بعض آثار المورسكيين بمدينة قرطبة
بعض آثار المورسكيين بمدينة قرطبة

بعد سقوط الأندلس وانتهاء سيطرة الحكم العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وجد السكان المسلمون واليهود المعروفون باسم "المورسكيين" أنفسهم معرضين للطرد من المناطق التي باتت خاضعة للحكم المسيحي.

​​فئة كبيرة من هؤلاء قررت مغادرة التراب الإسباني التي غزاها العرب قبل ذلك، وخاصة مدن غرناطة وأراغونا، تجاه شمال أفريقيا، نظرا لقرب المسافة حيث استقر عدد مهم منهم.

من الأندلس إلى الأوداية

استقر عدد كبير من المورسكيين الذين دخلوا المغرب في العاصمة الرباط، وبالضبط في قصبة الأوداية، حيث عاش العديد منهم في منازل لها تصميم أندلسي.

وتشير المصادر التاريخية المتوفرة إلى أنه خلال سنة 1609 انتقل حوالي 40 ألفا من المورسكيين إلى المغرب، وهاجر عدد منهم، خاصة الذين قدموا من منطقة "هورناتشوس" إلى مدينتي سلا والرباط، حيث أسسوا جمهورية أبي رقراق، نسبة إلى النهر الذي يفصل المدينتين.

اختلاف ديني

تروي الدراسات التاريخية، التي تحدثت عن استقرار المورسكيين بالمغرب، أن هؤلاء كانوا متفتحين أكثر من مسلمي شمال أفريقيا، فضلا عن اختلاف عاداتهم وهويتهم عن سكان المغرب، لذلك وقعت العديد من الخلافات بين الطرفين معا حول المسائل الدينية.

وأدى هذا الصدام إلى اتهام بعض العلماء المورسكيين الذين وفدوا على المغرب بـ"الإلحاد"، وأحرقت كتبهم، كما وقع مع الشاعر لسان دين ابن الخطيب في مدينة فاس والفيلسوف ابن رشد، وفقا لما توثقه روايات تاريخية.

استنساخ مدن أندلسية

استقر جزء آخر من المورسكيين في شمال المغرب قريبا من المكان الذين هجروا منه، وبالضبط بمدينتي تطوان وشفشاون.

العديد من المورسكيين تصاهروا مع سكان مدينة تطوان، ليتمكنوا من استقدام طرق العيش والعادات والتقاليد الأندلسية، واختلطت الثقافة المحلية بالأندلسية، وهو ما يظهر في عمران المدينة أيضا.

وتقول المصادر ذاتها إن تأسيس مدينة شفشاون كان على المورسكيين، وهو ما يظهر في عمارة وتصميم منازل المدينة الصغيرة، التي تشبه أحياء مدينة غرناطة وإشبيلية في إسبانيا.

​​جنسية مغربية- إسبانية

يتطلع أحفاد المورسكيين المغاربة المستقرين بالمغرب إلى الحصول على الجنسية الإسبانية تعويضا لهم عن طرد آبائهم وأجدادهم من الضفة الشمالية.

وإلى جانب الجنسية المغربية التي يتوفرون عليها، يسعى المورسكيون المغاربة إلى نيل حقوقهم باعتذار السلطات الإسبانية عبر الاعتراف بهم وتاريخهم كجزء من الهوية الإسبانية، كما تم التعامل مع اليهود "السفارديم" الذين طردوا بدورهم من الأندلس.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

صورة غير مؤرخة للماريشال هوبير ليوطي (1854-1934)، المقيم العام الأول لفرنسا في المغرب في عام 1912 حيث تولى مهمة تنفيذ معاهدة الحماية الموقعة في عام 1912، في فاس بين المغرب وفرنسا.
الماريشال هوبير ليوطي المقيم العام الأول لفرنسا في المغرب الذي تولى مهمة تنفيذ معاهدة الحماية الموقعة عام 1912 بين المغرب وفرنسا

في مثل هذا اليوم (12 يوليو 1912) دخلت العلاقات المغربية-الفرنسية منعطفا حاسما عندما صوّت مجلس النواب الفرنسي بأغلبية ساحقة -  بلغت 460 صوتا مقابل 79 صوتا - بالموافقة على معاهدة الحماية على "السلطنة الشريفة".

لم يكن هذا مجرد تصويت على قانون عادي، بل كان بمثابة نقطة تحوّل تاريخية، إيذانا ببدء حقبة جديدة من التبعية والاستعمار، تُلقي بظلالها على المغرب بعد عقود من المقاومة ضد  الأطماع الفرنسية، التي أخضعت الجزائر المجاورة في عام 1830.

محطات مهّدت للسقوط

يرى المؤرخ الأميركي الراحل، نورمان دوايت هاريس، في ورقة بحثية نشرها عام 1913، أن المعاهدة الفرنسية-الإسبانية المبرمة في 27 نوفمبر 1911 بخصوص "المسألة المغربية" كانت بمثابة حجر الأساس لإقامة الحماية الفرنسية على كامل "الإمبراطورية الشريفية"، تمهيدا لضمها واستعمارها.

ووفقا لهاريس - المختص في تاريخ الكولونيالية - فإن القوى الأوروبية ظلت لسنوات طويلة تراقب "التدهور المطرد" الذي أصاب المغرب، و"الخسارة المستمرة للسلطة والهيبة التي لحقت بملوكها سواء في الشؤون المحلية أو الوطنية"، و"التفكك التدريجي للدولة بأكملها".

ويشير إلى أنه "منذ عام 1880، كانت فرنسا، الجارة الإفريقية الأقرب والأكثر اهتماماً، تراقب عن كثب كل تحركات السلاطين"، فقد انتظرت "بصبر لا حدود له" أن تنضج الأحداث التي من شأنها أن تجعل الوقت مناسبا للانقضاض على السلطنة من دون مقاومة القوى الأوروبية المنافسة، مثل ألمانيا وبريطانيا العظمى.  

مددت فرنسا خيوط نفوذها داخل وخارج المغرب، مستغلة "الاضطرابات الحدودية مع الجزائر" و"الفتن الداخلية التي بررت التدخل الخارجي"، لتُصبح قوة لا يمكن تجاهلها أو إزاحتها، لا من قبل الدول الأجنبية فحسب، بل حتى من قبل المغرب نفسه.

وبحلول عام 1904، حظيت الجهود الفرنسية بدعم بريطانيا العظمى وإسبانيا لمصالحها في المغرب. وفي مؤتمر الجزيرة الخضراء (جنوب إسبانيا) عام 1906، وبينما كانت ألمانيا تشكك في نوايا باريس، تم تكليف الأخيرة - رفقة إسبانيا - بـ"تنظيم شرطة المملكة ومساعدة السلطان في تأسيس حكومة فعالة". 

ونتيجة لهذه التطورات، أضحت البلاد فعلياً ضمن "مجال النفوذ" الفرنسي، وهو ما أكدته الإمبراطورية الألمانية في اتفاقية عام 1909 مقابل ضمان باريس لحماية المصالح التجارية الألمانية في البلاد. وقبل ذلك وفي عام 1907، وقعت بريطانيا وإسبانيا وفرنسا معاهدة للحفاظ على الوضع الراهن في شمال أفريقيا. 

وبينما كان الفرنسيون منهمكين ببناء إمبراطورية استعمارية واسعة في شمال ووسط إفريقيا، ضمت أراضي شاسعة تمتد من الجزائر وتونس شمالاً إلى نهر الكونغو جنوباً، ومن سانت لويس على الساحل الغربي للقارة إلى بحيرة تشاد وحدود دارفور -  أي مساحة تقارب مساحة الولايات المتحدة - كان المغرب يُمثل "حجر الزاوية الطبيعي" لهذه الإمبراطورية، - يقول  نورمان دوايت هاريس.  

فقد أدركت فرنسا-  كقوة عظمى في البحر المتوسط - أن السيطرة على المغرب، كبوابة "فرنسا الكبرى" الممتدة عبر البحار، باتت ضرورية لتحقيق حلمها الإمبراطوري، يضيف المؤرخ الأميركي.

إخضاع البلاد رسميا

ويرى العديد من المؤرخين أن مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عُقد في السابع من أبريل عام 1906، والذي أفضى إلى إصدار جملة من القرارات، كان بمثابة الخطوة الحاسمة التي مهدت الطريق لاحتلال السلطنة الشريفة.

وقد اختيرت الجزيرة الخضراء، بدلا من طنجة، لانعقاد المؤتمر، الذي ضم 13 دولة من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، وشارك في المؤتمر أيضا ممثلون عن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ثيودور روزفلت، بدعوة من ألمانيا بهدف إرساء التوازن بين القوى الأوروبية الحاضرة.

وبعد أسابيع من النقاشات الحامية، أسدل الستار على "شروط الخزيرات" التي ضمت 123 بندا شملت تنظيم شرطة وجمارك المغرب، ومكافحة تهريب الأسلحة، ومنح امتيازات للبنوك الأوروبية، والإبقاء على تداول العملة الإسبانية في البلاد، والسماح للأوروبيين بتملك الأراضي.

ويصف الباحث المغربي، علال الخديمي، في كتابه "التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب"، هذه المخرجات بأنها مهدت لاحتلال المغرب، لأن "ميثاقه النهائي لم يستجب أبدا لأماني الشعب المغربي، بل جاء مؤكدا للوصاية الدولية ومدعما للاستغلال الأجنبي للمغرب، (...) وهكذا نلاحظ أن شروط ميثاق الجزيرة كانت كلها في صالح الأجانب فإذا ضمنت تدويل القضية المغربية، فإنها في الحقيقة، أخضعت المغرب للاستغلال لفائدة التجار والأفاقين الذين تهافتوا عليه من كل حدب وصوب".

واجهت فرنسا في مستهلّ سعيها فرض الحماية على البلاد صعوبات جمّة، إذ اندلعت حرب أهلية عام 1907 بين السلطان عبد العزيز، الذي فقد شعبيته بسبب عجزه عن الحكم وميوله المفرطة نحو الدعم الأجنبي والأفكار الغربية، وشقيقه مولاي الحفيظ، المعارض الشرس للتدخل الأوروبي. 

وفي أغسطس 1907، حسم حفيظ الصراع لصالحه نهائيا، وأجبر شقيقه على التنازل عن العرش، إلا أنّ القوى الأوروبية، بتحريض من فرنسا وإسبانيا، رفضت الاعتراف به سلطانا، إذ اشترطت عليه، قبل الاعتراف به، بسط سيطرته على كامل البلاد، وتعهدّه باحترام بنود معاهدة الجزيرة الخضراء، والوفاء بكافة الالتزامات الدولية المترتبة على المغرب. 

وبعد طول مماطلة وفي الثلاثين من مارس عام 1912، سقط المغرب رسميا تحت نير الاستعمار الفرنسي، بعد أن رضخ السلطان حفيظ لتوقيع معاهدة الحماية، المعروفة أيضًا باسم "معاهدة فاس" أو "معاهدة تنظيم الحماية الفرنسية للمملكة الشريفة".

تضمنت المعاهدة تسعة بنود، ومما جاء في بعضها إلزام سلطان المغرب بالحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل توقيع أي معاهدة دولية، ومنح القوات العسكرية الفرنسية حق الانتشار في التراب المغربي.

لم يجف حبر معاهدة الحماية حتى اندلعت ثورات عارمة ضد الاستعمار الفرنسي في معظم المدن، قادتها النخب العربية المثقفة، "فأدرك المقيم العام الفرنسي، لويس هوبير ليوطي، خطورة فقدان شرعية الحكم حتى ولو شكليا، فقرر إعادة تنصيب الأسرة العلوية الحاكمة، ليس من خلال السلطان عبد الحفيظ الذي فقد شعبيته، بل من خلال شقيقه الأصغر، مولاي يوسف"، يقول الباحث في الدراسات الشرق الأوسطية في جامعة نورث كارولاينا الأميركية، سمير سفيان، في ورقة بحثية. 

ولم يهدف ليوطي من تنصيب مولاي يوسف منحه سلطة حقيقية، بل سعى من خلال ذلك إلى الحفاظ على "قناع" الحكم غير المباشر واسترضاء الشعب المغربي، يقول الباحث.

وقد عانى المغرب من وطأة الاستعمار لمدة 44 عاما، اشتعلت خلالها نار المقاومة الشعبية، وصولا إلى ذروتها مع نفي السلطان محمد بن يوسف (لاحقا "الملك محمد الخامس"). وفي النهاية، رضخت فرنسا لضغوطات الشعب والإعلان عن استقلال البلاد في الثاني من مارس 1956.

المصدر: أصوات مغاربية