Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

التعصيب: القرآن أم مصلحة الذكور؟

20 أكتوبر 2020

سناء العاجي

يروى أن في القرون الوسطى أبان الأنظمة الفيودالية (الإقطاعية) في معظم الدول الأوروبية، كانت هناك ممارسة تسمى بالفرنسية : le droit de cuissage، بمعنى: "الحق في الممارسة الجنسية". يتعلق الأمر بـ "حق" يملكه "السيد"، يكون له بموجبه الحق، في الليلة الأولى لزواج أحد تابعيه، في ممارسة الجنس مع العروس قبل الزوج نفسه... وهي إحدى أبرز العوامل التي بنى عليها ثوريو أوروبا فيما بعد مطالبهم للإطاحة بالأنظمة الفيودالية التي تكرس دونية البشر.

اليوم، ونحن نعيش بداية القرن الواحد العشرين، تبدو لنا مثل هذه الممارسات لا إنسانية؛ بل ونتساءل كيف قبل بها مواطنو تلك الفترة.

لكننا، ونحن نتساءل، ننسى أن نسائل ذواتنا عن قوانين لا إنسانية أخرى حكمت مجتمعاتنا في القرون السابقة، في نسق اجتماعي معين، وما نزال نصر على التعامل بها.

من بين هذه المفاهيم، هناك تقسيم الإرث.

التعصيب، لمن لا يعرفه، هو المبدأ الذي يجعل الإخوة وأبناء الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام يرثون في الشخص بعد وفاته، إن لم ينجب إلا بناتا

لعل التقسيم الإسلامي للإرث كان مقبولا منذ خمسة عشر قرنا، لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية كانت تسمح بذلك (وهذه مسألة فيها نقاش، حيث ينقل لنا التاريخ أن عددا من النساء ساءلن النبي في حينه عن هذا الحيف في حقهن، مما يعني أن التساؤلات حول المساواة في الإرث طرحت منذ عهد النبي نفسه). لكن، لنفترض جدلا أنه كان مقبولا آنذاك في كُلّيته، لكنه بالتأكيد، في ظروفنا الحالية، غير مقبول بتاتا.

لنترك جانبا كل النقاش حول التحولات الاجتماعية والاقتصادية، على أهميته، ولنأخذ تفصيلا صغيرا لكنها مهما، يتعلق بنظام التعصيب الذي لم تنزل فيه آية قرآنية، بل هو من إنتاج فقهاء السنة بشكل حصري (الشيعة، بالمناسبة، لا يعملون به).

والتعصيب، لمن لا يعرفه، هو المبدأ الذي يجعل الإخوة وأبناء الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام يرثون في الشخص بعد وفاته، إن لم ينجب إلا بناتا.

ما المنطق الذي يجعلنا اليوم نقبل بهذه الممارسة؟ بل ما المنطق الذي يجعل جنس الأبناء يحدد تقسيم التركة وإمكانية دخول أطراف أخرى فيه؟ أليس في هذا الأمر جزء من مسببات النظرة الدونية للمرأة، ما دام الذكر فقط من "يحمي" تركة الأب؟

ها نحن إذن أمام نص صريح يقول أكثر من مرة "بعد وصية يوصي بها أو دين"، فلماذا نجتهد في الوصية مع وجود النص

قد يكون هذا المنطق مفهوما في سياقات اجتماعية كان فيها العم ينفق على ابنة أخيه اليتيمة بعد وفاة والدها. لكن، في زمننا الحالي، يعرف كل منا عشرات القصص عن حالات لا يشكل فيها نظام التعصيب إلا ترجمة للطمع والجشع المادي للأعمام وأبناء الأعمام. ملايين النساء وجدن أنفسهن يفاوضن أعماما وأبناء عم لم يروهم في حياتهم إلا نادرا، لمجرد أن فقهاءَ قرونٍ خلت، قرروا أن لهم نصيبا في الإرث، بما أن الأب أنجب إناثا ولم ينجب ذكورا. وضعية مجحفة وعبثية ولا إنسانية... تماما كما هو مجحف وعبثي ولا إنساني "الحق في الممارسة الجنسية" للسيد قبل خادمه... لكننا قادرون على السخرية من عبث الآخر المتخلف، حتى حين يصحح مظاهر تخلفه، وغير قادرين بتاتا على مراجعة أشكال التخلف والظلم في ممارساتنا وقوانيننا.

هؤلاء الرافضون لمبدأ المساواة في الإرث بحجة وجود نص قرآني، ما قولهم في موضوع التعصيب حيث لا نص قرآني يعطل التغيير اليوم، بل مجرد اجتهادات فقهية؟ ما قولهم في الوصية التي يحث عليها النص القرآني بل ويقدمها على أي تقسيم ممكن، حيث تكررت عبارة "بعد وصية يوصي بها أو دين" أكثر من مرة ضمن آيات الإرث؟ 

لكن هذه الآية بقيت معطلة بأحاديث ضعيفة واجتهادات فقهية. اجتهادات يستعملها نفس أولئك الذين يعتبرون أن لا اجتهاد مع وجود النص... ها نحن إذن أمام نص صريح يقول أكثر من مرة "بعد وصية يوصي بها أو دين"، فلماذا نجتهد في الوصية مع وجود النص، ثم نعود في مواضع أخرى لنقول إن "لا اجتهاد مع وجود النص"؟  لماذا "نخترع" نظام التعصيب ونصر عليه، رغم غياب النص؟

أم أن الأمر في النهاية، هو حماية للمصالح الاقتصادية للذكور أكثر منه حماية للنص القرآني؟

 

 

--------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

المنافقون
المنافقون

سناء العاجي الحنفي

حين نكون في حضرة شخص محافظ، بينما ندافع نحن عن قيم الحداثة والحريات العامة والفردية والحقوق والمساواة بين الجنسين وحرية المعتقد وغير ذلك من القيم التي تنتصر للفرد واختياراته، يكون من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر والتصورات! 

المشكلة الكبرى هي حين نكون أمام أشخاص محافظين.. لكنهم مصرون على ادعاء الحداثة. أشخاص يجمعون في نصف جملة بين حقوق النساء وبين تحميلهن كامل المسؤولية في حالة التحرش أو العنف أو الحمل غير المرغوب فيه. يضعون في نفس الفقرة العلاقات الجنسية الرضائية من جانب، والاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية على الأطفال من جانب آخر. 

أولئك الذين يصرون على أن نقاش حقوق المثليين والمتحولين جنسيا هو نقاش يؤسس له مخطط دولي سري، وليس فقط البحث عن حقوق فئة من المواطنين تسعى للعيش في سلام دون أن يكون توجهها الجنسي والحميمي مؤثرا في سلامتها وفي مواطنتها. 

أولئك الذين ينهون دائما عباراتهم بـ: "لكن": "أنا مع حقوق النساء، لكن...". "أنا مع حرية المعتقد، لكن...". "أنا مع الحريات الفردية، لكن...". 

أولئك الذين يدافعون عن الحق في الحياة حين يتعلق الأمر بحق النساء في اختيار الأمومة أو عدمها، فيقفون ضد التوقيف الإرادي للحمل... لكن عقيدتهم تتوجه، بضع أيام أو ساعات بعد ذلك، نحو "القصاص" ويرفضون بشكل قطعي مطلب إلغاء عقوبة الإعدام، لأن الحق في الحياة لا يرتبط عندهم إلا بأجساد النساء وحقهن في الحرية والاختيار. حتى "الحق في الحياة" لذلك الجنين، فهو لا يعنيهم إلا خلال التسعة أشهر التي يكون فيها في بطن أمه. بمجرد أن يخرج للوجود، يكونون أول من يصمه بالعار! 

أولئك الذين يصنفون أنفسهم مع حقوق النساء، "لكن تدريجيا"؛ ومع "المساواة" على أن تظل لهم الكلمة الأخيرة والقوامة والولاية القانونية على الأبناء.

أولئك الذين يبررون حرمان الأم من الحضانة بعد زواجها مجددا، بأن هناك حالات اغتصاب كان المجرم فيها زوج الأم. هل نحرم كل النساء من الحضانة بسبب بضع حالات جريمة اقترفت من طرف زوج أم، علما أن هناك حالات أخرى كثيرة، للأسف، اغتصب فيها أب أبناءَه وبناته؟ فهل نحرم بموجبها جميع الآباء من حضانة أبنائهم؟ وهل، حين تقسو زوجة أب على أبناء وبنات زوجها، سنعتبر جميع الآباء غير مؤمَّنين على أبنائهم وبناتهم؟ أم أنها في الحقيقة مجرد أعذار تبريرية لعقليات ذكورية تستكثر على النساء حقهن في إعادة بناء حياة جديدة بعد الطلاق وتفرض عليهن الاختيار بين أن يكن أمهات... وأن يكن نساء!

أولئك الذين يعتبرون أن الأولوية هي الدفاع عن الحريات الفردية للأشخاص الغيريين، وبعدها، نناقش حقوق المثليين. على أي أساس نبني هذه التراتبية في الحقوق بناء على تفاصيل حميمية؟ أم أنها تراتبية لا تخفي في الحقيقة إلا رفضا مبطنا للمثلية وللمثليين؟ 

أولئك الذين يقولون: العلاقات الجنسية الرضائية؟ نعم، لكن لا يجب استفزاز مشاعر الناس! فهل يطالب المدافعون عن حقوق المثليات والمثليين بحق ممارسة الجنس في الشارع مثلا؟ 

أولئك الذين يقولون: "لا تريد أن تصوم رمضان؟ من حقك... لكن في بيتك". فمن الذي قرر أن الفضاء العام مخصص حصريا للمؤمنين؟ 

أولئك الذين يعجبهم أن يكونوا مصنفين ضمن خانة الحداثيين والحقوقيين، لكنهم في الحقيقة لا يحملون من الحداثة إلا الشعارات. 

أولئك الذين يبررون إقبار نقاش المساواة في الإرث بكون الأمر مؤطرا بنص قرآني. يبخسون النقاش باعتبار "معظم الناس فقراء أصلا وليس لديهم ما يرثونه". وكأننا نناقش تركة يجب تقسيمها وليس مبدءا حقوقيا للمساواة بين الجنسين.

أحترم وأقدر المحافظين والإسلاميين الذين، على الأقل، لا يتظاهرون بتبني مواقف لا تشبههم. 

هم خصومك الفكريون الذين قد تختلف معهم وقد تستفزك خرجاتهم. لكنهم، على الأقل، يجعلونك تفكر في تطوير براهينك وحججك. الكارثة والخبث في من يتدثرون بشعارات الحداثة والمساواة، فتخونهم جملة أو موقف أو فكرة... وما أكثرهم!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).