آراء حرة

المساجد وصلاة الجماعة بعد كورونا

28 أبريل 2020

د. عماد بوظو

أصبح من المؤكد أن عالم ما بعد كورونا سيكون مختلفا عن ما قبله، وأن مراكز العبادة ستكون من بين أكثر الأماكن تأثّرا بانعكاسات هذا الوباء نتيجة الطبيعة الجماعية للكثير من الطقوس الدينية. كان ذلك واضحا في غياب المسيرات التقليدية وفي الكنائس الخاوية في احتفالات عيد الفصح الأخير. حتى ساحة القديس بطرس في روما كانت شبه فارغة في منظر لم يره أحد منذ زمن، وكذلك في غياب الاجتماعات العائلية الكبيرة عن عيد الفصح اليهودي "بيساح". ولم يختلف منظر الحرم المكي الذي تم إخلاؤه من الطائفين والمصلين، كما تم إغلاق الكثير من المواقع الدينية البوذية والهندوسية في العالم أمام الجمهور.

اتخذت هذه الإجراءات بعد عدة حوادث ساهمت بانتشار الفيروس بشكل واسع عبر دور العبادة، مثل جنازة في مدينة ألباني الأميركية حضرها 100 شخص وانتقلت عدوى كورونا إلى أغلبهم ومعهم موظفي مكتب الدفن والمصلّين في الكنيسة التي أقيم فيها القداس بحيث وصل عدد المصابين بالمقاطعة إلى 607 أفراد توفي 30 منهم خلال أيام. وفي مقاطعة سكرامنتو بكاليفورنيا قال مسؤول الصحة إن ثلث حالات الإصابة تعود إلى أماكن العبادة بينهم 71 شخصا من أعضاء كنيسة سلافيّة. وهناك محامي في نيويورك نقل العدوى لعائلته وللكنيس الذي تزوره العائلة مما أدّى إلى فرض حجر صحّي منزلي على ألف شخص. 

كذلك انتشر فيروس كورونا في مدينة قم الإيرانية عن طريق عشرات الطلاب القاطنين في حي زنبل أباد الذين خالطوا طلاب معهد الإمام الخميني وجامعة المصطفى في العاصمة الدينية لإيران مما جعلها عاصمة كورونا أيضا.

السجّاد الذي تتم الصلاة عليه في المساجد هو بيئة مناسبة يستطيع فيروس كورونا العيش فيها لفترة طويلة

هذه الحوادث دفعت السلطات الإسلامية لإغلاق المساجد من جاكرتا إلى طنجة، حتى المسجد الحرام والمسجد النبوي أصبحوا شبه فارغين لأول مرة في العصر الحديث. وقال الفقيه الإسلامي الجزائري محمد مولودي إن إغلاق المساجد هو القرار الصائب لأن الإسلام يدعو للحياة وليس للموت، خصوصا لأن الأغلبية المطلقة من مضاعفات ووفيات وباء كورونا الحالي تحدث عند الرجال فوق الستين من العمر أي نفس الشريحة التي تذهب بانتظام إلى المساجد.

وما زال من المبكر معرفة إلى متى ستستمر إجراءات العزل التي فرضها وباء كورونا، فقد قالت دراسة لجامعة هارفارد إن سياسة التباعد الاجتماعي قد تستمر حتى عام 2022 لإيقاف أي ضغوط جديدة على المستشفيات، لأن احتمال اختفاء هذا الفيروس نهائيا كما حدث مع فيروس السارس قد لا يتحقق لأن عدد الإصابات المؤكدة في كورونا الحالي قد تجاوز المليونين، وكل ما حدث حتى الآن قد لا يكون سوى الموجة الأولى لهذا الوباء والتي قد تتبعها موجات أخرى، بالإضافة إلى احتمال أن يتحول كورونا إلى وباء موسمي.

ونتيجة هذه الظروف وحتى لا يتعرّض المصلّون للعدوى فقد وجدت جميع الديانات أنه من الأفضل استخدام وسائل التواصل التي أتاحتها التكنولوجيا الحديثة لتأدية الصلوات الجماعية عبر شبكة الإنترنت، ولذلك لم يقف البابا فرنسيس على الشرفة كما جرت العادة لمنع احتشاد الناس أمامها، بل صلّى وألقى عظته عبر الإنترنت من مكتبة الكرسي الرسولي، وقام الفاتيكان بتخصيص موقع خاص للصلاة عبر الإنترنت لخدمة من يريد الشعور بأن هناك من يصلّي معه.

وفي أستراليا قام قس بالتفاعل مع رعايا الكنيسة الإنجيلية في سيدني عبر تطبيق زووم في قداس العيد. وفي ألمانيا نقلت كاميرا القداس المباشر من كنيسة سان سيمون الكاثوليكية مع متابعة من قبل رعاياها عبر مواقع التواصل. وفي الفيليبين تم بث القداس مع وضع صور العائلات التي تحضر القداس على مقاعدها كإشارة إلى حضورها الرمزي. وفي بنغلادش استخدمت الكنيسة المعمدانية في دكا فيسبوك لبث القداس وتأدية الصلوات المشتركة. وكذلك تواصل الأقباط مع الآباء والقساوسة عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل، ونقلت الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الصلوات بالبث المباشر، وعلى نفس الطريقة تم تأدية الصلوات المشتركة في الديانات اليهودية والبوذية والهندوسية.

طرح هذا الوباء موضوعا آخر أكثر أهمية وهو طريقة الجلوس والصلاة في المساجد

فقط رجال الدين المسلمين رفضوا ذلك. وقال موقع إسلام ويب إنه لا يصح الاقتداء بإمام عبر الإنترنت، "وعلى من لا يستطيع لسبب قاهر حضور صلاة جماعية أن يصلّي منفردا". واعتمد هذا الموقف بناء على فتاوى سابقة يمكن مشاهدتها في موقع الإسلام سؤال وجواب تقول إن الصلاة عبر التلفزيون "لا شك باطلة لأنها تبطل صلاة الجمعة والجماعة، وليس فيها تواصل مكاني ولا اتصال في الصفوف وليس بالإمكان متابعة حركة الأمام بالنظر"؛ أي أن شيوخ اليوم بنوا أحكامهم قياسا على رجال دين معاصرين من القرن العشرين، لا يمتلك الكثيرون منهم صفات قدسية تمنع مناقشة أو عدم القبول بفتاويهم.

كما طرح هذا الوباء موضوعا آخر أكثر أهمية وهو طريقة الجلوس والصلاة في المساجد، فدور العبادة اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية استبدلت مع تطور العصور الجلوس على الأرض بالجلوس على المقاعد، بينما رفض رجال الدين المسلمون ذلك واعتبروه خروجا عن السنّة والسلف الصالح، وإذا كان هذا الرفض مبررا في الماضي فهو لم يعد كذلك هذه الأيام، لأن السجّاد الذي تتم الصلاة عليه في المساجد هو بيئة مناسبة يستطيع فيروس كورونا العيش فيها لفترة طويلة.

إذا أكّد القائمون على المساجد أنهم لا يبالون أو يأبهون لحياة رعاياهم فما على هؤلاء سوى أن يتولّوا بأنفسهم مسؤولية الدفاع عن صحّتهم

ثم تأتي طريقة الصلاة وما تتضمنه من سجود لتؤمّن لهذا الفيروس دخولا مباشرا لأنف ورئتي المصلّي، خصوصا لأنه من الصعب تنظيف وتعقيم هذا السجاد السميك بعد كل صلاة أي خمس مرات في اليوم الواحد، ولذلك لا بد في هذه الظروف من إعادة النظر في طريقة الصلاة، مثل تأديتها على المقاعد والتي ستتطلب تغييرا في الركوع والسجود بحيث يصبح رمزيا بانحناءة بسيطة للأمام وهذا مباح شرعا لأنه لا يمس الجوهر الروحي للصلاة كتواصل للإنسان مع ربّه، كما أن هذه هي الطريقة التي يتبعها اليوم بعض المرضى وكبار السن في تأدية الصلاة.

وهذا التجديد أصبح ضرورة يدرك المصلّون أن تجاهلها قد يعرّضهم لمخاطر صحّية جدية، ولذلك حتى لو رفض رجال الدين التغيير فقد لا يتجاوب الكثير من المصلين معهم لأن حياتهم هي التي على المحك. فإذا كانت عودة المصافحة على المدى القريب مستبعدة نتيجة الحاجز النفسي الذي خلّفه وباء كورونا، فمن الطبيعي أن يكون وضع الوجه على سجادة للصلاة في مكان عام يأمّه المئات يوميا أكثر صعوبة، وإذا أكّد القائمون على المساجد أنهم لا يبالون أو يأبهون لحياة رعاياهم فما على هؤلاء الرعايا سوى أن يتولّوا بأنفسهم مسؤولية الدفاع عن صحّتهم وحياتهم.

من غير المستغرب أن تتمسّك السلطات السياسية في الدول العربية بالطرق التقليدية لصلاة الجماعة، لأن المساجد في واقعها الحالي ليست بالنسبة لهذه السلطات سوى أداة للسيطرة والتحكّم بالشعب، وسينبري رجال الدين المرتبطون بالحكّام للدفاع عن التواصل الشخصي المباشر بين الإمام والمصلين، لأن الصلاة عبر الإنترنت تبيح للمسلم التواصل مع أي رجل دين يختاره ويحترمه، بدل الشيوخ الذين يقوم الحاكم بتعيينهم حتى يقوموا بتمجيده والدعاية له، ولكن التساؤل هو لماذا لا يمتلك رجال الدين المستقلّين والبعيدين عن الحكّام الجرأة لإصدار فتاوى تبيح الصلاة عبر الإنترنت وتحرّر الشعوب العربية من شيوخ السلاطين؟

 

---------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

آراء حرة

تجديد الخطاب الديني حاجة للمؤسسة الدينية أولا

20 مايو 2020

حسن منيمنة

الجدل قائم في الوسط الفكري العربي، وما يتعداه إلى مختلف الأوساط التي للدين الإسلامي حضور بارز فيها، بين ثلاثة أطراف. أولها يرى وجوب تجديد الخطاب الديني، انطلاقاً من اعتبارات موضوعية، ولا سيما درءً للتطرف والإرهاب، ثانيها يعتبر أن في دعوة التجديد كلام حق يراد به باطل، إذ تأتي من الخارج بأهداف لا تقتصر على المعلن، بل ربما الغاية منها الإمعان بتفتيت الأمة وتثبيط عزيمتها، وثالثها يتوقف عند أن الدعوة فاسدة ابتداءً، حيث أن الدين كامل مكتمل، لا يحتاج إلى تجديد وإصلاح، بل العوز هو في أتباع هذا الدين، وما عليهم من ترك المعاصي والتزام الطاعات. 

يقدّم حسن إسميك في مقاله مجموعة من المبادئ والاعتبارات التي تدعم وجهة النظر الداعية إلى التجديد، ويلتزم فيها التعقل والوسطية والاعتدال، ويستفيض تحديدا في تفنيد وجهات النظر الرافضة للتجديد على أنه مطلب خارجي. ربما أن ما طرحه حسن إسميك هو تعبير عن رأي واسع الانتشار في الأوساط المسلمة، والتي يتوق جلّها إلى الصيغة التي من شأنها التوفيق بين التعليمات الدينية وبين قناعاته الأخلاقية وممارساته الاجتماعية، والقائمة على التسامح والاحترام المتبادل للاختلاف، والمبنية على إدراك ضمني لقيم الحياة والحرية والكرامة، بما ينسجم مع المعايير العالمية، والتي جرى تدوينها في شرعة حقوق الإنسان وغيرها من النصوص والاتفاقيات. لا يمكن بالتالي إلا تأييد حسن إسميك في اندفاعه، سيما وأنه يرسم الإطار العام للتوجه الذي يدعو إليه بلغة تخلو من الصدام وتدعو إلى الحوار والتوافق والعمل البناء.

غير أنه ثمة أسئلة تتطلب التوقف عندها، حول ما إذا كان تجديد الخطاب الديني ممكنا، وما إذا كان ضروريا، وما إذا كان الإسراع في دفعه يؤدي إلى نتائج عكسية. فبإمكان الطرح البديل أن يشير استقرائيا إلى أن الشكل العام للإسلام في القرن الحادي والعشرين، إذ هو وليد تطورات شهدها القرنان الماضيان، يزداد ابتعادا عن إمكانية التجديد بالمعنى الإصلاحي، وذلك لاعتبارات بنيوية وعقائدية. 

ليس في هذا القول أي حكم أو اتهام للإسلام ككل بأي قصور، حيث أن القراءات الدينية، للإسلام وغيره من الأديان كما يشير إسميك صائبا، وهي عديدة وفق الزمان والمكان، تختلف من حيث الشدة والسماحة، ومن حيث ما هي كفيلة بتأطيره ودعمه من التوجهات. 

لم يقف أي من علماء المسلمين ليقول قتل الأبرياء حرام، والسبي حرام، والاغتصاب حرام، والإتجار بالبشر حرام، سواء كانت الضحية على دين الإسلام أو غيره

المسألة هي أن مواضيع البحث والخلاف بين التوجهات الإسلامية المتعددة تلتزم باتفاق ضمني، وفي العديد من الحالات خارج الإدراك المباشر، حول مسلمات، كثير منها مستجد في مضمونه وإن لم يكن في مصطلحه، تساهم بدفع العالم المعرفي الإسلامي إلى الانغلاق وتمنع عنه إمكانية التجديد، إلا بالمعنى الضيق للتخلي عن ممارسة ما أو اعتماد أخرى، أي بالفروع. 

أعمق هذه المسلمات أثرا، وأخطرها، هو التضخيم المفرط لموقع الدين في حياة المسلم. فيكاد أن يكون من المتفق عليه دون نزاع بين أصحاب الطروحات الدينية في المحيط العربي والعديد من الدول الإسلامية أنه للدين مكانة أولية، رئيسية، بل في العديد من الأحيان متفردة في النسيج النفسي، الاجتماعي، الأخلاقي، السلوكي، المعرفي للإنسان والمجتمع في هذه الدول. بل يكاد أن يكون من الردة طرح الموضوع. أي أن أعلوية الدين ليس فقط من المسلمات بل هي أيضا من المحظورات.

وذلك في حين أن المراجعة الوقائعية لأحوال المسلمين على اختلاف الزمان والمكان تكشف تفاوتا متكررا في هذا الشأن، يبقى معه للدين في الغالبية العظمى من الحالات مكانة هامة، ولكنها ليست الوحيدة، وليست دوما الأولى. ومن نتائج الإفراط بإبراز الدين تضييق المجال أمام ما عداه من الضرورات، ولا سيما العلم النظري والتطبيقي المنتج. حتى أنه مع تراجع مساهمة العالم الإسلامي بالبحث العلمي، بالمعنى العام، فإن كلمة "عالم" في المكنز العربي تكاد أن تقتصر من حيث الشيوع والاستعمال على علماء الدين، والذين يفرطون غالبا دون المقتضى من التأني والتواضع في الدلو بدولهم في مواضيع علمية، بالمعنى العام. هل الأرض كروية أو مسطحّة؟ القولان متساويان لدى بعض رجال الدين، حيث أن النص يحتملهما. الأمثلة تتكرر. غالبا ما يجنح البعض، سعيا للتبرؤ من تهمة التخلف العلمي، إلى إلقاء اللوم على "السلفية" وتحميلها مسؤولية انغلاق العالم المعرفي الإسلامي.

الاتجاه هو بالتالي نحو الالتفات إلى الصوفية وغيرها من القراءات التي تستهدفها السلفية بجموح، كمنافذ يمكن من خلالها إعادة فتح الإسلام على الفضاء المعرفي العالمي، ويجري هنا مثلا استدعاء أقطاب التصوف التاريخيين، من الذين نالوا التقدير خارج الحيز الإسلامي، مثل ابن عربي وجلال الدين رومي وغيرهما، لتعزيز إمكانية أن تكون العودة إلى روحانية الصوفية وسيلة للتصدي للتسطيح المصاحب للسلفية. غير أنه في استدعاء هؤلاء الأقطاب خلط زماني وموضوعي، حيث أن الصوفية، في صيغتها المعاصرة، كما السلفية، هي قراءة، بل مجموعة قراءات، مبنية على الأوضاع الحالية لمجموع متغيراتها، وليست إعادة إصدار مطابق للمراحل السابقة. بل إن صوفية اليوم تكاد ألا تختلف من حيث ضيق فضائها المعرفي عن السلفية. هل يمكن الاستعانة بابن عربي ورومي وغيرهما لإعادة إنتاج روحانية إسلامية حديثة؟ ربما، ولكنها لن تكون صوفية اليوم، ولا تصوف الأمس، بل صيغة جديدة قائمة على تأصيل ذاتي يعلن التواصل مع هذه أو تلك. وهي اليوم ليست هنا.

وما يجب التشديد عليه، في أي حال، هو أن أفول نجم التصوف في العديد من الحواضر الإسلامية لم يكن نتيجة للسلفية، وإن استأسدت هذه في السعي إلى اجتثاث غريمتها، بل جاء نتيجة عوامل داخل الإطار الصوفي، ولا سيما انتقال السلوك من الرياضة الروحية الخاصة إلى الشعائر العامة، وخارجه، وخاصة استقطاب الحداثة للعديد من المتماهين مع الصوفية، وذلك على مدى العقود والقرون الماضية. أي أن الصوفية استجابت لمطلب وغابت عن آخر، وتخلت عمّا قد يعتبره بعض دعاة الإصلاح من الأوجه المطلوبة.

الطرح هنا هو أن تفاعل الإسلام بالحداثة، أي بفكر "الأنوار" القادم من الغرب قد أنتج بالفعل أشكالا إسلامية حداثية متعددة، غير أن الأكثر قابلية للاستمرار والديمومة منها هي الأشكال الميّالة إلى التشدد. مجددا، المسألة ليست عائدة إلى الإسلام كمضمون وتراث، بل إلى الظرف التاريخي والفكري في القرنين الماضيين. 

قد يكون الجانب الذي عانى فيه الفكر الإسلامي في المرحلة القريبة من فداحة في التقصير والقصور، إذ هو أقدم على مواجهة الحداثة واستيعابها، هو في غياب مساءلته لأصول المعرفة والاستعاضة عنها بمراجعة، يراد منها أحيانا أن تكون انقلابية، للنصوص في متونها وسندها، مع تحصين قطعي للنص القرآني ولحدث التنزيل. بل حين حاول نصر حامد أبو زيد مثلا ملامسة هذا الحاجز، وإن بكفوف مخملية، جرى ضربه بيد من حديد، تكفيرا وتطليقا وترحيلا. النتيجة هي أن الحد الأقصى المحتمل اليوم لـ "الفكر النقدي" هو "القرآنية" الطاعنة بالحديث، مع مقادير من الحماس التعويضي للنص القرآني، ما يضاعف حماية هذا النص من أية مساءلة قد يقتضيها النظر بأصول المعرفة.

أفول نجم التصوف في العديد من الحواضر الإسلامية لم يكن نتيجة للسلفية، وإن استأسدت هذه في السعي إلى اجتثاث غريمتها، بل جاء نتيجة عوامل داخل الإطار الصوفي،

إغلاق العالم المعرفي الإسلامي عن المساءلة الإبستمولوجية، أي المتعلقة بأصول المعرفة، يقصر اعتماد المضمون الإسلامي على النقل، ويحدّ من مادته المنتجة خارج إطار الفقه، بل يحكم على هذا الفقه بأن يكون قياسيا ومسقوفا. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى نظريا ومفرطا في الدقة ليرتقي إلى الأهمية المقصودة بالدعوة إلى التجديد. ولكن، لا، ليس كذلك.

فحين اعتدت جماعة "الدولة الإسلامية" على مواطنين عراقيين من الطائفة الأيزيدية، قتلت رجالهم وسبت نساءهم وأطفالهم، وجعلت من شاباتهم جواري وملك يمين، يُغتصبن ويتجار بهن، عجز رجال الدين المسلمين برمّتهم عن الارتقاء إلى الموقف المطلوب. الإنسان المسلم، في عمّان وبيروت ولندن وجاكرتا والرباط وغيرها، أراد من علماء دينه، والذين يقدرّهم ويعوّل عليهم، أن يعلنوا أن هذه الشناعات ليست من دينه، المغروس بعمق قلبه وروحه. لم يفعلوا.

هم قالوا إنها فاسدة لأنها تضرّ بالإسلام، أو أن الأصلح تركها كما تركها السلف المباشر. ووصف بعضهم من أقدم عليها بالخوارج والضالين والمضللين وغير ذلك من النعوت، لخروجه عن أولي الأمر أو لتجاوزات في العقيدة والسلوك. لم يقف أي من علماء المسلمين ليقول قتل الأبرياء حرام، والسبي حرام، والاغتصاب حرام، والإتجار بالبشر حرام، سواء كانت الضحية على دين الإسلام أو غيره.

هنا جوهر المسألة. ليس أن علماء المسلمين ضعفاء نفوس أو أخلاق، حاشاهم، بل أن الأشكال الغالبة للإسلام اليوم، في تثبيت اعتمادها على النص، تعيقهم عن تلبية مطلب المسلم التواق إلى تبين التوافق بين دينه وقيمه، وتترك هذا المسلم في خيار حرج بين دين يؤكد المتشددين من أتباعه أن دم الكافر فيه مباح، وعرضه مباح، وماله مباح، وبين قناعته النفسية، والتي أمست تفتقد التأكيد، إذ تصرّ على أن الإسلام هو دين مكارم الأخلاق.

قضية الأيزيديين تكشف أن المؤسسة الدينية الإسلامية عاجزة اليوم عن التجديد المطلوب. فقبل أن تتمكن من الاستجابة للمطلب العام بأن تبين التوافق بين أشكال الإسلام المعاش، بأخلاقيته وتسامحه، والشكل المرجعي للإسلام في القرن الحادي والعشرين، لا مفر لها من مراجعة وتصويب وتصحيح وتعديل لمسارها الذي أودى إلى اختزال أصول المعرفة المعتمدة لديها إلى مادة نصية وحسب، مع إمعان في تشذيبها، وإلى تقليص عالمها المعرفي إلى ما يبنى على الموروث النصي.

التاريخ الإسلامي حافل بالمراجعات المماثلة والتي شهدت انتقالا في الأشكال المعتمدة من صيغة إلى أخرى. والمؤسسة الدينية الإسلامية اليوم تواجه تحديات عديدة تلزمها بهذه المراجعة. غير أن الأمر ليس مجرد قرار فوقي صادر عن هيئة ذات صلاحيات رسمية أو توصيات شكلية من مؤتمر ما، أو إشهار عنوان جديد للإطار المرتقب، على أهمية كافة هذه الخطوات، بل السعي، على مدى سنين أو حتى عقود، من خلال البحث والحوار، إلى نقد ما كان وتأصيل المطلوب، في قراءات وطروحات متواجهة ومتصاعدة ضمن المؤسسة العلمائية أو الإطار الفكري، بعيدا عن التوظيف السياسي ودون حرق للمراحل. وحيث أن الوضع القائم اليوم في العالم الإسلامي حرج يتطلب العناية الفورية، فقد يرى البعض بأن التأني هو من الكماليات. هو ليس كذلك، بل هو ضرورة حتمية في حال جرى تجاهلها كانت النتيجة عكسية.

ذلك أن الخروج بصيغة دينية متوافقة ظاهرا مع القيم الإنسانية، إنما مفتقدة للتأصيل الصادق، من شأنه على أي حال أن يحقق لها الاستقطاب، نظرا لتوق العديد من المسلمين إلى تلقفها. إنما هذا الاستقطاب سوف يكون آنيا وحسب، إذ تبقى الصيغة التوفيقية عرضة للتفنيد من جانب الرافضين للتوفيق. وبما أن إصدار هذه الصيغة بحد ذاته هو إقرار بحاجة القيم الإنسانية إلى التأطير الديني، فإن ما يبقى من إصدار الصيغة المعتلة هو تثبيت المرجعية الدينية وتأكيد أعلويتها، ولكن دون المضمون المنسجم مع القيم والحقوق الإنسانية، ما يفسح المجال أمام المزيد من التشدد.

لا ينفي كل هذا بتاتا دعوة إسميك إلى تجديد الخطاب الديني، ولكنه يدعو إلى التروي في توقع أن تتحقق هذه الدعوة في القريب العاجل، فيما الضرورة ماسة إلى الإصلاح الفكري لاستنهاض الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري في المحيط العربي وسائر العالم الإسلامي. بل إن هذا التأخير من شأنه، إيجابيا، أن يكشف واقع أنه لا حاجة ولا صحة لاعتماد أبوية من المؤسسة الدينية تجاه المجتمع.

تجديد النقد الديني هو حاجة للمؤسسة الدينية قبل أن يكون حاجة للمواطن

دون شك، تبقى المؤسسات الدينية، الإسلامية والمسيحية وغيرها، أساسا هاما كمرجعية شعائرية وسلوكية وإيمانية وأخلاقية لمن يعتمد عليها. على أن القرن الماضي قد أبرز وثبّت مرجعيات أخرى، اجتماعية وأهلية ومدنية ورسمية، تشكّل في مجموعها، مع المرجعيات الدينية، إطارا وطنيا جامعا يندرج بدوره ضمن نظام عالمي من القيم المشتركة والحقوق المعتبرة، يمكن التعويل على كلّه، وإن تأخر أداء بعضه.

فالمواطن على الغالب يدرك بحدسه، إن كان مؤمنا، أن تأخر رجال الدين عن تحريم القتل والسبي والاستعباد والاغتصاب هو لعلّة بالمنهج لا بالدين. وهو هنا، رغم تحفظه عن التعبير، يدرك أنه متقدم على المؤسسة الدينية. والمواطن، حيثما كان إيمانه، يستفيد من فطرته السليمة ليقرر أن هذه الشناعات من القبيح وليست من الحسن، وأنها من حيث الرؤية الاجتماعية من المنكر وليست من المعروف، ومن حيث الفعل والقانون من الممنوع المستوجب للعقاب. أي أن المواطنين، من خلال العمل المدني، قادرون على ترسيم معالم إطار مشترك من القيم الأخلاقية والقيود، وإن بقيت مساهمة المؤسسة الدينية مرتبكة.

ففي السجال الدائر بين الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، والتحفظ عن هذا التجديد خشية مسايرة مصلحة خارجية، أو رفضه للقناعة بانعدام الحاجة إليه، لا بد إضافة فريق رابع، وهو القائل إن مسألة التجديد، على دسامتها، ليست الهم الأول في السعي إلى تأهيل المجتمع والوطن لمواجهة التحديات القادمة، بل المطلوب أولا معاونة المواطن في سعيه إلى تفعيل حسّه النقدي المنتج، إزاء المرجعيات العديدة كافة، وهي القائمة لخدمته لا لادعاء الأبوية إزاءه، وصولا إلى تمكين الفرد والجماعة والوطن.

فتجديد النقد الديني هو حاجة للمؤسسة الدينية قبل أن يكون حاجة للمواطن. من شأنه يوم يتحقق أن يحافظ لهذه المؤسسة على مكانتها ضمن مجموعة المرجعيات الوطنية. على أن شرط هذا التجديد أن يكون تحققه صادقا أمينا بعيدا عن الارتجال والتسرع المؤدي إلى النتائج العكسية.

المصدر: منتدى فكرة

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).