حقوق الإنسان". ما تعليقك؟

لا تزال القضايا الكبرى التي تمثل مرتكزات حقوق الإنسان تراوح مكانها، بل شهدت تراجعا كبيرا في مجالات عدة، نذكر منها على سبيل المثال ما يتعلق بالحريات العامة. وقد وقع تراجع في الترسانة القانونية من خلال سن قوانين تمثل انتكاسة في مجال حرية التعبير على وجه الخصوص.

كما وقعت أيضا انتهاكات تمثلت في قمع التظاهرات السلمية وأيضا انتهاكات كان آخرها القتل العمد، الذي تعرّض له الناشط الحقوقي الصوفي ولد الشين.

علاوة على كل ذلك، هناك ملفات كبرى على غرار ملف الرق وملف الإرث الإنساني، وكلها ملفات تمثل تحديا كبيرا فيما يتعلق بالتأخر في مجال حقوق الإنسان في موريتانيا.

وسبب هذا الوضع هو أن المعالجات كلها قاصرة وجانبية ولم تعالج جوهر المشكل، ولأن القائمين على الملف الحقوقي في البلاد جهات رسمية تعمل لوحدها دون شراكة مع الفاعلين في مجال المجتمع المدني ويعملون بلا استراتيجية مع الشركاء الوطنيين، بل هناك تجاهل تام للتقارير التي نقدمها في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان.

بالإضافة إلى موضوع العبودية وحقوق المرأة والتعبير، ما هي بعض المجالات التي تركزون عليها أيضا في هذه التقارير والتي تقولون إنها تتعرض لهذا "التجاهل"؟

نحاول وضع لبنة قوية تمثل حجر أساس لملف حقوق الإنسان سواء في ما يتعلق بدولة القانون والحكامة الرشيدة وسواء في ما يتعلق بدولة المؤسسات والفصل بين السلطات والتأسيس لسلطة قضائية تمثل روح القانون، وأيضا ما يتعلق بالتوثيق في الحالة المدنية، وهي مشكلة ما تزال تواجه موريتانيين، إذ يعجزون عن استخراج الأوراق الثبوتية.

العام الماضي، ذكر تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية وجود قيود على حرية التعبير والإعلام، وفي الأشهر الأخيرة كانت هناك أيضا ملاحقة لمدونين. لماذا ما تزال هناك ملاحقات من هذا النوع رغم وجود قوانين لحماية هذه الحريات؟ 

الإشكال متعلق بالإرادة السياسية، حتى الآن لا توجد إرادة سياسية للتغلب على النواقص المتعلقة بحقوق الإنسان بشكل عام، وملاحقة المدونين والنشطاء مثال حيّ على ما نَصِفُه في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان بالانتكاسة. 

وعلى سبيل المثال، قانون حماية الرموز في البلاد هو تشريع مُسلط على حرية التعبير ورقاب النشطاء السياسيين. وفي المجمل، نؤكد أن التراجع في المكتسبات الحقوقية يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الإرادة السياسية للمضي قدما في معالجة هذه الملفات. 

بالإضافة إلى ذلك، تقف أيضا المنظومة التقليدية أمام حماية حريات الأشخاص الذين يلجؤون إلى القضاء، وهذا أيضا يتحمل النظام السياسي الحالي المسؤولية فيه، لأنه هو الحامي للدستور والحقوق، ومنوط به إنقاذ القانون. 

في سبتمبر الماضي، تعطل مجددا صدور مشروع قانون لمحاربة العنف ضد النساء يحمل اسم "كرامة" بعد أن أثار جدلا واسعا، بين من يرى أنه يشكل "تراجعا من الحكومة عن قوانين البلد المحافظة"، وآخرين يعتبرونه "فرصة لحماية النساء". ما رأيك في هذا الجدل وتعطل صدور القانون؟

في المرصد، نعتبر أن المرأة الموريتانية بحاجة إلى قانون يحميها من الغطرسة والظلم الذي تتعرض له، كما نرى أن القانون يجب أن ينطلق من قيم المجتمع وألا يتعارض مع الدستور الموريتاني. وبالتالي، نعتبر أن مشروع القانون جيد في مجمله بالرغم من الحاجة إلى بعض التعديلات حتى يكون موائما لروح الدستور.

للأسف، تعرض هذا التشريع للكثير من التشويه والحملات المضادة، لكن نعتبر أنه إذا تمت الموافقة عليه من قبل الهيئات الدينية الشرعية ينبغي أن يُصادق عليه ومن ثم تطبيقه. رغم ذلك، فنحن في موريتانيا نواجه مشكلة أخرى وهي تطبيق وإنفاذ هذه الترسانة القانونية بعد سنّها. 

بالرجوع إلى المسألة العرقية في البلاد، كيف تُقيم الجهود الرسمية في مجال محاربة الرق والتمييز ضد أبناء الأرقاء السابقين؟ 

كما ذكرت لك، فإن للبلاد قوانين جيدة في مجال محاربة العبودية واستحدثت أيضا محاكم خاصة بملف الرق، وهيئات متخصصة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة، لكن كل ذلك معالجات شكلية لم تتناول الموضوع بعمق، لأن المؤسسات المشرفة على الملف تعاني من اختلالات كبيرة وسوء تسيير. 

مع الأسف، ما تزال توجد في موريتانيا بعض الحالات التي يمكن وصفها بحالات عبودية، بل أثبتت محاكم وجود حالة رق في مناطق ريفية، لكن حتى الآن عمل هذه المحاكم من دون المستوى المطلوب، وتحديات المجتمع التقليدي ما تزال تقف عائقا في وجه إنفاذ القانون أمام مرتكبي جرائم العبودية.

المصدر: أصوات مغاربية