جانب من المشاركين في اللقاء
جانب من المشاركين في اللقاء

قال دبلوماسيون وخبراء أميركيون إن اتفاقيات أبراهام، التي وقعتها إسرائيل مع دول عربية برعاية أميركية قبل نحو 3 سنوات، حققت مكاسب "استثنائية" ونجحت في خلق نموذج من التكامل والتعاون الإقليمي بين الدول الموقعة.

جاء ذلك في لقاء احتضنته العاصمة الأميركية واشنطن، الأربعاء الماضي، ونظمه المجلس الأطلسي الأميركي ومؤسسة "جيفري إم تالبينز" وخُصص للاحتفال بمرور ثلاث سنوات على تطبيع دول عربية، بينها المغرب، علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.

وأجمع المشاركون على أن الاتفاق الإبراهيمي نجح أيضا في تعزيز العلاقات العسكرية والأمنية بين إسرائيل والدول الموقعة، وأنه ساهم في تحقيق الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في هذا الحوار، يتحدث ويليام ويشسلر، كبير مديري مشروع "N7"، (مبادرة تسعى لتعزيز التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والدول الموقعة على اتفاقية أبراهام)، والنائب المساعد السابق لوزير الدفاع الأميركي للعمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، عن حصيلة ثلاث سنوات من اتفاقيات أبراهام وعن مكاسب المغرب منها، كما يتحدث عن إمكانية توسيعها لتشمل باقي بعض دول المنطقة.

نص المقابلة:

  • حلت أمس (15 سبتمبر) الذكرى الثالثة لتوقيع اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ما تقييمك للحصيلة؟

أرى أن من أهم النتائج التي حققتها هذه الاتفاقيات هو الجو الذي خلقته في المنطقة، فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصنفان كأقل مناطق العالم من حيث التكامل الاقتصادي، وفي حال تحركت العجلة الاقتصادية في المنطقة ونجحت في استقطاب الاستثمارات فالأكيد ستكون دول المنطقة أكثر ثراء وسيتحسن حال شعوبها للأفضل.

لكن الدينامية التي رأينها في السنوات الثلاث الماضية فتحت حقا الكثير من الأمل في مستقبل أفضل للمنطقة، بحيث ساهمت هذه الاتفاقيات في الرفع من حجم الاستثمارات بين الدول الموقعة وانتعشت التجارة والسياحة في هذه الدول ورأينا كيف ساهمت هذه الاتفاقيات في توطيد الروابط بين المؤسسات التعليمية والثقافية.

ومع ذلك فالطريق أمامنا ما يزال طويلا ونحتاج إلى بدل المزيد من الجهود لتحقيق المزيد من الأهداف، ونطمح مع مرور الوقت أن يشعر المواطن العادي في المغرب وفي الإمارات والبحرين ومصر والأردن وبالطبع الفلسطينيون أنفسهم بأن التطبيع نجح في خلق تكامل إقليمي وغير حياتهم كأشخاص نحو الأفضل وبات بإمكان أطفالهم أن يحصلوا على فرص أفضل وربما بات بإمكانهم شراء منتوجات لم تكن متاحة في متاجر دولهم.

  • إلى جانب هذه المكاسب، هل كانت هناك تحديات أو أهداف فشل الاتفاق في تحقيقها؟

بعد إعلان عن توقيع الاتفاق بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل انبرى البعض إلى التشكيك في الاتفاق وفي قدرته على الصمود في حال وقع نزاع في قطاع غزة، وحدث هذا ولم يتأثر الاتفاق ولم يلغ.

هناك بالطبع تحديات تواجه الحكومات المعنية بالاتفاق، وهي تحديات داخلية تشغل المواطنين في كل بلد ويراها المواطنون أولوية بالنسبة إليهم، ففي المغرب مثلا، حيث قلوبنا مع ضحايا الزلزال، المواطنون يرون في مجابهة الزلزال أولوية بالنسبة إليهم.

وليام ويشيلير، كبير مديري مشروع "N7". المصدر: المجلس الأطلسي الأميركي

ولكن ما لم نره هو التراجع عن هذه الاتفاقيات أو الخروج منها، على العكس من ذلك، ما نراه هو اتجاه بلدان أخرى للانضمام إلى الاتفاق، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية التي تجري في الوقت الحالي محادثات على أعلى مستوى مع الولايات المتحدة حول الظروف والاتفاقات التي يتعين التوافق بشأنها من أجل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

استأنف المغرب وإسرائيل علاقاتهما الدبلوماسية في ديسمبر عام 2020 كجزء من اتفاقيات أبراهام، ما تقييمك لدور المغرب في هذا الاتفاق؟

ما يميز المغرب عن غيره من الدول الموقعة على الاتفاق هو بالطبع عمق العلاقات الثقافية القائمة بين المغرب وإسرائيل وعمق هذه العلاقات بين المغرب وبين مواطنيه من اليهود، فهو من البلدان العربية القليلة التي ما تزال إلى اليوم تتوفر على جالية يهودية متشبثة بجذورها وتفتخر بهويتها المغربية.

في المقابل، هناك الكثير من اليهود الذين يعيشون اليوم في إسرائيل وأصولهم مغربية، وما يثير اهتمامي دائما في كل مرة أذهب فيها إلى إسرائيل وأجري محادثات مع الإسرائيليين المنحدرين من باقي البلدان العربية الأخرى، غالبا ما أسمع قصصا تروى بسلبية عن تجارب عائلاتهم في البلدان التي ينحدرون منها وغالبا ما يكونوا أقل ارتباطا بأصولهم، وهذا لا ينطبق على اليهود من أصول مغربية الذين يتحدثون ووجوههم تشع بالسعادة عن المغرب وعن ارتباطهم به وكيف يحرصون على زيارته من حين لآخر، لذلك المغرب نموذج إقليمي رائد في هذا الجانب.

  • عبرت الشعوب المغاربية عن قلقها بشأن هذه الاتفاقيات وعن تخوفها من تأثير الاتفاق على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ما تعليقك على هذه المخاوف؟

سعيد جدا لأن السلطة الفلسطينية تتبنى حاليا نهجا مختلفا تجاه إمكانية انضمام المملكة العربية السعودية إلى الاتفاق مقارنة بالنهج الذي اتخذته بعد الإعلان عن اتفاقيات أبراهام أول مرة.

عندما تم الإعلان عن الاتفاقيات أعربت السلطة الفلسطينية عن رفضها الشديد لها وأعتقد أن ذلك كان خطأ من جانب القيادة الفلسطينية، لأنه كان ينبغي عليها أن تنظر إلى الاتفاق باعتباره نقطة ضغط مهمة لصالحها.

والحقيقة أن الفلسطينيين، إذا ما انتظموا على النحو الصحيح حتما سيكونون هم المستفيد الأكبر من هذا التكامل الإقليمي، وما يزال هناك وقت لفعل هذا، وهذا لا يعني فقط إقناع السعوديين بتمويلهم، بل يعني أن من يزور إسرائيل سيرغب في زيارة الفلسطينيين وسيرغب أي طرف يبرم اتفاقا تجاريا مع الإسرائيليين في إبرام صفقات مع الفلسطينيين>

لذلك يجب على جميع الأشخاص الذين يشعرون بقلق بشأن مستقبل الفلسطينيين في المنطقة المغاربية أن يشجعوا كل فرصة للتعاون مع الشعب الفلسطيني، لأنها ستجعل حياة الفلسطينين أفضل.

  • في هذا السياق، هل من إمكانية لتوسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل دول مغاربية أخرى وهل من جهود دبلوماسية في هذا الاتجاه؟

هناك جهود دبلوماسية تبذل خلف الكواليس، لكل بلد سيادته وسيتخذ كل بلد قراره الخاص بشأن متى سيعلن عن تطبيع علاقاته مع إسرائيل.

ولكن مع تزايد عدد البلدان التي استأنفت علاقاتها مع إسرائيل ومع المنجزات المحققة في الجانب الاقتصادي سيصبح من المنطقي أن تسير باقي الدول المغاربية في هذا الاتجاه، لأنه سيصبح الطبيعي هو الانضمام لاتفاقيات أبراهام وليس العكس.

زد على ذلك، أن معظم دول العالم لديها خلافات حقيقية مع دول أخرى ومع ذلك فهي تقيم علاقات دبلوماسية فيما بينها، الولايات المتحدة على سبيل المثال لديها خلافات مع روسيا ومع ذلك فالعلاقات الدبلوماسية قائمة بين الدولتين، وتواجه الولايات المتحدة تحديات كبيرة مع الصين ولدينا مع ذلك علاقات دبلوماسية مع هذه الدولة ونحن سعداء بذلك لأن هذه هي الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الدبلوماسيون المحترفون مع بعضهم البعض.

في العالم العربي، الوضع مختلف لأن العديد من الدول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وهذا أمر يجب أن يتغير مع مرور الوقت لأن تغييره من شأنه أن يخلق المزيد من الفرص لشعوب المنطقة، ومن شأنه أيضا أن يجلب الكثير من الاستثمارات الأجنبية والمزيد من فرص السفر لشعوب المنطقة، وهذا ما نعمل على تحقيقه في الوقت الراهن.

  • في نظرك، إلى أي حد يمكن لاتفاقيات إبراهيم أن تساعد في إيجاد حل لبعض الصراعات الإقليمية الطويلة الأمد في المنطقة المغاربية، كقضية الصحراء الغربية؟

لقد رأينا بالفعل في سياق اتفاقيات أبراهام، أن المغرب حقق أهدافا دبلوماسية لم يكن قادرا على تحقيقها من قبل، لأن هذه الاتفاقيات تمثل فرصة للدبلوماسيين لاستخدام نفوذهم من أجل تحقيق أهدافهم.

مرة أخرى، ما يسعدني أن الفلسطينيين بدأوا في التعامل بعقلية مماثلة مع هذا الاتفاق، فكلما زاد عدد البلدان التي تتوحد زادت الفرص المتاحة لهم، وكما قلت مسبقا فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصنفان كأقل مناطق العالم من حيث التكامل الاقتصادي، بل إن لديهما أقل عدد من المنظمات المتعددة الأطراف مقارنة بباقي مناطق البلاد، وهذه المنظمات مهمة لأنها توفر فرصا للالتقاء ولبحث سبل التعامل مع التحديات الأمنية المشتركة وكلما انخرطت دول المنطقة في هذا الاتجاه كلما كان ذلك أفضل وكلما استطاعت حل بعض المشكلات العالقة.

  • تواجه المنطقة المغاربية تحديات أمنية مختلفة، كيف يمكن أن تساهم الاتفاقيات في محاربة الإرهاب وفي تحقيق الأمن في المنطقة؟

التهديدات الأمنية التي تواجه المنطقة هي نفس التهديدات التي تواجه الكثير من البلدان، ومجابهتها يحتاج إلى العمل المشترك.

عملت طيلة مساري المهني في مكافحة الإرهاب وأقول إن هذا الخطر لا يمكن محاربته بضربة أو بعملية عسكرية واحدة، بل من خلال سنوات من العمل الدؤوب في اتجاه تضيق مساحة عمل هذه المنظمات وتقديم بدائل للأشخاص الذين يقعون في شباكها.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الجزائر وفرنسا
الرايتان الجزائرية والفرنسية

يشّكل فوز حزب التجمع الوطني (يمين متطرف) وحلفاؤه بأكثر من 34 بالمائة من الأصوات، في الدور الأول من التشريعيات الفرنسية، تحولا تاريخيا كبيرا قد يؤثر سلبا على العلاقات الجزائرية الفرنسية، خصوصا أن هذا الحزب توعّد بإلغاء اتفاقية الهجرة بين البلدين، والتي تمنح أفضلية للجزائريين على غيرهم من المهاجرين، كما سيكون للأمر انعكاس على "ملف الذاكرة" الحساس جدا في العلاقات بين الطرفين.

الجميع في انتظار الدور الثاني من التشريعيات الذي سيجري يوم الأحد (7 يوليو)، مع توقعات صادرة من مراكز استطلاع الرأي الفرنسية، بأن يحصد اليمين المتطرف الأغلبية في الجمعية الوطنية (البرلمان)، وبالتالي تشكيله الحكومة المقبلة.

في هذا الحوار مع موقع "أصوات مغاربية"، يتحدث الباحث وأستاذ التاريخ بجامعة سطيف شرقي الجزائر، العكروت خميلي، عن انعكاسات وصول اليمين المتطرف الفرنسي إلى الحكم على العلاقات مع الجزائر.

نص الحوار:

تحل ذكرى استقلال الجزائر (5 يوليو) واليمين الفرنسي المتطرف على مشارف الوصول إلى الحكم، باعتباره تجاوز الدور الأول من التشريعيات بأريحية. لو حدث ووصل هذا التيار إلى الحكم وشكّل الحكومة، ما تأثيرات ذلك على ملف الذاكرة الحساس جدا مع الجزائر؟

‏‎معروف بأن قضيتي الهجرة والانتماء تمثلان مشكلة بالنسبة لليمين المتطرف الفرنسي، فهو يعتبرهما من المؤثرات المباشرة على هوية فرنسا كدولة، وبالتالي على توجهاتها الاستراتيجية، لذلك هو لا يتسامح في هذين الملفين.

‏‎هذا الأمر تتوارثه أيضا الحكومات الفرنسية باختلاف انتماءاتها، لذلك عوّدنا التاريخ بأن كل الحكومات المتعاقبة - ورغم اختلاف انتماءاتها - فهي تنفّذ نفس البرامج، خصوصا في ملفات حساسة كهذه.‎

‏‎لماذا ينظر اليمين المتطرف إلى الجزائر نظرة المستعمِر للمستعمَرة، رغم مرور أكثر من ستين عاما على الاستقلال؟

‏‎هذه النظرة الاستعمارية متأصّلة عندهم، لأن أدبيات هذا الاتجاه لا تزال تعتبر الجزائر خسارة كبيرة لفرنسا، بالنظر لعديد المعطيات؛ مثل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجزائر والخيرات والمساحة وغيرها.

‏‎الجزائر حاضرة دوما في خطابات زعماء هذا الاتجاه الأيديولوجي منذ الاستقلال، سواء بالحديث عن المهاجرين من أبناء الجالية أو الهجرة غير الشرعية أو الاقتصاد، وهم يودّون استرجاع الجزائر بأي شكل، غير أن هذا مستحيل ولكن هذه هي حقيقةً عواطفهم الاستعمارية.‎

‏‎أصوات مغاربية: ما مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، والاتفاقيات الهامة المبرمة بينهما مثل اتفاقية الهجرة؟ وكيف ستتعامل الجزائر إذا نفّذ اليمين المتطرف تهديداته، حسب توقعاتك؟

‏‎مستقبل العلاقات بين الدّول مرتبط بالمصالح وليس بالإيديولوجيا، كما قد يبدو للبعض من خلال الخطابات السياسية، هذه قاعدة تنطبق أيضا على الجزائر وفرنسا.

‏‎في أسوأ التوقعات فرنسا ستدافع على مصالحها في ملفي الهجرة والذاكرة خصوصا وغيرهما من الملفات ولن تدافع على اتجاه إيديولوجي سياسي، وكذلك ستدافع الجزائر على مصالحها في هذا الملف وغيره، ولنترك التوقعات لقابل الأيام، وفي أسوإ التوقعات أيضا لن تصل الأوضاع إلى القطيعة بينهما.

‏‎لكن بودّي أن أشير هنا لشيء مهم؛ وهو أن السياسة الفرنسية كانت دوما واحدة عبر التاريخ، مهما اختلفت تسميات من يحكم.

فمثلا حزب "الجبهة الشعبية" وصل إلى الحكم وانتظر الجزائريون سياسة مغايرة تجاههم لكن ذلك لم يتحقق، وقد رأينا الأزمات التي حدثت بسبب تصريحات ماكرون قبل قرابة سنتين وتأثّر علاقات البلدين ثم عودتها إلى الهدوء بعد رد فعل جزائري قوي.

مثال آخر من عمق التاريخ؛ فبعد قيام الجمهورية الثالثة سنة 1870 إثر سقوط الإمبراطورية بقيادة نابليون الثالث، كان حدثا كبيرا توقّع كثيرون تغير سياسة فرنسا تجاه مستعمراتها، لكن بالعكس فلقد تبعته قوانين جائرة في حق الجميع وأولهم الجزائر، بمعنى استمرار السياسة الاستعمارية نفسها.

المصدر: أصوات مغاربية