المغرب

دور سينما تاريخية تواجه "مأساة" الإغلاق في المغرب

04 فبراير 2022

فقد حارس سينما الملكي في الدار البيضاء ربيع دراج "أي أمل" في إنقاذ هذه القاعة العريقة "من الموت" بعدما طالها النسيان والإهمال، على غرار قاعات تاريخية كثيرة تمثل تراثا سينمائيا في المغرب.

وسط سوق مكتظ بحي درب السلطان الشعبي في العاصمة الاقتصادية للمملكة، رأت هذه القاعة النور أواخر أربعينات القرن العشرين. وقد اعتمدت في بنائها أرقى الأساليب الهندسية بتوجيه من الملك محمد الخامس آنذاك، لجعلها تنافس الدور التي كانت مخصصة للفرنسيين أثناء فترة الحماية. لكنها اليوم فقدت بريقها.

فقد أصبح بهوها مستودعا كدست فيه البضائع، بينما احتل جهاز تلفاز شباك بيع التذاكر، ولو أن قائمة الأسعار ما تزال معلقة فوقه كشاهد أخير على الهوية الأصلية للقاعة التي أغلقت أبوابها عام 2016.

وقد أصبح الولوج إلى مقاعدها الـ1060 مستحيلا، إذ تعيق الدخول دمى يعرض عليها الباعة الملابس الجاهزة.

ويقول ربيع متحسرا "للأسف لا يدركون الأهمية التاريخية لهذا المكان"، وهو يبلغ من العمر 42 عاما قضى 20 منها حارسا لهذا المكان.

على غرار هذا الموقع العريق، شهدت نحو مئة قاعة أخرى مأساة مشابهة بسبب هجر الجمهور وغياب الاهتمام، حتى أن بعضها استحال خرابا قبل هدمها.

"قصة حب"

يحدث ذلك رغم أن هذه القاعات تُعدّ بمثابة جواهر معمارية، شاهدة على تاريخ يمتد أحيانا حتى بدايات القرن الماضي.

بدأت تلك الفترة الذهبية في تاريخ القاعات السينمائية بالمغرب مع تشييد أولاها على يد المستعمرين الفرنسيين، قبل أن تشرع الحركة الوطنية في بناء قاعات أخرى منافسة مخصصة لجمهور مغربي. لكن نجمها بدأ في الأفول خلال التسعينيات.

يأسف المصور الفوتوغرافي الفرنسي فرنسوا بوران لهذا المصير قائلا "عاش المغاربة قصة حب مع السينما، لكن التلفزيون وأشرطة الفيديو، وخدمات البث عبر الأنترنت اليوم قتلت هذا الحب".

وقد عمل فرنسوا على توثيق هذا التراث "الفريد من نوعه" في كتاب مصور ضخم بالفرنسية حول دُور السينما في المغرب، نشر في ديسمبر. 

في مدينة مكناس (وسط) شكل إغلاق قاعة "ريجانت" عام 2006 ضربة قاسية بالنسبة ليحلى يحلى الذي تولى تسييرها على مدى 35 عاما. وقد شُيدت الصالة في عشرينات القرن العشرين بأسلوب يحمل بصمات طراز الباروك الأوروبي، وكانت في الأصل قاعة مسرح.

يقول يحلى ذو السبعين عاما الذي التقته وكالة فرانس برس بالدار البيضاء "كان الأمر قاسيا علي لدرجة أنني مرضت بسببه".

ويضيف ببزته الأنيقة "لدي ذكريات لا تمحى مع هذه القاعة، فيها تعلمت المهنة ورأيت الكثير من النجوم، واستطعت أن أعبر عن كل حبي للفن السابع". 

وقد استطاع العودة إلى الميدان عبر قاعتي "أبولو" ثم "أ ب س" في مكناس، قبل أن يعيش مجددا مأساة إغلاقهما في 2009 و2020 تواليا.

ويختم متحسرا "إنها مأساة! الأجيال الجديدة لا تعرف للأسف قيمة السينما".

"حيرة"

على الرغم من هذا الانهيار ما تزال بعض القاعات التاريخية القليلة صامدة في بلد لا يضم سوى 27 دار سينما مفتوحة، وذلك بفضل جهود بعض عشاق الفن السابع والدعم الرسمي لتجديد القاعات وتحديثها باستخدام التقنيات الرقمية، وإن كان ذلك غير كاف بنظر المهنيين.

من بين القاعات الصامدة سينما الريف في أحد الشوارع الرئيسية للدار البيضاء، والتي يعود تاريخ بنائها إلى العام 1957. وهي بمثابة "فضاء عابر للزمن" كما يصفها فرنسوا بوران، بجدرانها المغطاة بمنسوجات بنفسجية من طراز مخملي، بينما كسيت الكراسي الـ950 بثوب أحمر لا يقل رفعة.

ويقول صاحبها حسن بلقاضي (63 عاما) "إنها قاعة فريدة من نوعها لكنني لا أخفيكم حيرتي، فالوضع يصير صعبا أكثر فأكثر".

فقد عمقت جائحة كوفيد-19 أزمة القطاع، إذ لم يُسمح لدور السينما بأن تعيد فتح أبوابها إلا في يوليو الماضي بعدما ظلت مغلقة لأكثر من عام.

على الرغم من دعم حكومي بقيمة 9 ملايين درهم (أكثر من 950 ألف دولار) من المركز السينمائي المغربي (رسمي) "إلا أننا لا نزال لم نتجاوز المأزق"، يضيف بلقاضي.

وللدلالة على صعوبة الوضع، يشير بلقاضي إلى اضطراره لإغلاق قاعتين تاريخيتين في الدار البيضاء منذ 2020، وهما "أ ب س" التي بنيت العام 1948 و"ريتز" التي شيدت في 1950.

ويتساءل "ما الجدوى من تصنيف هذه المباني كمآثر تاريخية إذا لم تكن السلطات تدعم بقاءها على قيد الحياة؟". 

لا يمكن هدم المباني المصنفة على أنها "تراث وطني" في المغرب، لكن "من الملحّ جدا أن نتحرك قبل فوات الأوان" يختم بلقاضي.

  • المصدر: أ ف ب

مواضيع ذات صلة

Aftermath of a deadly earthquake in Morocco
جانب من المناطق المتضررة من زلزال الحوز الذي ضرب وسط المغرب

سجلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تقرير حديث لها "عدم جاهزية مؤسسات الدولة" في تدبير الكوارث بالمناطق المتضررة من الزلزال، مشيرة إلى غياب برامج وطنية موضوعة ومصممة لمواجهة الكوارث الطبيعية بصفة عامة.

ويأتي تقرير الجمعية الذي يرصد "تداعيات الزلزال والواقع الحالي للساكنة"، بعد ما يقارب تسعة أشهر على وقوع زلزال الحوز الذي خلف قرابة ثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمشردين، وقد بلغت قوته 6.8 درجات بحسب المعهد الجيوفيزيائي الأميركي و7 درجات بحسب المركز الوطني للبحث العلمي والتقني المغربي.

ووقفت الجمعية في تقريرها على مجموعة من "الانتهاكات والخروقات" كما سمتها والتي رافقت وفقها تدخل السلطات المغربية ومقاربتها في التجاوب مع المتضررين من الزلزال، مسجلة "ضعف تدخل أجهزة الدولة لتقديم خدمات الايواء والغذاء للمتضررين مع تسجيل ارتفاع منسوب الدعم والمساعدات من طرف مختلف مكونات الشعب المغربي".

وانتقد التقرير "مبلغ الإهمال والتقصير في تقديم الخدمات للتخفيف من الآثار السلبية للزلزال وتداعياته التي لازالت مستمرة"، مؤكدا "غياب التنسيق والارتباك في تقديم المساعدات للمتضررين" و"عدم مواكبة الحكومة ووقوفها على سير عمليات الإغاثة والدعم المفروض القيام به بشكل استعجالي وبما يلبي حاجيات الساكنة".

ونبه التقرير إلى "فظاعة الوضع الذي مازال مستمرا" بخصوص إيواء الساكنة المتضررة في "شروط غير إنسانية" بإقليمي الحوز وشيشاوة إثر "اعتماد خيام بلاستيكية سرعان ما تلاشت أمام الظروف المناخية والجوية بالمناطق الجبلية أو اعتماد البناء المفكك ذو المساحة الضيقة".

ومن جهة أخرى، سجل التقرير حدوث "التمييز بشأن التعويضات عن السكن مع تسجيل إقصاء الأرامل وبعض الأسر"، مضيفا "عدم إشراك ساكنة الدواوير التي هدمت كليا ولم يعد موقعها صالحا للسكن وفرض حلول غير ملائمة لعيشهم".

وأكدت الجمعية على "ضرورة تجاوز سياسة الترقيع والدعاية المجانبة للحقيقة والواقع والعمل بسرعة على توفير البنيات والخدمات الاجتماعية"، داعية إلى "تحمل الدولة مسؤولية أية كارثة إنسانية أخرى قد تحل بالساكنة المتضررة".

وتبعا لذلك، طالب المصدر ذاته "الدولة بالتفعيل الميداني للفصل السادس من القانون الإنساني الدولي المتعلق بحماية السكان من الكوارث الطبيعية وتعويضهم مع تنزيل المراسيم والقوانين المتعلقة بمكفولي الأمة والخاص بالمناطق المنكوبة المعلن عنها".

وشدد المصدر على "التعجيل بتوفير بناء وتجهيزا وتأطيرا لمختلف المرافق الصحية والتعليمية والسكنية اللائقة وفق شروط تضمن الجودة وتكافؤ الفرص والمساواة المجالية وبين الجنسين".

"مواكبة الحكومة"

وكانت الحكومة المغربية أعلنت في وقت سابق عن تخصيص 120 مليار درهم (12 مليار دولار) خلال 5 سنوات مقبلة لدعم المناطق المتضررة من الزلزال وصرف 2500 درهم (نحو 250 دولارا) شهريا لكل أسرة متضررة من الزلزال بداية من سبتمبر الماضي ولمدة سنة.

إلى جانب ذلك، أعلنت الحكومة أيضا عن تقديم دعم مالي قدره 140 ألف درهم (نحو 14 ألف دولار) للأسر التي انهارت مساكنها بشكل تام جراء الزلزال و80 ألف درهم (8 آلاف دولار) لدعم الأسر التي تضررت منازلها جزئيا. 

ويشار إلى أن اجتماع اللجنة البين وزراية المكلفة ببرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة من زلزال الحوز، نهاية يناير المنصرم، سجل أن أكثر من 44 ألف أسرة تسلمت مبلغ 20 ألف درهم كدفعة أولى لإعادة بناء المنازل التي تضررت بشكل كلي أو جزئي وإصدار تراخيص إعادة البناء لفائدة 30 ألف طلب.

 

  • المصدر: أصوات مغاربية