تعاني أقلية "الصناع" في موريتانيا من موروث اجتماعي يتسم بالتعامل وفق "نظرة دونية" إلى الحرفيين، وفق هذه الفئة التي تعتبر مكونا اجتماعيا بالبلد
ويعرف "الصناع" أيضا محليا بـ"لمعلمين" وهم فئة من الشعب الموريتاني توارثت أجيالها فنون الصناعات التقليدية، ومن أبرزها الحدادة وصناعات الحرف اليدوية التقليدية وفن الرسم بالحناء للنساء.
ورغم الاختلاف حول نسب هذه الفئة من المجتمع، إلا أنها حافظت على تماسكها الاجتماعي وتوارث عائلاتها لتراثهم، كما أنه ظهرت في السنوات الأخيرة حراكات تدعو إلى الاستجابة لمطالب سياسية واجتماعية خاصة بهم.
وفي يونيو الماضي، أنشأت الدولة الموريتانية قرية مخصصة للصناعة التقليدية في العاصمة نواكشوط، في خطوة تهدف لدعم الصناع التقليديين "لمْعلمين".
أصل "الصناع"
وحول أصل هذا المكون من المجتمع الموريتاني، يقول الباحث الاجتماعي، سيد أعمر ولد شيخنا، إن ما يذكر عن الصناع والحدادين من عدم أصالة في النسب "بديهي البطلان".
وأضاف في تصريح لـ "أصوات مغاربية" "من المعلوم أنهم لا يرجعون إلى أب واحد، وإنما جمعتهم الحرفة، فمنهم شريف الأصل، ومنهم من هو عربي محض، ومنهم أئمة وأفاضل خدموا هذه البلاد".
وفي نفس السياق، يقول المؤرخ الموريتاني المختار ولد حامدن، في كتابه حياة موريتانيا، إن "الصناع يربطهم العمل، ولا يربطهم النسب، ومنهم العربي والشريف".
وتتوافق تلك الآراء مع ما أورده مؤلف كتاب "تاريخ موريتانيا" للدكتور الباحث حماه الله ولد السالم، أن "الصناع فئة لا ترجع إلى أصل واحد فمنها العربي والصنهاجي والسوداني، وقد عرفت بدورها التجاري والاقتصادي".
مكون رئيس
في تصريح لـ "أصوات مغاربية"، يقول الخبير السوسيولوجي، باب ولد اعل، إن "الصناع" شكلوا منذ النشأة "عنصرا مهما من المجتمع الموريتاني"، وذلك لأنه "قبل عصر العولمة وقدوم المنتجات المستوردة كانوا ينتجون للبلد كل ما يحتاجه من الآلات وحتى الأسلحة".
وحول انتمائهم، اعتبر ولد اعل أنهم يعتبرون جزءا مهما من شريحة "البيظان" التي تمثل غالبية سكان موريتانيا التي تتكون من عدة فئات اجتماعية أشهرها "لحراطين" وهم الأرقاء السابقون، و"إكاون" وهم المتخصصون في الفن والموسيٍقى.
وأضاف المتحدث، وهو رئيس منتدى السوسيولوجيين الموريتانيين، أنه من الغريب "استمرار النظرة المجتمعية التي تحمل نوعا من "الدونية" من الحرف والحرفيين، إذ أنها تشي بـ"استهانة واضحة بالأعمال الحرفية بأصحابها الذين لولاهم لما وصل المجتمع إلى وضعه الحالي".
وأشار اعل إلى أن النبش في أسباب هذه "النظرة الدونية"، ما زال يصدم بجدار "طابو" الدفاع الثقافي للمجتمع، لكن حله مسألة وقت لأن "الصناع" فرضوا أنفسهم في عدة مجالات وأبانوا عن نبوغ في الآداب والصناعات وحتى المناصب السياسية.
مشاركة سياسية ضعيفة
من جانبه، عد الناشط الحقوقي الموريتاني محمد عالي ولد الخطاط مشاركة "لمعلمين" في المناصب السياسية، "دون المستوى"، وذلك بسبب خلوا الحكومة الحالية من أي وزير "من العوائل التي يعدها الموريتانيون من الصناع".
وأضاف الخطاط أن "الصناع تسيدوا معظم المجالات التي تكون المنافسة فيها شفافة ودون محسوبية"، مردفا "دليلا على ذلك ترى أن هناك أدباء تصدروا المشهد وحرفيين على مستويات عالية".
واستدرك المتحدث، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، مضيفا "عدم وجودنا في السياسية على شاكلة إخواننا في الفئات الأخرى من المجتمع راجع لانتشار المحسوبية والوساطة من جهة ولتجذر النظرة الدونية وتسربها لدهاليز الحكم في موريتانيا".
تمكين اقتصادي
وفي المقابل، يرى المحلل السياسي، عبد الله ولد محمد الأمين، أن "المجتمع الموريتاني وثقافته يضعان فئة "لمعلمين/ الصناع" في منزلة "مقدرة" باعتبارهم ورثة الفن والقيم والإنتاج والاحتراف".
وأردف محمد الأمين أن "هذه الشريحة لا تعاني الكسل الذي يطبع فئات عديدة من المجتمع، إذ أنه قد لا يكون بين "لمعلمين" من أثروا ثراء فاحشا، لكنه من الصعب جدا وجود شخص فقير من هذه الشريحة".
وأرجع المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية" سبب ذلك إلى ما وصفه بـ "المهنية والعملية" التي جبل عليها هذا الكون الاجتماعي وتوارثتها أجياله في دولة يعاني قرابة ٣٠٪ من سكانها الفقرَ، بحسب الإحصائيات الدولية.
المصدر: أصوات مغاربية