آراء حرة

كورونا يفضحنا...

26 مارس 2020

 

سناء العاجي

كورونا اليوم يفضح مستوى الوعي الذي يجعل الإشاعة تنتقل بسرعة أكبر من سرعة انتشار الفيروس نفسه.

يفضح مستوى الوعي الذي يجعل الكثيرين، بمن فيهم أشخاص بمستويات جامعية، مستعدون لتصديق أي شيء بخصوص نظريات المؤامرة ودور أميركا وإيران والصين ومختبرات الأدوية... أي شيء مهما كان بعيدا عن العقل والمنطق. أي شيء مهما كانت الحجج العلمية متاحة ومتوفرة بمجهود بسيط للبحث الجدي (من قال إننا نريد أن نبذل مجهودا؟).

يفضح مستوى الوعي الذي يجعل الكثيرين يؤمنون بأن خلطات الأعشاب والبهارات والليمون والقرنفل والثوم ستشفيه لا محالة في حالة الإصابة، بل وستمنع فيروس كورونا من الوصول إليه أساسا...

نحن نحتاج المستشفيات أكثر من حاجتنا للمساجد والمعابد والكنائس

يفضح مستوى الوعي الذي يجعلنا نصدق أن كل هذا هو مؤامرة ضد المسلمين، ثم تتطور الأمور لنصدق أن كل هذا هو مؤامرة إمبريالية، ثم تتطور الأمور أكثر لنكتشف أن كورونا مذكور في القرآن بتفاصيل ما نعيشه اليوم (توصلت شخصيا بعدد من رسائل الواتساب التي تفصل سورة المدثر آيةً آية، لتؤكد في النهاية أن الفايروس وأعراضه ونتائجه وعلاجه واسمه الحقيقي ـ الناقور ـ مذكور في القرآن وأن اسم كورونا لا يجوز لأنه مشتق من القرآن ـ Coran)!

وأترك لكم التعليق...

كورونا يفضح مستوى الوعي الذي يجعل لدينا استعدادا نفسيا لأن نصدق كل شيء يوهمنا بأننا ضحايا وأن العالم يتآمر ضدنا. اقتصادات كل الدول مهددة بحيث يصبح المكسب المحتمل لمختبر يصنع الفايروس واللقاح ليربح ماديا، تفصيلا عبثيا وضئيلا أمام الخراب الاقتصادي الذي يهدد الدول الغنية والفقيرة على حد سواء. الموتى في معظم الدول، وعدد الضحايا في ارتفاع لا ينتقي المسلم من البوذي ولا الأميركي من الإيطالي ولا الصيني من الأفغاني... ونحن ما زلنا نناقش المختبر الذي صنع الفيروس وأميركا وإيران وكوكب زحل!
 

ليس هناك صحفي جاد في العالم بأسره ولا عالم ولا باحث فضح المؤامرة الإمبريالية الأميركية الصهيونية ضد الصين... إلا نحن جهابذة فيسبوك وواتساب.

كورونا يفضحنا...

لأنه أيضا يفضح دولا وحكومات تنفق في الكثير من القطاعات، وتهمل الصحة والتعليم.

كورونا يضعنا اليوم أمام حقيقة بديهية، لم تحترمها حكومات كثيرة وشعوب كثيرة: نحن نحتاج المستشفيات أكثر من حاجتنا للمساجد والمعابد والكنائس. بدون تعليم مجاني بجودة عالية... وبدون منظومة صحية عالية المستوى، لا يمكننا أن نبني الإنسان ولا أن نبني الوطن.

اليوم، لا ينفعنا الشيوخ ولا الرهبان ولا الأئمة ولا المسيح الدجال. اليوم، نحتاج للعلماء والأطباء وأسِرّة المستشفيات، وقد تفتق إبداع معظم شعوبنا عن نصوص وجمل ساخرة رائعة في الموضوع.

لكن كورونا أخرج أيضا الجميل فينا... العشرات من الأشخاص قرروا التضامن الفعلي مع الأسر المعوزة

كورونا فضح استغلال الدين في السياسة، بل والمغامرة بحياة الناس باسم الدين، حين أمر شيوخٌ ورقاة ودعاة الناسَ بالخروج للتكبير والدعاء في شوارع طنجة وفاس والإسكندرية. هل يحتاج الله، كي يسمع تكبيرك، أن تخرج للشارع، أن تغامر بحياتك وحياة من حولك بسبب الانتشار السريع للعدوى؟ ألا تستطيع أن تصلي وتكبر من بيتك؟ ألستَ مؤمنا أن الله سيسمع دعاءك حيث أنت، حتى لو كنتَ في أصغر غرفة ببيتك؟

لكن كورونا أخرج أيضا الجميل فينا... العشرات من الأشخاص قرروا التضامن الفعلي مع الأسر المعوزة التي فقدت مصدر دخلها بسبب التداعيات الاقتصادية لكورونا (إغلاق المقاهي والمطاعم، توقيف بعض الأنشطة، إلخ). عدد كبير من الأشخاص قرر التكفل بمصاريف أسرة أو أكثر خلال فترة توقف الأنشطة، بينما وزع البعض الآخر مساعدات عينية أو نقدية على أسر فقيرة.

مبادرات فردية صغيرة بانتظار أن تجد الدولة حلولا فعلية لهذه الفئات.

لنتذكر أننا نشترك جميعا في الخوف من انتقال الوباء... لكن أفرادا آخرين يعانون، إضافة لذلك، من الخوف من الفقر والجوع والمهانة. لذلك، فجميل أن نوقظ الإنسان فينا.

------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

آراء حرة

نحو إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق

26 مارس 2020

بابكر فيصل

قبل عدة سنوات قامت "منظمة مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" (إيرا) المناهضة للرق في موريتانيا بإحراق بعض كتب الفقه المالكي، ومن بينها كتاب الشيخ خليل بن إسحاق "مختصر خليل" لأن تلك الكتب بحسب رأي المنظمة تمجِّد العبودية وتدعو لاستمرارها في موريتانيا.

من المعروف أن ملف الرق في موريتانيا ظل يلقي بظلاله الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية حتى اليوم. وفي عام 2012 فجرت إذاعة القرآن الكريم التابعة للنظام في موريتانيا أزمة كبيرة عندما بثت حديثا للفقيه السعودي صالح بن عواد بن صالح المغامسي قال فيه أثناء محاضرة على الهواء إن بإمكان الذين يريدون كفارة العتق شراء العبيد من موريتانيا بـ 10 آلاف ريال.

قالت منظمة العفو الدولية إن عدد الأشخاص الذي يعيشون تحت قيود الرق بلغ نحو 43 ألف فرد في عام 2016، وهو ما يمثل نسبة 1 في المئة من السكان في موريتانيا، وأدانت المنظمة في تقرير أصدرته في مارس 2018 "القمع المتزايد الذي يتعرض له المنظمات والأفراد الذين يجرؤون على إدانة ممارسات الرق والتمييز، وكذلك إنكار الحكومة لوجود هذه المشكلة".

من ناحيته، قال رئيس منظمة "إيرا" إن: "صمت الفقهاء الموريتانيين عن إدانة الرق هو الذي أدى إلى الضبابية في التعامل مع الملف بأكمله. ولو أننا وجدنا حركة علمية تقود التنوير في هذه القضية لما وجدنا أنفسنا أمام هذه الممارسة الفجة". وأوضح أن منظمته: "حاولت سابقا مع كل الفقهاء والأئمة اتخاذ موقف من النسخة المحلية للفقه المالكي التي تُحرِّم إمامة الأرقاء لصلاة الجمعة، وتكرِّس التمييز العرقي بموريتانيا".

لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة

الرق كان ممارسة موجودة وسائدة في العالم قبل مجيء الإسلام، والإسلام لم يُحرمه تحريما قاطعا تماشيا مع ظروف العصر التي جاء فيها، ولكنه شجع وحض على عتق العبيد انطلاقا من المفهوم الديني الأساسي الذي ينبني على المساواة بين جميع المسلمين في العقيدة.

عرف المجتمع الإسلامي ـ شأنه شأن كل المجتمعات ـ الرق في الغزوات والفتوح، وكانت للمسلمين أسواقا لبيع وشراء العبيد، وقد أقامت الشريعة قواعد التعامل مع الرقيق وفصلت فيها كتب الفقه تفصيلا كبيرا ودقيقا.

ميَّزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر، والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا، فكان الأرقاء يقعون ضمن عداد الأشياء والممتلكات والأموال، يُباعون ويُشترون ويُوَّرثون دون حقوق، وكانت الإماء يستخدمن للمُتعة الجنسية ولا يتوفرن على حقوق الزوجات الحرائر.

بمرور الزمن، ومع التطور الكبير الذي أصاب المجتمعات الإنسانية حدثت تحولات كبيرة في موضوع الرق أدت إلى إلغائه إلغاءً تاما، واعتباره جريمة تُعاقب عليها القوانين، ويرفضها الضمير السليم، وتأباها الأخلاق الكريمة. حيث شهدت جنيف في سبتمبر 1962 توقيع الاتفاقية الخاصة بالرق، والتي منعت جميع الصور التي يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى أي شكل من أشكال العبودية.

ولكن الأمر المؤسف أن الجمود الذي أصاب الشريعة جرَّاء قفل باب الاجتهاد، أدى لتخلف المسلمين عن قراءة النصوص القرآنية بشكل جديد واستنباط الأحكام التي تتماشى مع روح العصر، مما خلق التباسا كبيرا في نظرة الشريعة لموضوع الرق في الوقت الحاضر، بحيث ما يزال البعض يؤمن باستمراره حتى اليوم.

وقد أصبح من المستحيل في زماننا هذا تطبيق أحكام الآيات القرآنية التي تتحدث عن العبيد وملك اليمين، ولذا توَجب التوفر على اجتهاد ديني مستنير يستند إلى قراءة للنصوص تنفذ إلى الحكمة الإسلامية من الحض والتشجيع على العتق في الزمن الماضي الذي استحال فيه إلغاء مؤسسة الرق والنظم الاقتصادية والاجتماعية الراسخة المرتبطة به.

هذه الحكمة تقول إن تغير الأحوال قد جعل من الممكن بل من الفرض والواجب إلغاء ما استحال إلغاؤه في الماضي، وإن غاية الدين هي صون الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين بني آدم ولذا توجب إصدار "إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق".

قطعا سيخرج علينا بعض المتفيقهين قائلين إن هذا الكلام يُحرِّض على تعطيل العمل بآيات القرآن، وسنرد عليهم بالقول إننا ندعو لاجتهاد في قراءة تلك الآيات عبر النظر في الحكمة والمقاصد الكلية للشريعة، مثلما فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مع سهم المؤلفة قلوبهم، ومثلما اجتهد في غنائم أرض سواد العراق.

دعوتنا هذه ليست دعوة لإلغاء آيات قرآنية، فهذا أمر لا يتورط فيه إلا مُدلٍ بباطل أو داعيةٍ لفتنة أو متجانف لإثم، ولكنها مناداة بوقف العمل بالأحكام المتعلقة بتلك الآيات، وهذا أمر أقره الفقه إدراكا للمصالح ومراعاة لتبدل الزمان.

تناول كاتب هذه السطور في رسالة للدراسات العليا (2009) بالدراسة بعض كتب الفقه التي تُدرَّس في معاهد الأزهر الشريف، ومنها كتاب "الروض المربع بشرح زاد المستنقع" المقرر على طلاب الصف الثالث الثانوي في المذهب الحنبلي، وهو كتاب عمره أكثر من ثلاثة قرون، وجاء فيه في باب القصاص أنه: "لا يُقتل المسلم لقتله كافرا، أو الحر لقتله عبدا، أو الأب لقتله ابنه". وقد سألتني الأستاذة المشرفة على الرسالة بدهشة: لماذا تُدرس هذه الأحكام التي عفا عليها الزمن للتلاميذ في هذا العصر؟

لم تعرف الأستاذة أن متاحف كتب الفقه التي تثقل كاهل المكتبة الإسلامية وتغذى بها عقول التلاميذ مليئة بالكثير من مثل هذه الأحكام العتيقة المفارقة لروح العصر، فهذا هو كتاب "تقريب فتح القريب" الذي كان مقررا في المرحلة الإعدادية بالأزهر يقول في أحكام النفقة: "نفقة الرقيق والبهائم واجبة فمن ملك رقيقا أو عبدا أو أم ولد أو بهيمة وجب عليه نفقته". ويقول في معاملة الأسرى: "إسلام الكافر لا يعصم زوجته عن استرقاقها ولو كانت حاملا".

هذه مجرد أمثلة بسيطة تعكس ما تمتلئ به كتب الفقه في المذاهب الأربعة من تشريعات وقواعد تحكم فقه التعامل مع العبيد الأرقاء في حياتهم وبعد موتهم. هذه الأحكام ما زالت تُدرَّس في المدارس حتى اليوم.

لا بد من إزالة مثل هذه الأحكام من المناهج التعليمية لأنها تكرس التعامل مع ظاهرة الرق التي تجاوزها الزمن، وهو الأمر الذي جعل تلميذة سعودية ذكية تقول: "عندما كنت في المدرسة وحتى عندما أقرأ الكتب الدينية تستوقفني الكفارات التي أساسها عتق الرقبة أو منح الحرية للعبيد، وكنت أناقش صديقتي في ضرورة مسحها من المنهاج لأن العبودية ذهبت إلى الأبد".

مما يثير دهشة المرء في أمر من يخلعون على أنفسهم لقب "علماء" ممن برعوا في تدبيج الفتاوى في أمور تافهة مثل إرضاع الكبير ومضاجعة الزوجة بعد موتها أو ما يعرف بجماع الوداع، أنهم لا يمتلكون الشجاعة والجرأة الكافية لإصدار فتوى واضحة في ممارسة خطيرة مثل الرق تلقي بظلالها السالبة على كرامة وآدمية وحياة ومستقبل الآلاف من البشر، بل أن بعضهم لا يتورع عن إجازة امتلاك العبيد والإتجار بهم!

من بين هؤلاء السعودي عبد الله الفقيه، مسؤول الفتوى بموقع "الرقية الشرعية" الذي أصدر فتوى بالرقم 2372 بتاريخ 19 شوال 1421 في إجابته على السؤال التالي: هل تجارة العبيد حلال أم حرام؟ وهل ملك اليمين حلال أم حرام؟ وما موقفها إن كانت متزوجة؟

يتوجب إصدار "إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق"

وجاء في نص الفتوى أن "ما ملك من الرقيق ملكا شرعيا صحيحا جاز بيعه وهبته وتأجيره. والأنثى من الرقيق يجوز لسيدها الاستمتاع بها ما لم تكن متزوجة، أو محرمة عليه بنسب أو سبب لقوله تعالى: ‘والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين’ المؤمنون:5-6".

لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة، وكل ما يوجد هو حديث عام عن حث الإسلام على العتق، وعلى تضييق مصادر الرقيق، ومعاملتهم معاملة طيبة. كما أن هناك من يتعلل بأنه يجب السكوت عن هذا الأمر لأن الرق غير موجود في عالم اليوم، بل أن هناك من يمضي أبعد من ذلك ويقول بأن الأحكام الخاصة بالرق يجب أن لا تُلغى لأن المجتمعات الإنسانية قد تعود لممارسته في المستقبل!

وحتى عندما منعت دولا إسلامية ممارسة الرق بقرار سياسي وليس بفتوى أو رأي فقهي وجدت معارضة شديدة من قبل من يُسمون بالعلماء، وكذلك من المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما تشهد به تجربة الملك فيصل بن عبد العزيز في السعودية عندما قرر منع الرق.

الإسلام دين الكرامة، لا عبودية فيه إلا لله، والحرية الإنسانية أصل مقدس من أصوله عبرت عنها صرخة الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وهي الصرخة التي وجدت صداها بعد أربعة عشر قرنا في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن: "الناس جميعا يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق".

 

-------------

كتب الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).