Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

لا كرامة مع الفقر

13 أكتوبر 2020

منى فياض

كتابة تاريخ الفقر تعني كتابة تاريخ البشر غير المرئيين أو الذين "لا صوت لهم" إلا كمجرد آثار عابرة تركها عنهم غير الفقراء.

تاريخيا، لم يعرف للفقراء حضور أو صوت. ظلوا طويلا شخوصا خرساء، بشرا غير مرئيين. وكلما عدنا في الزمن إلى الوراء، كلما تضاءلت المصادر التي تناولتهم. انتظروا بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لم يكن التاريخ ينقل لنا سوى سير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية؛ سواء في لهوهم أو في عنفهم. لم يذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان. وغالبا ما صوّروا كمصدر للفوضى وإثارة الشغب، فهم العوام والدهماء والرعاع والسفلة والغوغاء والسواد والهمج... هم على أقل تقدير، مصدر خوف وحذر. قد نعثر على آثارهم في الأدب وفي الكتب الدينية طبعا. لكننا سنجدهم الأكثر تواجدا في الترسانة القضائية القانونية والقمعية التي وضعت خصيصا لاحتواء هذه الفئة الخطرة. أما كأفراد فالتجاهل التام.

هم موضوع الإحسان على خلفية دينية، كتعبير عن العلاقة الاجتماعية بين مسيطرين ومسيطر عليهم: الأُوَل يكفّرون عن ذنوبهم بواسطته، والآخرون، يبدو عوزهم نفسه العقاب المسبق، فيلعب دور التكفير عن ذنوبهم. من هنا يصبح للفقير نوع من موقع أو لنقل وظيفة اجتماعية. فينظر الرجل العادي إلى الفقير كظهور إلهي يمتحنه. من هنا كانت الكنائس والأديرة والمؤسسات الخيرية في الغرب، مثلها مثل المؤسسات الخيرية الإسلامية، تقدم إعانات للفقراء والمسنين، ومساعدة: المسكين والسائل والمحروم والعاجز بواسطة الإحسان والصدقة والإنفاق في سبيل الله والزكاة.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في العوز كما في الظلمات. في العربية كما في الفرنسية، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر.

غالبا ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة طبيعية لا يمكن الاعتراض على وجودها! وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

لم تظهر بوادر دولة الرعاية سوى بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت في أوروبا عام 1929، فعمدت البلدان الأوروبية إلى استحداث أنظمة الضمان الاجتماعي

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. وهي حالة دائمة أو آنية. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتميز بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو القوة الجسدية أو القدرات العقلية أو الحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويتضمن كل المستبعدين من المجتمع المعتبر "سويا".

لم تظهر بوادر دولة الرعاية سوى بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت في أوروبا عام 1929، فعمدت البلدان الأوروبية إلى استحداث أنظمة الضمان الاجتماعي. وظهرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وزارة للتأمينات الوطنية ووزارة للمعاشات التقاعدية ومجالس مساعدة وطنية.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة كغير مؤهلة. أدّت تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر من عام 1987.

الفقر مهين للكرامة الشخصية ويتضمن كل المستبعدين من المجتمع المعتبر "سويا"

لكن أكثر ما يميز الفقر مباشرة هو صفة النسبية. درجة الحرمان المفروضة تقاس بطرق مختلفة: إما مقارنة بمستوى الحد الأدنى لعيش الفرد أو مقارنة بالمستوى المتوسط لشروط العيش وللبيئة ومتوسط مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي ومؤخرا التكنولوجي. يحدد عموما في لحظة معينة ومكان معين. ففي لبنان تعمم الفقر مؤخرا، بسبب الانهيار الاقتصادي وسياسات الفساد، وطال، بحسب تقارير البنك الدولي، نصف الشعب اللبناني وهو مرشح للتفاقم.

في العام 2019 سجل تقرير التنمية البشرية تقدما ملحوظا في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف. لكن جائحة كورونا أعادت عقارب الساعة إلى الوراء. صار الفقر يهدد المجتمعات النامية بجدية.

وستتفاقم مستويات التفاوتات غير المقبولة، التي كان قد أشار تقرير البنك الدولي للعام 2018، بوجود أكثر من 1.9 مليار شخص، أو 26.2 في المئة من سكان العالم يعيشون على أقل من 3.20 دولار للفرد في اليوم حتى عام 2015.

أما تقرير التنمية البشرية للعام 2019 فيشير أن هناك 600 مليون شخص لا يزالون يعيشون في فقر مدقع بسبب الدخل، ويقفز الرقم ليصل إلى 3.1 مليار بمقياس دليل الفقر المتعدد الأبعاد. ولا يزال حوالي 262 مليون طفل خارج المدارس الابتدائية أو الثانوية. وينبغي هنا لفت النظر إلى أن نسبة لا تستهان بها في الدول العربية التي تعاني من عنف الحروب.

المطلوب معالجة الفقر الذي يؤثر سلبا على مستوى البلدان التنموي ونجاحها، بوضع سياسات، تربوية واجتماعية وضريبية للتخفيف من الفقر واللامساوة

هناك الآن شكل جديد من عدم المساواة. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير على صعيد الإمكانات المعززة التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة على جميع المستويات ـ خدمات التعليم الجيدة جدا على جميع المستويات ـ الحصول بفعالية على التكنولوجيات المتوفرة حاليا، المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة، ولدينا مثل: فيروس كورونا.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات.

ثم أن الموقف من العنف يشجع على انتهاك الكرامات في المنطقة العربية، لأن المعايير الاجتماعية والثقافية تتقبل العنف وتعتبره سلوكا طبيعيا "فالسلاح زينة الرجال". وفاقمته النزاعات والصراعات السياسية. فيتفاقم العنف الاجتماعي وقبول السيطرة الذكورية على النساء والأطفال، تحت عنوان "التأديب". والخطير في ذلك أن هذه الممارسات مقبولة نسبيا من الضحايا.

الفقر من الأسباب الكبرى لحركة التاريخ

اعتبر كارل ماركس أشهر الاشتراكيين، أن تاريخ الإنسان هو تاريخ الصراع بين من يملك في مقابل من لا يملك. أي بين الأغنياء والفقراء. يذهب البعض للاعتقاد أن الرسالات السماوية ثورات فقراء أو مضطهدين سياســيا واجتــماعيا. كما يعتبر البعض أن دراسة التاريخ تظهر الفقر كأحد الأسباب الكبرى التي حركت الثورات في المجتمعات. لكن الفقر المدقع يسحق الإنسان ويستعبده.

المطلوب معالجة الفقر الذي يؤثر سلبا على مستوى البلدان التنموي ونجاحها، بوضع سياسات، تربوية واجتماعية وضريبية للتخفيف من الفقر واللامساوة.

طرح البروفسور أمارتيا صن، منذ 40 عاما ما يبدو غاية مبدأ التنمية البشرية، سؤال بسيط: المساواة في ماذا؟ وأجاب: المساواة في الأمور التي تهمنا كي نبني المستقبل الذي نتوق إليه.

 

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).