Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

بريجيت ماكرون ليست منقبة!

13 أكتوبر 2020

سناء العاجي

أن تنتمي لمجتمعات التناقضات التي لا تنتهي، يعني أن تتابع في نفس الأسبوع تداعيات واقعة أسرة تفرض على طفلتها الصغيرة النقاب من جهة، والتهكمات الجارحة في حق رئيس دولة اختار أن يتزوج امرأة تكبره سنا من جهة أخرى...

في الواقعة الثانية، نحن أمام زوجين اختارا بعضهما وقررا الارتباط. لكن، وبما أنهما يكسران المعادلة المألوفة، حيث أن الزوجة هي الأكبر سنا، فهما يتلقيان وابلا من التعليقات الجارحة بمناسبة وبدونها. تعليقات لا يتلقاها، مثلا، الزوجان ترامب، وبينهما، للإشارة، نفس فارق السن!

منذ أيام، خرج الرئيس الفرنسي بموقف مناهض للإرهاب. ولكي ننتقده، فلن نناقش الموضوع، سنتهكم عليه وعلى زوجته. رغم أن مجرد النظر لوجهنا قليلا في المرآة سيجعلنا نكتشف أن علينا أن نخجل من أنفسنا قبل التهكم عليه في هذه النقطة بالذات.

أن يتزوج ماكرون وبريجيت مع فارق السن بينهما هو مهزلة ومدعاة للتجريح... لكن أن يفرض النقاب على طفلة، هو أمر عادي وطبيعي وجزء من هويتنا وثقافتنا وديننا!

في مجتمعات ما زالت الأغلبية لا تتزوج فيها دون مباركة الأسرة للعريس أو العروس المستقبلية، وفي مجتمعات تصل فيها نسب تزويج القاصرات لأرقام مفجعة (في المغرب مثلا، ومن أصل 269 ألف عقد زواج أبرم سنة 2018، هناك 25 ألف و514 زواجا لفتيات تقل أعمارهن عن 18 سنة، بنسبة 9،5 في المئة. في اليمن، تعتبر بعض الدراسات أن تزويج القاصرات قد يصل لنسبة 66 في المئة من عقود الزواج المبرمة سنويا!)؛ وفي مجتمعات ما زالت العديد من مكوناتها تفرض شريك وشريكة الحياة على أفرادها؛ وفي مجتمعات يجب أن تفحص فيها أم العريس "البضاعة" قبل التأشير على قبولها؛ وفي مجتمعات تفاوض فيها الأسر على الصداق والشقة والأثاث أكثر ما يتناقش العريسان في الحب والعلاقة المشتركة؛ وفي مجتمعات تقبل وتشرعن لتعدد الزوجات... أليس من المخجل السخرية من شخصين اختارا بعضهما رغم كل الفوارق، فقط لأنهما زعزعا السائد في تصوراتنا؟

أليس من المخجل أن تسخر منهما بعبارات جارحة وأنت ربما غير قادر على اختيار شريكة حياتك دون قبول عائلتك وعائلتها؟

أليس من المخجل أن تسخر منهما وأنت تعيش في مجتمعات تشرعن البيدوفيليا الحلال، بل وتشجعها "حماية للشرف"؟

بل لعل كل هذا "طبيعي" في مجتمعات لا ترى في الزواج إلا "شهوة" رجل لجسد طري قد يشتهيه حتى في سنوات طفولته الأولى... مجتمعات تتغنى بشعارات "الحجاب اختيار" و"النقاب اختيار"... لكنها تفرض "هذا الاختيار" على طفلات صغيرات.

الصور على النت وفي شوارعنا متوفرة بكثرة، لطفلات صغيرات يفرض عليهن الحجاب والنقاب أحيانا. فهل سيحاول أحد إقناعنا أن الحجاب والنقاب بالنسبة لطفلات صغيرات في سن العاشرة والثانية عشر هو... اختيار؟

مع بداية الموسم الدراسي، انفجرت في المغرب حكاية طفلة صغيرة في حدود الثانية عشر من عمرها، وصلت المدرسة بنقاب أسود، مما جعل إدارة المدرسة تستدعي الأسرة وتناقشها لتقتنع الأخيرة بـ "الاكتفاء" بالحجاب (حجاب من "المؤكد" أنها اختارته طبعا لأنه حرية فردية!).

الحقيقة الموجعة الوحيدة، أننا ثقافة تختزل المرأة في جسد: وهي في سن متقدمة، كما هو حال بريجيت، تصبح غير صالحة للاستعمال

أن يتزوج ماكرون وبريجيت مع فارق السن بينهما هو مهزلة ومدعاة للتجريح... لكن أن يفرض النقاب على طفلة، هو أمر عادي وطبيعي وجزء من هويتنا وثقافتنا وديننا!

الحقيقة الموجعة الوحيدة، أننا ثقافة تختزل المرأة في جسد: وهي في سن متقدمة، كما هو حال بريجيت، تصبح غير صالحة للاستعمال. على أكثر تقدير، قد نحترمها إن مارست الدور الوحيد المتاح لها، وهو أن تكون أما. وهي طفلة، قد يشتهيها البعض بمباركة من المجتمع والدين والقانون ويتزوجها ولن يسخر منه أحد أو يتهكم. لن يلومه أحد، فالأمر "حلال". بل قد يحسده البعض!

وقد يفرض عليها والداها الحجاب أو النقاب من نفس المنطلق: منطلق شرعنة البيدوفيليا. منطلق يعتبر جسدها شهيا "صالحا للاستهلاك وللاشتهاء الجنسي"، لذا وجب ستره...

لا إشكال في كل هذا... فنحن أحسن أمة أخرجت للناس!

 

 

--------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).