Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

شيزوفرينيا الإخوان: الموقف من الاحتجاج على الحاكم

07 أكتوبر 2020

بابكر فيصل

دعا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي محي الدين القره داغي، الأسبوع الماضي إلى حماية المحتجين في مصر ونادى بضرورة الاستجابة لمطالبهم قائلا إن الاعتداء عليهم "محرم شرعا" وذلك في أعقاب خروج متظاهرين ضد الحكومة المصرية بإحدى قرى محافظة الجيزة المتاخمة للعاصمة القاهرة.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مقرها العاصمة القطرية، الدوحة، وقد قام بتأسيسها الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسها حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالمغربي أحمد الريسوني.

في تدوينة الفيسبوك تعليقا على ما يجري في مصر، أورد القره داغي 8 نقاط أولها أن "التظاهر السلمي حق مشروع في جميع الشرائع والمواثيق الأممية" وفي ثاني وثالث هذه النقاط قال: "نطالب بحماية المتظاهرين في مصر وغيرها"، مؤكدا أن "الاعتداء على المتظاهرين محرم شرعا". وشدد داغي في النقطة الرابعة على أن "من قتل نفسا بريئة واحدة (كمن قتل الناس جميعا)"، لافتا في الخامسة إلى "إجماع المسلمين على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

وبين في النقطة السادسة أن "من قُتل في سبيل إيصال الحق ومنع الظلم والطغيان يدخل في قول الحبيب المصطفى:”سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله“"، وتابع في النقطة السابعة: "هؤلاء المتظاهرون دفعهم الظلم والفقر والفشل السياسي الاقتصادي والغذائي والصحي وهدم البنيان والمساجد والتنازل عن أراض مصرية وعن حق مصر في النيل الذي هو كما يقال مصر هبة النيل للمظاهرات فينبغي حمايتهم لا قمعهم فهم في ألم".

إن الموقف المبدئي ضد العسف والاضطهاد والظلم الواقع على مختلف الشعوب يجب ألا يتأثر بالتوجهات الأيديولوجية

واختتم القره داغي تدوينته بالنقطة الثامنة، قائلا: "نطالب بالاستجابة لمطالب الشعب، ونطالب شرفاء العسكر والشرطة في مصر بالقيام بواجبهم نحو شعبهم العظيم صاحب الحضارات المتعددة. ولا تهنوا ولا تحزنوا".

دأبنا على القول إن مواقف شيوخ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تعكس سعيهم الدائم والمستميت للخلط بين الديني والسياسي خدمة للمصالح الأيدولوجية لتيار الإسلام السياسي، وهو الأمر الذي تكشفه النقاط أعلاه التي كتبها القره داغي، والتي تتناقض مع مواقفه من الثورة السودانية التي اندلعت ضد نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه الطاغية المخلوع عمر البشير.

في أوج تصاعد المقاومة الشعبية لنظام الطاغية البشير العام الماضي خرج داغي بتصريح عبر فيه عن قلقه لما يجري في السودان ودعا "الحكومة والمتظاهرين إلى الالتزام بحرمة القتل والتخريب والإفساد"، كما حث الجانبين على "احترام الإنسان وحقوقه، والتعبير عنها بجميع الوسائل السلمية المعروفة".

إن النظرة الفاحصة للكلام أعلاه تبين بجلاء التحيز الأيديولوجي لداغي لصالح نظام الإخوان إذ أنه ساوى بين الجلاد والضحية ووضعهما في كفة واحدة حينما دعا الشعب والنظام "للالتزام بحرمة القتل والتخريب والإفساد" رغم علمه التام أن من كان يقتل ويخرب ويفسد هو الطاغية البشير الذي سلب رصاص زبانيته وميليشياته أرواح مئات المتظاهرين السلميين الذين أشهروا في وجهه سلاحهم الوحيد المتمثل في الهتاف.

قد تبدى تدليس داغي للحقائق عندما حث الجانبين على احترام "الإنسان وحقوقه"، مع أنه يعي كل الوعي أن الذي كان ينتهك حقوق الإنسان هو النظام الفاسد وليس المتظاهرين الأبرياء الذين خرجوا للمطالبة بالخبز والحرية التي ظل ينتهكها الطاغية المُطارد من قبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبها في دارفور.

واحدا من شيوخ الإسلام السياسي أفتى للطاغية المخلوع بأن المذهب المالكي المأخوذ به في السودان يبيح له قتل ثلث المواطنين المحتجين ليعيش البقية بعزة وكرامة!

وفي الوقت الذي برر فيه داغي خروج التظاهرات في مصر وقال إن الظلم والفقر والفشل السياسي والاقتصادي دفع المحتجين للخروج للشارع، لم يفتح الله عليه أو على الاتحاد العالمي بكلمة واحدة تفضح الفشل السياسي والظلم والكبت الذي عانى منه السودانيون طيلة ثلاثين عاما من حكم نظام الإخوان الاستبدادي الذي قتل الآلاف وشرد الملايين وأشعل الحروب الأهلية!

بينما كان رصاص مليشيات النظام الإخواني يحصد أرواح الشباب المتظاهرين وكانت المعتقلات تضج بآلاف المعارضين في مختلف ولايات السودان، لم يتبرع داغي أو أي شيخ من شيوخ الاتحاد العالمي بمناشدة شرفاء العسكر أو الشرطة للقيام بواجبهم تجاه شعبهم المبتلى بحكم الإخوان مثلما فعل في تدوينته التي كتبها بخصوص الاحتجاجات في مصر.

فوق هذا وذاك، لم يوجه داغي رسالة مباشرة للطاغية البشير يقول له فيها إن الاعتداء على المتظاهرين السلميين "حرام شرعا"، والجميع يعلمون الآن أن واحدا من شيوخ الإسلام السياسي أفتى للطاغية المخلوع بأن المذهب المالكي المأخوذ به في السودان يبيح له قتل ثلث المواطنين المحتجين ليعيش البقية بعزة وكرامة!

إن الموقف المبدئي ضد العسف والاضطهاد والظلم الواقع على مختلف الشعوب يجب ألا يتأثر بالتوجهات الأيديولوجية وخصوصا تلك التي تستخدم الدين كغطاء لتأييد أو تبرير مواقف سياسية لجماعات معينة حتى تكتسب مشروعية باسم السماء بينما يكون غرضها الخفي هو السيطرة وبسط النفوذ على الأرض.

 

 

------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).