محتجون في مدينة جرادة المغربية (أرشيف)
محتجون في مدينة جرادة المغربية (أرشيف)

  • في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية" يناقش الاقتصادي والحقوقي المغربي، فؤاد عبد المومني، قضية "الفوارق الاجتماعية" في المملكة، والتي شكلت إحدى المحاور البارزة في الخطاب الأخير لملك المغرب، كما يرصد التناقض بين الوضع الاقتصادي العام في البلد وبين انتظارات المواطنين، والذي يقول إنه صار أمرا "غير مقبول" وأصبح "يشكل أزمة.
الاقتصادي والحقوقي المغربي فؤاد عبد المومني
الاقتصادي والحقوقي المغربي فؤاد عبد المومني

​​​نص الحوار:

من أبرز النقاط التي تناولها خطاب الملك محمد السادس الأخير قضية "الفوارق الاجتماعية في المغرب"، وهو أمر سبق أن نبه إليه مؤخرا مستشاران ملكيان ومحللون اقتصاديون ونشطاء. هل الوضع بهذه الخطورة في المملكة؟

وضعية الفوارق الاجتماعية في المغرب لم تتغير بشكل واضح حسب المعطيات الرقمية النادرة المتوفرة، لكن ما أصبح واضحا هو إحساس الناس بهذه الفوارق الاجتماعية وقوة الغبن الذي تعبر عنه شرائح مجتمعية واسعة تجاهها.

وبينما اختارت دول عديد، لديها وضع اقتصادي قريب من الوضع الاقتصادي المغربي، أن تسير في اتجاه تقليص هذه الفوارق نجد أن هذه الأخيرة ظلت مستقرة في المملكة إن لم تكن تزايدت بعض الشيء.

من جهة أخرى، فإن الانتظارات بخصوص الترقي الاجتماعي ارتفعت أيضا، فقد مررنا من مجتمع كانت نسبة الأمية فيه 99 في المائة إلى مجتمع يضم ما يزيد عن الثلثين من المتعلمين، وهؤلاء أحيان حاصلون على شواهد عليا، وكانوا يتوقعون أن حصولهم عليها يضمن لهم ترقي اجتماعي مهم وسريع.

​​بالإضافة إلى ذلك، فإن إمكانيات الردع الاجتماعي والقمع السياسي التي كانت في متناول النظام في الماضي من أجل إسكات المطالبين بعدالة اجتماعية أكبر لم تعد لها نفس النجاعة اليوم.

كل هذا جعل أن الفوارق الاجتماعية لم تعد مقبولة كما كانت مقبولة في الماضي، وأصبحت تشكل عنصر إدانة لسياسات النظام ونتائجها الاجتماعية، كما صارت عنصر تحفيز ضد النظام السياسي الذي فشل في ما هو منوط به لضمان الحدود الدنيا من العدالة الاجتماعية.

​​في هذا الإطار، لماذا عجز المغرب عن تقليص الفوارق الاجتماعية رغم أن الفقر تقلص من 15.3 في المائة إلى 4.8؟

ما وقع هو أنه كان هناك تطور كمي مهم في معدل الدخل وفي الإمكانيات الاقتصادية للبلد لكنه بقي أقل بكثير من انتظارات المواطنين.

فمن كان بالأمس يعتبر أن الاكتفاء بالخبز والزيتون يشبع حاجياته الأساسية، أصبح اليوم ينتظر وظيفة محترمة وسكنا لائقا وإمكانيات للولوج للصحة والتعليم في مستوى جيد له ولعائلته.

في هذا السياق، نجد أن مؤشر التنمية البشرية في المغرب في بداية الستينات كان في حدود 0.23 واليوم الرقم حوالي 0.69، أي أنه تضاعف بـ3 مرات، ولكن في نفس المرحلة انتظارات المجتمع تضاعفت عشرات المرات.

هذه المتغيرات في الأوضاع العامة وفي الانتظارات هي ما أدى إلى أنه ما كان مقبولا بالأمس أصبح يشكل أزمة كبيرة اليوم.

​​هل معنى هذا أن النموذج الاقتصادي أو التنموي الذي اعتمد منذ تولي الملك محمد السادس زمام الحكم في المغرب فشل؟

بالضبط، فالجميع يقر بأن السياسات العمومية التي أقرتها الملكية منذ الاستقلال فشلت وأدت إلى وضعية لم تعد مقبولة.

لكن هناك في نفس الوقت رفض للإقرار بتبعات هذا الفشل، فبالرجوع إلى الخطاب الملكي الأخير فإن هذا الفشل لم يرتبط بالاختيارات الجوهرية كما لم يرتبط بالبنيات المؤسسية، بل ارتبط فقط بتقاعس بعض الأطر السياسية والإدارية عن مواكبة البرامج الملكية، في حين أن الظاهر للعيان هو أن كل السياسات العمومية كانت ولا زالت تنبع من القصر وتأتمر بأمره، وكل ما يقع في المغرب هو اختياراته التي يحاسب عليها هو أولا قبل غيره.

وهناك جانب آخر أعتقد أنه يغيب بشكل كبير في النقاش العمومي حول استراتيجيات التنمية في المغرب، هو أن هذه الاستراتيجيات أنهكها وضع اللا سلم واللا حرب في الصحراء.

الملك وبعض المرتبطين به أصبحوا هم تقريبا الفاعل الاقتصادي الخاص المهيمن في المغرب

​​الآن لدينا تقريبا 5 في المائة من الدخل الوطني يذهب فقط إلى التجهيزات العسكرية، المرتبطة بالسباق نحو التسلح مع الجزائر.

كما أن الاقتصاد المغربي ليس اقتصادا هشا فقط وإنما اقتصاد مغلق، أي أن 35 مليون مواطن ذوو دخل محدود في المتوسط لا يمكن أن يصبحوا رافعة كافية لتنمية مستدامة. هذا دون أن ننسى ظاهرة الرشوة الطافحة في كل القطاعات وفي كل المستويات، وهو ما خلق في البلد ما يمكن أن نسميه "عقلية الإرشاء المنهجي" وعدم اعتماد الكفاءة في تسيير دواليب الدولة.

أضف إلى ذلك، أنه في المغرب اليوم يصل إلى سوق الشغل ما بين 250 ألف إلى 300 ألف وافد جديد إضافي صافي سنويا، في حين أن الاقتصاد المغربي بكل قطاعاته لا يخلق أكثر من 40 إلى 50 ألف منصب شغل، أي أنه لدينا 200 ألف طالب شغل مفترض سنويا يقصون، وهذا يؤدي إلى أن الساكنة النشيطة اليوم في المغرب لا تشكل أكثر من حوالي 45 في المائة من عموم الساكنة، في حين أنه لا يمكن أن نتصور نموا حقيقيا للبلد إذا لم نطور هذا المؤشر بشكل كبير.

وحتى النمو الذي يعيشه المغرب والذي يمكن التأشير عليه في السنوات الأخيرة بحوالي 3.3 في المائة، فهو محتكر من طرف مُركّب "الثروة والسلطة" المرتبط بالقصر الملكي. فالملك وبعض المرتبطين به أصبحوا هم تقريبا الفاعل الاقتصادي الخاص المهيمن في المغرب.

​​أشرت إلى الإحساس بالغبن الذي تقوى بسبب الفوارق الاجتماعية في المغرب. في هذا الصدد، من المغربي الذي يحس أكثر بهذه الفوارق؟

أعتقد أن الفئة التي تحس بالغبن الأكبر في هذه المرحلة هي الفئة المدينية (من المدينة) الشابة المتعلمة.

هذه الفئة تشعر بأنه تم احتكار إمكانيات البلد من طرف الأرستقراطية المرتبطة بالقصر خلال الـ50 أو 70 سنة الماضية، والشاب الذي بذل مجهودا وتعلم يجد اليوم نفسه غير قادر على الحصول على فرصة شغل، ولا يمكنه بناء أسرة ولا أن يغطي مصاريفه الحياتية الأساسية.

هذا الشباب هو أيضا شباب منخرط رقميا، ومنفتح على العالم، وهو بالتالي شباب أصبح يؤمن بأن لديه قدرة على التأثير والتغيير.

لذلك فإن التفاوض البيني الأساسي الحاصل في المجتمع الآن هو بين هذه الفئة والقصر الملكي، هذا الأخير الذي يحتكر الأساسي في الثروات وفي إمكانيات البلد مع برجوازية صغيرة محيطة به.

منظمة: أكثر من نصف المغاربة يعانون الفقر والحرمان
دقت منظمة حقوقية "ناقوس الخطر" بشأن وضعية الأسر المغربية، بحيث استحضرت ضمن بلاغ لها بمناسبة اليوم الدولي للأسر مجموعة من الأرقام المقلقة، وشددت على أن النهوض بوضعية هذه الأسر '"يتطلب إصلاح النظام التعليمي والحد من الفوارق بين الفقراء والأغنياء".

​​هل معنى هذا أن المغرب مهدد بالانقسام إلى طبقتين: طبقة الأثرياء وطبقة الفقراء ولا شيء بينهما؟

الاندحار الذي عرفته الطبقة الوسطى في المغرب خلال الـ40 سنة الأخيرة كبير جدا. والفرق بين من يملكون الثروة ومن هم مقصيون من الدورة الاقتصادية للبلد صار كبيرا جدا.

أقول إن انشطار المجتمع يتقوى. هل سيؤدي هذا إلى خلق عالمين في مواجهة تناحرية، هذا يتوقف في تقديري على الظروف المحيطة.

إلى حدود الآن لم يمر المغرب من لحظة احتداد حاسم في المواجهة لأنه، ولحسن حظنا، لم نعش سياقا فيه ظرف دولي غير ملائم أو ارتفاع كبير لثمن البترول أو سنوات عجاف على الفلاحة أو لا قدر الله عمليات إرهابية قد تؤثر بشكل خطير على الدخل المرتبط بقطاع السياحة.

إذا اجتمع على البلد أمران من هذا القبيل في مدة عامين فإن ذلك قد يهدد البلد بهزة اجتماعية وسياسية، لأنه لن يكون للمغرب إمكانية أن يزيد من المديونية وليس له دخل كاف لتغطية مصاريفه.

الاندحار الذي عرفته الطبقة الوسطى في المغرب خلال الـ40 سنة الأخيرة كبير جدا

​​​ملك المغرب أعلن أيضا في خطابه عن تشكيل لجنة لوضع نموذج تنموي جديد. في نظرك ما الذي ينبغي أن تقترحه هذه اللجنة للقضاء على الفوارق الاجتماعية؟

(يضحك) ما ينبغي القيام به هو أن لا تكون هناك لجنة أصلا.

ينبغي أن يتحمل الفاعل السياسي مسؤوليته، والفاعل السياسي فيه مستويين: الأول، هو الملك الذي يحتكر السلط والقرارات الجوهرية، والذي ينبغي أن يعلن عن مدى استعداده للتنازل عن احتكار السلطة والثروة.

المستوى الثاني، هو السماح بخلق دينامية سياسية حقيقية في البلد لا يكون متحكما فيها، ويكون فيها نقاش لكفاءات وطنية وأحزاب سياسية وخبراء، والذي سيغني النقاش المؤسسي عبر الأجهزة المنتخبة، والتي ستتخذ آنذاك قرارات وتتحمل فيها المسؤولية وتحاسب عليها.

ما دمنا أمام صندوق مغلق، والملك هو الوحيد الذي يتخذ القرارات، فإن هذه اللجان تصير فقط آلية للتغطية على المسؤولية الملكية، وصباغة القرار التحكمي بصباغة تشاركية.

 

 

 

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

صورة غير مؤرخة للماريشال هوبير ليوطي (1854-1934)، المقيم العام الأول لفرنسا في المغرب في عام 1912 حيث تولى مهمة تنفيذ معاهدة الحماية الموقعة في عام 1912، في فاس بين المغرب وفرنسا.
الماريشال هوبير ليوطي المقيم العام الأول لفرنسا في المغرب الذي تولى مهمة تنفيذ معاهدة الحماية الموقعة عام 1912 بين المغرب وفرنسا

في مثل هذا اليوم (12 يوليو 1912) دخلت العلاقات المغربية-الفرنسية منعطفا حاسما عندما صوّت مجلس النواب الفرنسي بأغلبية ساحقة -  بلغت 460 صوتا مقابل 79 صوتا - بالموافقة على معاهدة الحماية على "السلطنة الشريفة".

لم يكن هذا مجرد تصويت على قانون عادي، بل كان بمثابة نقطة تحوّل تاريخية، إيذانا ببدء حقبة جديدة من التبعية والاستعمار، تُلقي بظلالها على المغرب بعد عقود من المقاومة ضد  الأطماع الفرنسية، التي أخضعت الجزائر المجاورة في عام 1830.

محطات مهّدت للسقوط

يرى المؤرخ الأميركي الراحل، نورمان دوايت هاريس، في ورقة بحثية نشرها عام 1913، أن المعاهدة الفرنسية-الإسبانية المبرمة في 27 نوفمبر 1911 بخصوص "المسألة المغربية" كانت بمثابة حجر الأساس لإقامة الحماية الفرنسية على كامل "الإمبراطورية الشريفية"، تمهيدا لضمها واستعمارها.

ووفقا لهاريس - المختص في تاريخ الكولونيالية - فإن القوى الأوروبية ظلت لسنوات طويلة تراقب "التدهور المطرد" الذي أصاب المغرب، و"الخسارة المستمرة للسلطة والهيبة التي لحقت بملوكها سواء في الشؤون المحلية أو الوطنية"، و"التفكك التدريجي للدولة بأكملها".

ويشير إلى أنه "منذ عام 1880، كانت فرنسا، الجارة الإفريقية الأقرب والأكثر اهتماماً، تراقب عن كثب كل تحركات السلاطين"، فقد انتظرت "بصبر لا حدود له" أن تنضج الأحداث التي من شأنها أن تجعل الوقت مناسبا للانقضاض على السلطنة من دون مقاومة القوى الأوروبية المنافسة، مثل ألمانيا وبريطانيا العظمى.  

مددت فرنسا خيوط نفوذها داخل وخارج المغرب، مستغلة "الاضطرابات الحدودية مع الجزائر" و"الفتن الداخلية التي بررت التدخل الخارجي"، لتُصبح قوة لا يمكن تجاهلها أو إزاحتها، لا من قبل الدول الأجنبية فحسب، بل حتى من قبل المغرب نفسه.

وبحلول عام 1904، حظيت الجهود الفرنسية بدعم بريطانيا العظمى وإسبانيا لمصالحها في المغرب. وفي مؤتمر الجزيرة الخضراء (جنوب إسبانيا) عام 1906، وبينما كانت ألمانيا تشكك في نوايا باريس، تم تكليف الأخيرة - رفقة إسبانيا - بـ"تنظيم شرطة المملكة ومساعدة السلطان في تأسيس حكومة فعالة". 

ونتيجة لهذه التطورات، أضحت البلاد فعلياً ضمن "مجال النفوذ" الفرنسي، وهو ما أكدته الإمبراطورية الألمانية في اتفاقية عام 1909 مقابل ضمان باريس لحماية المصالح التجارية الألمانية في البلاد. وقبل ذلك وفي عام 1907، وقعت بريطانيا وإسبانيا وفرنسا معاهدة للحفاظ على الوضع الراهن في شمال أفريقيا. 

وبينما كان الفرنسيون منهمكين ببناء إمبراطورية استعمارية واسعة في شمال ووسط إفريقيا، ضمت أراضي شاسعة تمتد من الجزائر وتونس شمالاً إلى نهر الكونغو جنوباً، ومن سانت لويس على الساحل الغربي للقارة إلى بحيرة تشاد وحدود دارفور -  أي مساحة تقارب مساحة الولايات المتحدة - كان المغرب يُمثل "حجر الزاوية الطبيعي" لهذه الإمبراطورية، - يقول  نورمان دوايت هاريس.  

فقد أدركت فرنسا-  كقوة عظمى في البحر المتوسط - أن السيطرة على المغرب، كبوابة "فرنسا الكبرى" الممتدة عبر البحار، باتت ضرورية لتحقيق حلمها الإمبراطوري، يضيف المؤرخ الأميركي.

إخضاع البلاد رسميا

ويرى العديد من المؤرخين أن مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عُقد في السابع من أبريل عام 1906، والذي أفضى إلى إصدار جملة من القرارات، كان بمثابة الخطوة الحاسمة التي مهدت الطريق لاحتلال السلطنة الشريفة.

وقد اختيرت الجزيرة الخضراء، بدلا من طنجة، لانعقاد المؤتمر، الذي ضم 13 دولة من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، وشارك في المؤتمر أيضا ممثلون عن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ثيودور روزفلت، بدعوة من ألمانيا بهدف إرساء التوازن بين القوى الأوروبية الحاضرة.

وبعد أسابيع من النقاشات الحامية، أسدل الستار على "شروط الخزيرات" التي ضمت 123 بندا شملت تنظيم شرطة وجمارك المغرب، ومكافحة تهريب الأسلحة، ومنح امتيازات للبنوك الأوروبية، والإبقاء على تداول العملة الإسبانية في البلاد، والسماح للأوروبيين بتملك الأراضي.

ويصف الباحث المغربي، علال الخديمي، في كتابه "التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب"، هذه المخرجات بأنها مهدت لاحتلال المغرب، لأن "ميثاقه النهائي لم يستجب أبدا لأماني الشعب المغربي، بل جاء مؤكدا للوصاية الدولية ومدعما للاستغلال الأجنبي للمغرب، (...) وهكذا نلاحظ أن شروط ميثاق الجزيرة كانت كلها في صالح الأجانب فإذا ضمنت تدويل القضية المغربية، فإنها في الحقيقة، أخضعت المغرب للاستغلال لفائدة التجار والأفاقين الذين تهافتوا عليه من كل حدب وصوب".

واجهت فرنسا في مستهلّ سعيها فرض الحماية على البلاد صعوبات جمّة، إذ اندلعت حرب أهلية عام 1907 بين السلطان عبد العزيز، الذي فقد شعبيته بسبب عجزه عن الحكم وميوله المفرطة نحو الدعم الأجنبي والأفكار الغربية، وشقيقه مولاي الحفيظ، المعارض الشرس للتدخل الأوروبي. 

وفي أغسطس 1907، حسم حفيظ الصراع لصالحه نهائيا، وأجبر شقيقه على التنازل عن العرش، إلا أنّ القوى الأوروبية، بتحريض من فرنسا وإسبانيا، رفضت الاعتراف به سلطانا، إذ اشترطت عليه، قبل الاعتراف به، بسط سيطرته على كامل البلاد، وتعهدّه باحترام بنود معاهدة الجزيرة الخضراء، والوفاء بكافة الالتزامات الدولية المترتبة على المغرب. 

وبعد طول مماطلة وفي الثلاثين من مارس عام 1912، سقط المغرب رسميا تحت نير الاستعمار الفرنسي، بعد أن رضخ السلطان حفيظ لتوقيع معاهدة الحماية، المعروفة أيضًا باسم "معاهدة فاس" أو "معاهدة تنظيم الحماية الفرنسية للمملكة الشريفة".

تضمنت المعاهدة تسعة بنود، ومما جاء في بعضها إلزام سلطان المغرب بالحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل توقيع أي معاهدة دولية، ومنح القوات العسكرية الفرنسية حق الانتشار في التراب المغربي.

لم يجف حبر معاهدة الحماية حتى اندلعت ثورات عارمة ضد الاستعمار الفرنسي في معظم المدن، قادتها النخب العربية المثقفة، "فأدرك المقيم العام الفرنسي، لويس هوبير ليوطي، خطورة فقدان شرعية الحكم حتى ولو شكليا، فقرر إعادة تنصيب الأسرة العلوية الحاكمة، ليس من خلال السلطان عبد الحفيظ الذي فقد شعبيته، بل من خلال شقيقه الأصغر، مولاي يوسف"، يقول الباحث في الدراسات الشرق الأوسطية في جامعة نورث كارولاينا الأميركية، سمير سفيان، في ورقة بحثية. 

ولم يهدف ليوطي من تنصيب مولاي يوسف منحه سلطة حقيقية، بل سعى من خلال ذلك إلى الحفاظ على "قناع" الحكم غير المباشر واسترضاء الشعب المغربي، يقول الباحث.

وقد عانى المغرب من وطأة الاستعمار لمدة 44 عاما، اشتعلت خلالها نار المقاومة الشعبية، وصولا إلى ذروتها مع نفي السلطان محمد بن يوسف (لاحقا "الملك محمد الخامس"). وفي النهاية، رضخت فرنسا لضغوطات الشعب والإعلان عن استقلال البلاد في الثاني من مارس 1956.

المصدر: أصوات مغاربية