Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

قلق وتوتر عربي من الانتخابات الأميركية

07 أكتوبر 2020

تحظى الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية بمتابعة حثيثة نادرة من جانب مراكز المتابعة المختصة في العديد من دول العالم، لأسباب ليست خافية على أحد. فنحن هنا إزاء مقاربتين مختلفتين للتعاطي الأميركي مع الشؤون الدولية، كما التعاطي مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

درءا للمفاجئات

ويعتبر الشرق الأوسط من الأقاليم التي تتابع هذه الانتخابات عن كثب مشوب بالقلق. وقد قيل بأن توقيت التوقيع على اتفاقات السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل قد صمم بعناية قد يعطي دفعة للحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بتحقيق مكاسب على صعيد السياسة الخارجية. وبصرف النظر عما إذا كان ذلك صحيحا أم لا، فمن المؤكد أن عددا من العواصم العربية اكتشفت في السنوات الأخيرة فضيلة الاستثمار (وإن بحذر) في السياسة الداخلية الأميركية، إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أكثر من ذلك قيل بأن خطوة إقامة العلاقات بين الدول الخليجية وإسرائيل، وفي صيغة أخرى التحالف مع إسرائيل، هي خطوة استباقية لما قد ينجم عنه فوز الحزب الديمقراطي بالرئاسة من تغير في سلم الأولويات الأميركية في المنطقة، وبالتحديد العلاقة مع إيران وربما تركيا أيضا. بمعنى أن هذه الدول لا تريد أن تترك نفسها فريسة للمفاجئات التي قد يجلبها فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن. أما في حالة فوز ترامب بولاية ثانية فهي تستطيع أن تبني على ما حققته.

الصورة الأكبر

لكن الأمر الذي يركز عليه المحللون الاستراتيجيون بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، هو ليس المقاربات التكتيكية التي قد تلجأ إليها هذه الإدارة الأميركية أو تلك، وإنما في الصورة الأكبر لما تريد أن تراه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وكيف تتصور نفسها ودورها ومصالحها في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

هذه الصورة ليست معطى جاهزا أو منجزا بطبيعة الحال، ولكنها آخذة بالتطور والتبلور خلال العقود القليلة الماضية. ثمة محاولات واستفزازات لهز هذه الصورة، من جانب هذا الطرف الإقليمي أو ذاك، لكنها تبدو عاجزة حتى الآن عن منعها من التبلور أو تحديد مسارها، والاتجاه العام لها هو أن هذه المنطقة بدأت تفقد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

ماذا يعني ذلك؟

هذا الاتجاه لم يبدأ الآن كما هو معروف ولكن منذ سنوات عدة. وهو لم يعد محل جدل أو خلاف بين المحللين وصناع السياسة، ولكن الخلاف هو حول نوعية الاستخلاصات التي تتوصل لها كل إدارة أميركية بشأن ماذا يعني بالتحديد: خفض أو إنهاء الانخراط الأميركي في شؤون الشرق الأوسط؟

هل يعني مثلا أن الولايات المتحدة سوف تخرج من المنطقة كليا؟ هل يعني أنها سوف تستبدل الوجود العسكري أو التدخل العسكري بأشكال مختلفة تجمع ما بين النشاط الدبلوماسي والسياسي والمساعدات؟ هل هو يعني الاعتماد على التحالفات الإقليمية والدفع بترتيبات خاصة تشمل تموضعات للقوات الأميركية في قواعد محددة في المنطقة؟

هل يعني مواصلة الاعتماد على أسلوب العقوبات، مع التلويح بالقوة كلما كان ذلك ضروريا، لكن من دون أي التزام على المدى الطويل؟

اختلافات طفيفة

في هذا الصدد يمكننا أن نميز بين السياستين الخاصتين بترامب وبايدن.
فرغم أن كلاهما لا يختلفان بشأن الصورة الكبيرة، والمتمثلة في دعم إسرائيل، و"وضع حد للحروب التي لا نهاية لها" وسحب معظم القوات الأميركية من المنطقة، والاحتفاظ ببعضها لمواجهة تنظيمي "القاعدة" و"داعش". بل هناك مؤشرات على أن بايدن (في حال فوزه) ربما يحافظ على العديد من السياسات التي اتخذها ترامب مع بعض التغييرات الطفيفة، حيث تعهد بالإبقاء على السفارة الأميركية في القدس، وكذلك تشجيع المزيد من الدول العربية على إقامة علاقات مع إسرائيل.

إلا أن ثمة بالطبع تفاصيل تستحق الذكر هنا. على سبيل المثال، تعهد بايدن (الذي يفضل تبني أسلوب الدبلوماسية) في الجزء الخاص بالسياسة الخارجية من برنامجه الانتخابي، بإنهاء الدعم الأميركي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وكذلك وقف صادرات السلاح إليها وربما اتخاذ موقف متشدد مع المملكة. كذلك تعهد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، مع التعهد بممارسة الضغط على طهران وربما صياغة اتفاق إضافي يشمل النشاطات الإيرانية غير النووية. أما بالنسبة لتركيا فتصريحات بايدن تشير إلى عزمه اتباع نهج متشدد تجاه حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان.

المحاور والتحالفات

لكن هذه التمايزات والاختلافات على أهميتها تبقى عرضة للانزياح بسبب الشد والجذب والمفاوضات والحسابات السياسية المختلفة، فضلا عن المصالح الأميركية وتطور الوضع على الأرض. وهي لا تغير من الصورة الأكبر: أن الولايات المتحدة آخذة في التخفف من شؤون الشرق الأوسط، وعاجلا أو آجلا سوف يتعين على دول المنطقة أن تتعلم كيفية حل مشاكلها بنفسها، أو تغرق في المزيد من الفوضى والدمار. ربما من هذا السياق نستطيع أن نفهم الاتجاه المتزايد في العالم العربي لإقامة علاقات مع إسرائيل.

طبعا لو كان ثمة حد أدنى من الثقة وتوفر أطر سياسية فعالة بين دول المنطقة، لرأينا حلولا واتجاهات أخرى أيضا، لكن للأسف فإن السائد بين هذه الدول هو منطق الاستحواذ والغلبة والتآمر السياسي والإعلامي والقضم والتدخلات. ولأن الأمر هو كذلك يصبح اللجوء إلى سياسة المحاور والتحالفات هو الوصفة المفضلة، وهو أمر يبدو أننا سنعيش معه سنوات طويلة قادمة.

 

 

---------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).