Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

انصر "الفقيه المغتصب" ظالما أو... ظالما!

28 سبتمبر 2020

سناء العاجي

خلال أقل من شهر، تابعنا في المغرب قضيتي اعتداء جنسي على أطفال وقاصرين شغلتا مواقع التواصل الاجتماعي.

القضية الأولى تتعلق بالطفل عدنان (عشر سنوات) الذي تعرض للاغتصاب والقتل من طرف أحد سكان الحي الذي يقيم فيه، قبل أن يدفن قرب بيت أهله في اليوم ذاته الذي اختطف فيه؛ بينما تتعلق القضية الثانية بفقيه في كتاب قرآني اعترف هو نفسه بالاعتداء الجنسي على ستة قاصرين، ذكورا وإناثا، لمدة عشر سنوات (والرقم مرشح للارتفاع).

هاتان القضيتان تطرحان أمامنا سؤالين أساسيين. السؤال الأول يتعلق بالاعتداءات الجنسية على الأطفال؛ والسؤال الثاني يتعلق بالميل شبه الطبيعي لأغلب مكونات التيار الإسلامي لنصرة من كان منهم، مهما كانت التهم الموجهة إليه.

لنعترف بداية أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال تترجم واقعا مجتمعيا حقيقيا وليس مجرد حوادث عابرة... حين نندد بجريمة اغتصاب أطفال في مجتمعاتنا، علينا ألا نتظاهر بأننا تفاجأنا من هول الصدمة أو بأننا نكتشف أمرا جديدا في المجتمع.

بقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ "زنا"، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية... لمجرد أن المتهم فقيه!

قد نتأثر بصدق. قد نتفاعل بإيمان تام مع القضية التي ندافع عنها... لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال هو واقع مجتمعي سائد تتستر عليه الأسر لتفادي الفضيحة؛ خاصة أن أغلب المعتدين يملكون سلطة عائلية (الأب، الأخ، الجد، إلخ) أو دينية (الفقيه). بل أن هناك مثلا شعبيا في المغرب يقول: "ما تتعلم حتى تدوز من تحت المْعْلّم"، وهو يحيل على الحرفيين الصغار الذين لن يتعلموا الحرفة، حتى "يركبهم" الحرفي الكبير (المْعلّم)!

كذلك، وفيما كان يسمى بـ "المسيد" في المغرب، وهي كتاتيب دينية صغيرة كانت تنتشر في الأحياء الشعبية بشكل غير نظامي، يتعلم فيها الأطفال القرآن، فقد كان شبه متعارف عليه (بصمت وسرية وتواطئ) أن بعض مدرسي "المسيد" يعتدون جنسيا على الأطفال!

لذلك، فما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به... أن نتعلم أن "الفضيحة" لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم، وأنه علينا فضحهم ومعاقبتهم... وإلا، فما دمنا نصمت، فستتكاثر الضحايا بشكل مستمر. وبين الفينة والأخرى، حي يصل الاغتصاب للقتل، أو حين تكون للضحية خصوصية معينة (سن أصغر بكثير من المتعود عليه، انتماء اجتماعي معين، إلخ)، فسنندد على مواقع التواصل بضعة أيام، قبل أن ننسى الأمر ونستمر في اقتراف الحياة... بانتظار حالة جديدة تخرج من السرية!

النقطة الثانية التي علينا التوقف عندها، والتي لا تقل أهمية عن الأولى، تتعلق بالتضامن المطلق بين الفقهاء ورجال الدين وأتباع الإسلام السياسي، مهما كانت طبيعة التهم الموجهة لأحدهم.

ما نحتاجه اليوم، أكثر من التنديد، هو أن نعترف بهذا الواقع وبالصمت الذي يحيط به... أن نتعلم أن "الفضيحة" لا يجب أن تلتصق بالأطفال الضحايا وأهاليهم بل بالمجرمين الذين يعتدون عليهم

في قضية الفقيه المتهم بالاعتداءات الجنسية، خرج العديد من شيوخ السلفية وأنصار الإسلام السياسي والمواقع الإعلامية التابعة لهم ليبرؤوا الفقيه، معتبرين الأمر "مجرد تصفية حسابات"... حتى والفقيه نفسه قد اعترف بجرائمه! تخيل أن يعترف الجاني... وأن يبرئه "أهل عشيرته"!

حتى أن أحد الشيوخ الذي كان، منذ أقل من شهر، يطالب بالإعدام في حق مغتصب وقاتل الطفل عدنان؛ اعتبر في حادثة الفقيه أن إثبات واقعة الزنا يتطلب أربعة شهود عيان. لنتأمل أيضا كيف أنه، وبقدرة قادر، تحول الاعتداء الجنسي على قاصرين لـ "زنا"، مما يوحي بكون الضحايا شركاء في علاقة جنسية رضائية... لمجرد أن المتهم فقيه!

كيف نصور جريمة بيدوفيليا على أنها "زنا" بالتراضي؟ ثم، هل لو تعلق الأمر بعلاقة رضائية بين راشدين، سيعتبر نفس الشيخ بأننا نحتاج لأربعة شهود، أم أنه سيدين "الفاسدين المنحلين"؟

في مثل هذه الحالات فقط، يظهر الفرق واضحا بين من يدافع عن قيم وعن قضايا يؤمن بها فعليا، ومن يتاجر بتلك القيم والقضايا (والدين ضمنها)... ومتى ما مست شعاراته ومصالحه وأهل عشيرته، تبرأ منها بكل الطرق.

كم هو عجيب هذا الصنف من "التدين"!

 

 

--------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).