Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

في وهم احترام المعتقدات

28 أكتوبر 2020

سناء العاجي

... وبدأ مجددا الحديث عن ضرورة احترام معتقدات ومشاعر المسلمين.

للوهلة الأولى، قد يبدو الكلام معقولا. من واجبنا احترام معتقدات الآخرين. لكن، لحظة...

وأنت تقول "آمين" خلف إمام المسجد بعد كل صلاة وهو يدعو على "النصارى واليهود"، هل تحترم حينها معتقدات الآخرين؟ وهل يحترمها غيرك من المصلين المتخشعين؟

وأنت تقول "آمين" بعد أن يبكي الإمام متخشعا: "اللهم رمل نساءهم ويتم أطفالهم!"، هل تحترم حينها معتقدات وحياة الآخرين؟

وأنت تقرأ تفسير "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، هل تحترم معتقدات الآخرين؟

وأنت تعتبر أن الشيعة حرفوا الإسلام أو أنهم ليسوا مسلمين بالشكل الصحيح، هل تحترم حينها معتقدات الآخرين؟

ثم، ألا يعتبر معظم المسلمين أن الإنجيل والتوراة تعرضوا للتحريف؟ أليس في ذلك سخرية مترسخة من قناعة وإيمان الآخر الذي يؤمن بتعاليم دينه وتوجيهاته؟

لا شيء يبرر القتل، وخصوصا إذا كان السبب اختلافا في المواقف والأديان

ألا يسخر معظم المسلمين من الرهبان وصكوك الغفران؟ أليس في ذلك سخرية من معتقدات الآخرين وممارساتهم الدينية؟

ألا ننتقد في إعلامنا وفي وسائل التواصل تطرف حركة الحريديم اليهودية؟ فلماذا، إذا كتبت وسيلة إعلام غربية عن أشكال تطرف السنة أو الشيعة، نعتبر في الأمر هجوما على الإسلام؟

كذلك، وأنت تسخر من الهنود لأنهم "يعبدون البقر" (وهذا في الحقيقة يترجم جهلك أكثر من تدينهم الحقيقي)، هل تحترم حينها معتقدات الآخرين؟

لنتخيل ما الذي قد يحدث لو شرع بعض الهنود المتطرفين في قطع رأس كل مسلم يسخر من "عبادتهم للبقر" على اعتبار أنه "يسخر من معتقداتهم"؟

تبدو لنا هذه الصورة همجية وصادمة وغير مقبولة؟ لكنها ليست أقل همجية من قتل فنان بسبب رسم كاريكاتوري لرسول الإسلام أو أستاذ قدم تلك الرسوم في نقاش مع تلاميذه. هل تتخيل أن رفضك انتقاد الآخر لمعتقدك أو السخرية منه، يجعلك تقتل هذا الآخر أو "تتفهم" قتله؟

اللهم إذا كنا نعتبر ذواتنا في مركز العالم، بحيث يحق لنا السخرية من كل الأديان، بل وحتى من طوائف داخل ديننا (ألا يسخر السنة من الشيعة ويتهكم الشيعة على السنة؟)، ونعتبر أن ليس من حقنا السخرية من الآخرين. في هذه الحالة، فنحن في حاجة لزيارات متكررة للطبيب النفسي لكي نشفى من النرجسية المفرطة ومن وهم مركزيتنا في الكون. وهم يجعلنا نتصور ضمنيا أن من حقنا (بل من تديننا) أن نتهكم على معتقدات الكون برمته، وأنه ليس من حق الآخرين السخرية من معتقداتنا أو انتقادها.

من حقنا انتقاد والسخرية من الرهبانية في المسيحية، وليس من حق الغير السخرية أو انتقاد "ملكات اليمين" في الإسلام. من حقنا السخرية من تعدد الأزواج للمرأة الواحدة في بعض القبائل الآسيوية، لكننا نعتبره مسا بديننا أن ينتقد شخص آخر تعدد الزوجات في الإسلام. من حقنا الحديث عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الكنيسة، لكن الحديث عن الفقهاء الذين يغتصبون الأطفال والنساء هو مس بالدين وتشويه للإسلام.

من حقنا انتقاد والسخرية من الرهبانية في المسيحية، وليس من حق الغير السخرية أو انتقاد "ملكات اليمين" في الإسلام

حتى حين أدان عدد من المسلمين جريمة قتل الأستاذ صامويل باتي في فرنسا، كانت متلازمة: "قاتلُه لا يمثل الإسلام... لكن، كان عليه احترام معتقدات الآخرين" تتكرر بشدة؛ وكأننا، حتى ونحن ندين قتله... ندين أولا سلوكه ونبرر للقاتل "غضبه وغيرته على الإسلام".

لا شيء يبرر القتل، وخصوصا إذا كان السبب اختلافا في المواقف والأديان.

اليوم، العلمانية والقدرة على انتقاد كل المعتقدات، هي التي صنعت تقدم المجتمع الأوروبي والأميركي وانفتاحه وقدرته على استقبال واستيعاب مختلف الطوائف والأديان. هي التي تسمح للمسلمين في أميركا وكندا وفرنسا وهولندا وغيرها بممارسة طقوسهم بحرية وببناء المساجد وبالنشاط الجمعوي والسياسي والنقابي (هل يستطيع مهاجر سينغالي في المغرب أو سوداني في مصر أو باكستاني في السعودية مثلا أن يترشح للانتخابات أو أن يصبح وزيرا؟). هناك بالفعل أشكال من الخلل والعنصرية في تلك المجتمعات وقد ننتقدها لإصلاحها. هكذا تتطور الديمقراطيات: بالنقاش والانتقاد والتعديل والتصويب... وليس بالانغلاق على الذات واعتبار أي محاولة انتقاد من الداخل أو الخارج... هجوما على الإسلام!

 

---------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا
إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا

ابتهال الخطيب

بدا المشهد سريالياً، لربما عدمياً، وهذا الرجل يقف على تلة من الأنقاض، يحمل في يديه حجراً من القطع الكبير ويطرق به على القطع الأسمنتية المتناثرة حوله. يصرخ الرجل بكلمات غير مفهومة، ثم يَطرق منصتاً لثوان، يلصق أذنه بقاعدة إسمنتية ضخمة أمامه، لربما كانت سقفاً قبل دقائق، متلهفاً لسماع صوت يعيد نداءه. لا يسمع شيئا، يعيد الطرق، يعيد النداء بذات الصوت المستميت، يصغي قليلاً، يتلفت حوله، يعيد الطرق، يعيد النداء.

تخيلت للحظة أن الفيديو قادم من فيلم قديم صامت، تتسارع مشاهده وتتكرر بشكل غريب، إلا أن لهذا المشهد أصوات مسموعة وإن كانت غير مفهومة، أصوات معجونة لألم ويأس ووجع، ولهذا المشهد ألوان وإن كانت غير مرئية، حيث حولت الأنقاض الصورة للأبيض والأسود، وكأنها ترينا "نيجاتف" حياتنا البشرية الهشة الخاوية من المعنى.  

وتتوالى المشاهد بقسوة غير مبررة. في مشهد آخر يمسك رجل بوليد عار، خرج من رحم أمه مباشرة للشارع، في صورة لا معنى لها، لا عِبرة منها ولا مغزى لقسوتها. الخبر يقول أن هذا الطفل وُلد تحت الأنقاض فيم والدته لقيت مصرعها. لربما العبرة أن مع كل موت حياة، أن الحياة أقوى من الكوارث، أن المعجزات ممكنة، لكن لا شيئ من هذه الجمل الكليشيهية له معنى حقيقي، له بُعد عميق. كلها كلمات نرددها، فيم الدنيا، هذا "المشروع الخطر لأن نحيا" كما يصفها الكاتب الكبير جوزيف كونراد، تضربنا بسبب وبلا سبب، وفيم نحن "نجوِّد" للدنيا ونزيد على قسوتها، فنضيف للألم ألما وللعذاب والقسوة والمعاناة جرعات من أفعالنا.  

لربما لا يحسب الزلزال علينا كبشر بشكل مباشر، إلا إذا كان قد وقع نتاج تلاعبنا المعتاد بالطبيعة والذي يستثير غضبها الضاري بين الحين والآخر، إلا أن أوضاع البشر المعرضين لهذا الزلزال تحسب علينا كاملة، وتحسب علينا كلنا كبشر، لا أحد بريء أو معذور. لقد تشرد من الشعب السوري في غضون السنوات القليلة السابقة، منذ أن بدأ نظامه يحرقه في محارقه السياسية المرعبة، عدد أكبر ممن نزح من الفلسطينيين المُحتلين إبان المئة سنة الماضية. لقد مات من الشعب السوري كباراً وصغاراً، جوعاً وبرداً وإرهاقاً ومرضاً وتعرضاً للجرائم، عدد لربما فاق أعداد ضحايا أسوأ النكبات البشرية على مدى تاريخ جنسنا الغريب. كل ما يمكن أن يقع من المآسي وقع، لتصيب شظايا هذه المآسي الأطفال بالتحديد: إطلاق نار مباشر عليهم، تفجير سرائرهم الصغيرة بقنابل من السماء، غرقهم في البحر، تجمد قلوبهم الصغيرة في المخيمات الباردة، التصاق معداتهم الطرية في أيام ممتدة بلا طعام، تهالك أجسادهم الندية بأمراض كان يمكن أن يتفادوها أو يتعالجوا منها، فماذا بعد ننوي أن نفعل في أطفال بني جنسنا؟ أي جنس حي واع ذكي هذا الذي يأكل صغاره؟ 

ثم تظهر الجريدة الفرنسية الرخيصة ذاتها لتسخر من ضحايا الزلزال وتتشفى في المدفونين تحت الأنقاض وتحتفل بالموت الذي لم يعد يحتاج "لإرسال الدبابات". هنا تظهر قيمة حرية الرأي والتعبير، فهذه الحرية هي التي كفلت لهذا الإعلام الرخيص القذر أن يكشف عورته ويُظهر أقبح وأبشع ما لديه، ولولا هذه الحرية، لولا هذه المساحة المتاحة لهذه الصحيفة، لما عرفنا درجة رخصها وانحطاطها.  

وفي حين أن كلمات هذه الصحيفة تُظهر أبشع وجه للبشرية، فإن الفزعة المقابلة للشعوب المختلفة تُظهر أجمله وأنقاه. وعلى الرغم من أن ثلاثة أرباع المعاناة من صنع جنسنا، إلا أن ثلاثة أرباع جنسنا الآن يحاول أن يعوض ويُصلح ما اقترفه أياد البعض منا، وما زاد عليه بعضنا الآخر بالسكوت والتجاهل. في أحد صور أضعف الإيمان، نحن لا نزال نحاول، كجموع بشرية كاملة، تجاوباً مع غريزة البقاء، أو تفاعلاً مع مشاعر تأنيب الضمير، أو إقراراً بذنب المشاركة في المأساة، أن نمد يد العون وأن نقدم شيئا من جهود الإغاثة، في صورة ملحمية طيبة لربما تشير لبعض الأمل في جنسنا الغريب العدمي السائر بحثاثة على طريق الفناء. 

هناك الهلال الأحمر، الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، منظمة اللاجئين، اليونيسيف، منظمة الخوذ البيضاء وغيرها من المؤسسات الكثيرة التي تستقبل المساعدات المادية والعينية لتوصلها إلى المناطق المنكوبة في تركيا وسوريا. لنتبرع جميعاً بأي مقدار، كل دولاراً وجنيهاً وديناراً ودرهماً سيفرقون. لنحاول التأكد من وصول المساعدات لسوريا تحديداً، هذه التي ظروفها السياسية المرعبة، هذه الظروف التي فوق ما قتلت من بشر تمنع اليوم عنهم المساعدات وتسد عليهم الجسور الجوية، جعلتها هي الأكثر حاجة للأيادي الممدودة والقلوب المتواصلة بالدعاء والحب. لنرسل حيث نرسل، فالدنيا فيها من الهم والألم والمعاناة ما يكفي لعطاء تلاحمنا ورحمتنا وتواصلنا بل وحتى للعطاء المُحَفَّز بعنصرياتنا وتمييزنا ويزيد. لنساعد، من منطلق عنصري، من منطلق تلاحمي، من منطلق غريزي، من منطلق عقلاني، من منطلق سياسي، من منطلق ترويجي مصلحي، من منطلق ديني، من منطلق أخلاقي، المهم أن نساعد، المهم أن نسد الفجوة التي خلقها هذا الزلزل ورعونة بني جنسنا وظلمهم وقسوتهم، المهم أن نتلاحم حيث يهاجمنا الفناء، فنقاوم وندفع ونحارب أمام هذا الوحش البشع العنيد. 

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).