جنود من البحرية التايوانية يستعدون لاستقبال ركاب طائرة قادمة من الصين - أرشيف
This handout from the Royal Thai Navy taken and released on Feburary 4, 2020 shows navy officials preparing for the arrival of a plane carrying Thai nationals who had been evacuated from Wuhan, the epicentre of the novel coronavirus outbreak, at U-Tapao…

عريب الرنتاوي/

يصعب التكهن بصورة العالم بعد "تسونامي كورونا"... ما زلنا في قلب الوباء، وتقديرات الخبراء تذهب للقول بأننا لم نبلغ ذروة انتشاره وتفشي تداعياته بعد... بيد أن ذلك لم يمنع الكثيرين ولا يمنعنا، من إجراء بعض التمارين الذهنية، لاستشراف بعضٍ من السيناريوهات المحتملة، فـلطالما كان "المخيال" البشري قادرا على التنبؤ بالمستقبل، وملء الفراغ المعرفي، أليست هذه هي حال الفلاسفة والمفكرين الرؤيويين على امتداد التاريخ المكتوب للإنسان؟

الكارثة الاقتصادية، وفقا للخبراء، تبدو محققة... ليس "كورونا" وحده هو المسؤول عن تشكلها وتفاقمها... "كورونا" هبط على الاقتصادات العالمية، وهي تقف على شفير هاوية من أزمة ركود وتباطؤ اقتصاديين تذكر بما حصل قبل أزيد من عشر سنوات... و"كورنا" داهم الأسواق، وهي تعاني من "تخمة نفطية"، وهبوط غير مسبوق في الأسعار، يذكر بما كان عليه حالها قبل عقدين من الزمان.

يصعب من الآن تقدير حجم الخسائر الاقتصادية التي ضربت الأسواق والاقتصادات العالمية... لكن الأرقام الأولية "فلكية" بامتياز، وتكاد تجهز على مكاسب النمو التي سجلته دول الاقتصادات المتطورة والأسواق الناشئة... لا حصر لخسائر القطاعات الاقتصادية المختلفة، لكن المؤكد أن صناعات بأكملها ستنهار، وملايين العاملين سيفقدون وظائفهم وفقا لتقارير أممية أولية، لم تخف تشاؤمها من المستقبل.

نظريات فاشية ظننا أن الدهر أكل عليها وشرب تطل برأسها البشع من جديد

الكيفية التي ستدير بها الدول الكبرى، "جائحة كورونا" واحتواء تداعياتها، وسرعة الاستجابة وفاعليتها في احتواء هذا الوباء، ستقرر من جديد "توازنات القوى" بين الأقطاب الصناعية الدولية... هنا يختلط حابل التنبؤات العلمية بوابل الحسابات السياسية... من قائل بأن الاقتصاد الأميركي سيحافظ على "قصب السبق" في المباراة الاقتصادية العالمية، إلى قائل بأن الصين، بؤرة الفيروس ووطنه الأول، ستخرج أكثر تعافيا بالمعنى النسبي، وستقود عجلة الاقتصاد العالمي في زمن أسرع بكثير من كل التكهنات السابقة... التقدير بهذا الشأن، صعب في هذه المرحلة، والتقرير بشأن مستقبل "توازنات القوى الاقتصادية"، سابق لأوانه، وينطوي على مجازفة معرفية كبرى.

أنظمة الإدارة، خصوصا في زمن الأزمات الكبرى، تتعرض بدورها لأكبر اختبار تواجهه منذ الحرب العالمية الثانية... حتى الآن، لا يبدو أن الدول المنتصرة في تلك الحرب، تدير أزماتها الراهنة، بكل كفاءة واقتدار: تقديرات بائسة لحجم الأخطار وطبيعتها، إجراءات متأخرة كثيرا عن أوانها، نقص في الاستعدادات المادية والعلمية، البشرية واللوجستية...

تتفاوت الصورة من بلد إلى آخر، بيد أن القاسم المشترك الأعظم بينها جميعا، يشي بدرجات عالية من انعدام الكفاءة والجاهزية، ربما تكون انعكاسا لما تواجهه النظم السياسية في هذه الدول، من أزمات متراكبة ومتراكمة... العالم، بما فيه "العالم الأول"، يعيش اختبارا غير مسبوق، لكأن الكارثة داهمته على نحو مفاجئ وعلى غير استعداد.

منظومة العلاقات الدولية تشهد اهتزازا حادا، المراكز الدولية تواصل حروبها المعلنة والمضمرة... الفيروس وفّر مادة جديدة للتراشق... من وصفه بـ"الصيني" بصورة مستفزة لبكين (النظرية العنصرية)، إلى اتهام الولايات المتحدة بتصنيعه وزرعه في ووهان (نظرية المؤامرة)...

نظريات فاشية ظننا أن الدهر أكل عليها وشرب تطل برأسها البشع من جديد: "أمن القطيع" و"نظرية الانتخاب الطبيعي" الدارونية... دخول الفيروس على خط "الحرب السيبرانية"، والـ “Fake News”، اتهامات واتهامات مضادة لموسكو من الغرب، وللغرب من قبل الصين، لا أحد "يرجئ حرب اليوم إلى الغد".

لا أحد من الأقطاب المتعددة في العالم يريد أن يتخذ من الانتشار الوبائي للفيروس الخبيء والخبيث، سببا للاقتناع بالحاجة إلى "هدنة مؤقتة" أو مناسبة لـ"وقف إطلاق النار"... الحرب في اليمن متواصلة بمعدلاتها القديمة... والفيروس أعطى جرعة دراماتيكية لـ "ورقة اللاجئين" في الصراع بين تركيا وأوروبا، وواشنطن ماضية في تشديد عقوباتها على إيران، والأخيرة وجدتها مناسبة للتخلص من نظام العقوبات دون تقديم تنازلات، فيما الأطراف العراقية المتناحرة تعجز عن التوافق حول رجل واحد يشكل حكومة جديدة للعراق، والمرتزقة ما زالوا يتوافدون إلى ليبيا، وهذه المرة ليس إلى طرابلس الغرب فحسب، بل وإلى بنغازي كذلك، وتحت جنح الفيروس والانشغال العالمي باحتوائه، يتسلل إردوغان إلى عفرين، في تأكيد على الغطرسة والتبجح، ويفاخر الأسد بانتصاراته في الغوطة الشرقية، وحرب "الإخوة الأعداء" في لبنان، تمنع حسان دياب من التقدم خطوة جدية واحدة للأمام.

منظومة العلاقات الدولية تشهد اهتزازا حادا، المراكز الدولية تواصل حروبها المعلنة والمضمرة

"العولمة" التي كانت تتعرض لطعنات نجلاء من قبل النزعات "الوطنية" و"الشعبوية" و"الانغلاقية" و"الحمائية"، عودة سياسة "الجدران" والحدود المغلقة، والميل للانسحاب من التكتلات الكبرى (البريكيست) والاتفاقات والمعاهدات الدولية (المناخ مثالا)...

"العولمة" المترنحة هذه، لم يكن ينقصها سوى "كورونا" لتتعرض لمزيد من السهام والطعنات... كراهية اللاجئين والمطالبة بطردهم ووقف استقبالهم و"إغلاق" مخيماتهم بإحكام، ليست سوى غيض من فيض "عنصرية" تتلطى بالإجراءات الاحترازية في مواجهة الفيروس اللعين...

وبعيدا عن قضية الأجانب واللاجئين وصراع الهويات، لم نر تضامنا وسخاءً دوليين في التعامل مع الجائحة، بل رأينا أعلى مستويات الأنانية والانكفاء إلى الداخل، بلغت حد "تسكير" حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية، والبدء بـ"تسكير" الحدود بين دوله كذلك... التخلي الدولي عن إيطاليا المنكوبة، ينهض شاهدا على ما نريد قوله.

الديمقراطية التي كانت مهددة بدورها، على وقع صعود اليمين الشعبوي في الغرب، والانتكاسات المتعاظمة في دول جنوب المتوسط، والصعود المتنامي لأدوار أنظمة "لا ديمقراطية" في العالم: الصين وروسيا، وما يفعله اليمين الشعبوي في الهند وبعض دول أميركا اللاتينية... "الديمقراطية المترنحة" هذه، لم يكن ينقصها سوى "تسونامي كورونا" حتى يصبح "تفعيل قوانين الدفاع والطوارئ" والمطالبة بإنزال الجيوش إلى المدن والطرق الواصلة بينها، من أكثر المطالب الشعبية رواجا، وبوصفها سبيل الخلاص الأخير...

لكأن البشرية التي بشر كارل ماركس من قبل، ومن بعده منظرو الرأسمالية الحديثة، وكل من زاوية نظر مختلفة بالطبع، بقدرتها على تنظيم نفسها بنفسها، ترفع الراية البيضاء، وتطالب بعودة فورية وغير مشروطة، لأدوات الحكم والتحكم القديمة

وحده "المناخ" يأتينا بالأنباء السارة... تعطلت المصانع أو بالأحرى تباطأت قليلا، فكانت النتيجة هواءً أنظف في الصين... تراجع الشغف بالسياحة فنظفت مياه البندقية وتلألأت من جديد... خف الطلب على النفط، فتراجعت نسب الكاربون في الجو... أليس في ذلك دعوة للبشرية جمعاء، لوقف الاستخدام الجائر لمواردنا البشرية، وإبطاء وتائر تدمير الكوكب والمس بنظامنا الطبيعي ـ البيئي؟

أما على المستوى الإنسان الفرد، فقد أظهرت أزمة كورونا أسوأ ما فينا وأحسن ما فينا على حد سواء، وهذا فعل الأزمات عموما، ففيها تُختبر إنسانيتا ومستويات... التهافت على تخزين السلع من غذاء ودواء كان ظاهرة بشرية بامتياز، لم تنج منه الدول المتقدمة ولا المتخلفة...

وحده "المناخ" يأتينا بالأنباء السارة... تعطلت المصانع أو تباطأت قليلا، فكانت النتيجة هواءً أنظف في الصين

غياب الانضباط الذاتي النابع من الوعي بالمسؤولية الفردية عن مكافحة الآفة، ما اضطر دولا عديدة، في العالمين الأول والثالث، لإنزال جيوشها وفرض أحكام الطوارئ وقوانين الدفاع... "جري الضواري" و"صراع البقاء"، ميّز سلوك كثيرين منّا، مشاهد التهافت والمشاجرات على أبواب المتاجر، كانت محمّلة بالدلالات على قرب عهدنا بـ"صراع البقاء"، ومنظر طوابير الأميركيين المصطفين أمام محلات بيع السلاح، صدمت العالم، الذي ظنّ في غفلة من أمره، أن "سيادة القانون" باتت من مسلمات حياتنا، فإذا بنا نعود في لمح البصر إلى "قانون الغاب".

أين الاستثمار في "الثقافة المدنية" و"روح المواطنة" و"سيادة القانون" الذي استغرق من وقت البشرية ومواردها، عشرات السنين ومليارات الدولارات... ولولا بعض قصص وصور، لأناس قرروا تقديم مشاهد ومبادرات مغايرة، وأظهروا أحسن ما لديهم وأفضل ما يعتمل في صدورهم، لكانت صورة البشرية جمعاء، قاتمة ومدعاة للتشاؤم والاكتئاب.

ما زلنا في قلب المعمعة، والصورة لم تكتمل بعد، والجائحة مفتوحة على شتى الاحتمالات، والعالم بعد كورونا لن يكون كما قبلها، والمؤسف والمقلق معا، أننا لا نعرف كيف سيكون.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة في دلالات الانتخابات الإسرائيلية وظاهراتها الجديدة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

آراء حرة

نحو إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق

26 مارس 2020

بابكر فيصل

قبل عدة سنوات قامت "منظمة مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" (إيرا) المناهضة للرق في موريتانيا بإحراق بعض كتب الفقه المالكي، ومن بينها كتاب الشيخ خليل بن إسحاق "مختصر خليل" لأن تلك الكتب بحسب رأي المنظمة تمجِّد العبودية وتدعو لاستمرارها في موريتانيا.

من المعروف أن ملف الرق في موريتانيا ظل يلقي بظلاله الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية حتى اليوم. وفي عام 2012 فجرت إذاعة القرآن الكريم التابعة للنظام في موريتانيا أزمة كبيرة عندما بثت حديثا للفقيه السعودي صالح بن عواد بن صالح المغامسي قال فيه أثناء محاضرة على الهواء إن بإمكان الذين يريدون كفارة العتق شراء العبيد من موريتانيا بـ 10 آلاف ريال.

قالت منظمة العفو الدولية إن عدد الأشخاص الذي يعيشون تحت قيود الرق بلغ نحو 43 ألف فرد في عام 2016، وهو ما يمثل نسبة 1 في المئة من السكان في موريتانيا، وأدانت المنظمة في تقرير أصدرته في مارس 2018 "القمع المتزايد الذي يتعرض له المنظمات والأفراد الذين يجرؤون على إدانة ممارسات الرق والتمييز، وكذلك إنكار الحكومة لوجود هذه المشكلة".

من ناحيته، قال رئيس منظمة "إيرا" إن: "صمت الفقهاء الموريتانيين عن إدانة الرق هو الذي أدى إلى الضبابية في التعامل مع الملف بأكمله. ولو أننا وجدنا حركة علمية تقود التنوير في هذه القضية لما وجدنا أنفسنا أمام هذه الممارسة الفجة". وأوضح أن منظمته: "حاولت سابقا مع كل الفقهاء والأئمة اتخاذ موقف من النسخة المحلية للفقه المالكي التي تُحرِّم إمامة الأرقاء لصلاة الجمعة، وتكرِّس التمييز العرقي بموريتانيا".

لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة

الرق كان ممارسة موجودة وسائدة في العالم قبل مجيء الإسلام، والإسلام لم يُحرمه تحريما قاطعا تماشيا مع ظروف العصر التي جاء فيها، ولكنه شجع وحض على عتق العبيد انطلاقا من المفهوم الديني الأساسي الذي ينبني على المساواة بين جميع المسلمين في العقيدة.

عرف المجتمع الإسلامي ـ شأنه شأن كل المجتمعات ـ الرق في الغزوات والفتوح، وكانت للمسلمين أسواقا لبيع وشراء العبيد، وقد أقامت الشريعة قواعد التعامل مع الرقيق وفصلت فيها كتب الفقه تفصيلا كبيرا ودقيقا.

ميَّزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر، والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا، فكان الأرقاء يقعون ضمن عداد الأشياء والممتلكات والأموال، يُباعون ويُشترون ويُوَّرثون دون حقوق، وكانت الإماء يستخدمن للمُتعة الجنسية ولا يتوفرن على حقوق الزوجات الحرائر.

بمرور الزمن، ومع التطور الكبير الذي أصاب المجتمعات الإنسانية حدثت تحولات كبيرة في موضوع الرق أدت إلى إلغائه إلغاءً تاما، واعتباره جريمة تُعاقب عليها القوانين، ويرفضها الضمير السليم، وتأباها الأخلاق الكريمة. حيث شهدت جنيف في سبتمبر 1962 توقيع الاتفاقية الخاصة بالرق، والتي منعت جميع الصور التي يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى أي شكل من أشكال العبودية.

ولكن الأمر المؤسف أن الجمود الذي أصاب الشريعة جرَّاء قفل باب الاجتهاد، أدى لتخلف المسلمين عن قراءة النصوص القرآنية بشكل جديد واستنباط الأحكام التي تتماشى مع روح العصر، مما خلق التباسا كبيرا في نظرة الشريعة لموضوع الرق في الوقت الحاضر، بحيث ما يزال البعض يؤمن باستمراره حتى اليوم.

وقد أصبح من المستحيل في زماننا هذا تطبيق أحكام الآيات القرآنية التي تتحدث عن العبيد وملك اليمين، ولذا توَجب التوفر على اجتهاد ديني مستنير يستند إلى قراءة للنصوص تنفذ إلى الحكمة الإسلامية من الحض والتشجيع على العتق في الزمن الماضي الذي استحال فيه إلغاء مؤسسة الرق والنظم الاقتصادية والاجتماعية الراسخة المرتبطة به.

هذه الحكمة تقول إن تغير الأحوال قد جعل من الممكن بل من الفرض والواجب إلغاء ما استحال إلغاؤه في الماضي، وإن غاية الدين هي صون الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين بني آدم ولذا توجب إصدار "إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق".

قطعا سيخرج علينا بعض المتفيقهين قائلين إن هذا الكلام يُحرِّض على تعطيل العمل بآيات القرآن، وسنرد عليهم بالقول إننا ندعو لاجتهاد في قراءة تلك الآيات عبر النظر في الحكمة والمقاصد الكلية للشريعة، مثلما فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مع سهم المؤلفة قلوبهم، ومثلما اجتهد في غنائم أرض سواد العراق.

دعوتنا هذه ليست دعوة لإلغاء آيات قرآنية، فهذا أمر لا يتورط فيه إلا مُدلٍ بباطل أو داعيةٍ لفتنة أو متجانف لإثم، ولكنها مناداة بوقف العمل بالأحكام المتعلقة بتلك الآيات، وهذا أمر أقره الفقه إدراكا للمصالح ومراعاة لتبدل الزمان.

تناول كاتب هذه السطور في رسالة للدراسات العليا (2009) بالدراسة بعض كتب الفقه التي تُدرَّس في معاهد الأزهر الشريف، ومنها كتاب "الروض المربع بشرح زاد المستنقع" المقرر على طلاب الصف الثالث الثانوي في المذهب الحنبلي، وهو كتاب عمره أكثر من ثلاثة قرون، وجاء فيه في باب القصاص أنه: "لا يُقتل المسلم لقتله كافرا، أو الحر لقتله عبدا، أو الأب لقتله ابنه". وقد سألتني الأستاذة المشرفة على الرسالة بدهشة: لماذا تُدرس هذه الأحكام التي عفا عليها الزمن للتلاميذ في هذا العصر؟

لم تعرف الأستاذة أن متاحف كتب الفقه التي تثقل كاهل المكتبة الإسلامية وتغذى بها عقول التلاميذ مليئة بالكثير من مثل هذه الأحكام العتيقة المفارقة لروح العصر، فهذا هو كتاب "تقريب فتح القريب" الذي كان مقررا في المرحلة الإعدادية بالأزهر يقول في أحكام النفقة: "نفقة الرقيق والبهائم واجبة فمن ملك رقيقا أو عبدا أو أم ولد أو بهيمة وجب عليه نفقته". ويقول في معاملة الأسرى: "إسلام الكافر لا يعصم زوجته عن استرقاقها ولو كانت حاملا".

هذه مجرد أمثلة بسيطة تعكس ما تمتلئ به كتب الفقه في المذاهب الأربعة من تشريعات وقواعد تحكم فقه التعامل مع العبيد الأرقاء في حياتهم وبعد موتهم. هذه الأحكام ما زالت تُدرَّس في المدارس حتى اليوم.

لا بد من إزالة مثل هذه الأحكام من المناهج التعليمية لأنها تكرس التعامل مع ظاهرة الرق التي تجاوزها الزمن، وهو الأمر الذي جعل تلميذة سعودية ذكية تقول: "عندما كنت في المدرسة وحتى عندما أقرأ الكتب الدينية تستوقفني الكفارات التي أساسها عتق الرقبة أو منح الحرية للعبيد، وكنت أناقش صديقتي في ضرورة مسحها من المنهاج لأن العبودية ذهبت إلى الأبد".

مما يثير دهشة المرء في أمر من يخلعون على أنفسهم لقب "علماء" ممن برعوا في تدبيج الفتاوى في أمور تافهة مثل إرضاع الكبير ومضاجعة الزوجة بعد موتها أو ما يعرف بجماع الوداع، أنهم لا يمتلكون الشجاعة والجرأة الكافية لإصدار فتوى واضحة في ممارسة خطيرة مثل الرق تلقي بظلالها السالبة على كرامة وآدمية وحياة ومستقبل الآلاف من البشر، بل أن بعضهم لا يتورع عن إجازة امتلاك العبيد والإتجار بهم!

من بين هؤلاء السعودي عبد الله الفقيه، مسؤول الفتوى بموقع "الرقية الشرعية" الذي أصدر فتوى بالرقم 2372 بتاريخ 19 شوال 1421 في إجابته على السؤال التالي: هل تجارة العبيد حلال أم حرام؟ وهل ملك اليمين حلال أم حرام؟ وما موقفها إن كانت متزوجة؟

يتوجب إصدار "إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق"

وجاء في نص الفتوى أن "ما ملك من الرقيق ملكا شرعيا صحيحا جاز بيعه وهبته وتأجيره. والأنثى من الرقيق يجوز لسيدها الاستمتاع بها ما لم تكن متزوجة، أو محرمة عليه بنسب أو سبب لقوله تعالى: ‘والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين’ المؤمنون:5-6".

لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة، وكل ما يوجد هو حديث عام عن حث الإسلام على العتق، وعلى تضييق مصادر الرقيق، ومعاملتهم معاملة طيبة. كما أن هناك من يتعلل بأنه يجب السكوت عن هذا الأمر لأن الرق غير موجود في عالم اليوم، بل أن هناك من يمضي أبعد من ذلك ويقول بأن الأحكام الخاصة بالرق يجب أن لا تُلغى لأن المجتمعات الإنسانية قد تعود لممارسته في المستقبل!

وحتى عندما منعت دولا إسلامية ممارسة الرق بقرار سياسي وليس بفتوى أو رأي فقهي وجدت معارضة شديدة من قبل من يُسمون بالعلماء، وكذلك من المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما تشهد به تجربة الملك فيصل بن عبد العزيز في السعودية عندما قرر منع الرق.

الإسلام دين الكرامة، لا عبودية فيه إلا لله، والحرية الإنسانية أصل مقدس من أصوله عبرت عنها صرخة الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وهي الصرخة التي وجدت صداها بعد أربعة عشر قرنا في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن: "الناس جميعا يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق".

 

-------------

كتب الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).